الجامع التاريخي لبيان القرآن الكريم - مركز مبدع [إخفاء]  
{فَأَوۡحَيۡنَآ إِلَىٰ مُوسَىٰٓ أَنِ ٱضۡرِب بِّعَصَاكَ ٱلۡبَحۡرَۖ فَٱنفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرۡقٖ كَٱلطَّوۡدِ ٱلۡعَظِيمِ} (63)

جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :

وقوله:"فَأَوْحَيْنا إلى مُوسَى أنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ البَحْرَ فانْفَلَقَ" ذُكر أن الله كان قد أمر البحر أن لا ينفلق حتى يضربه موسى بعصاه... فضربه بها وفيها سلطان الله الذي أعطاه، فانفلق.

وقوله: "فَكان كُلّ فِرْقٍ كالطّوْدِ العَظِيمِ "يقول تعالى ذكره: فكان كل طائفة من البحر لما ضربه موسى كالجبل العظيم.

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز لابن عطية 542 هـ :

لما عظم البلاء على بني إسرائيل أمر موسى أن يضرب البحر بعصاه، وذلك لأنه عز وجل أراد أن تكون الآية متصلة بموسى ومتعلقة بفعل فعله وإلا فضرب العصا ليس بفالق للبحر ولا معين على ذلك بذاته إلا بما اقترن به من قدرة الله واختراعه...

مفاتيح الغيب للرازي 606 هـ :

اعلم أنه تعالى لما حكى عن موسى عليه السلام قوله: {إن معي ربي سيهدين} بين تعالى بعده كيف هداه ونجاه، وأهلك أعداءه بذلك التدبير الجامع لنعم الدين والدنيا، فقال: {فأوحينا إلى موسى أن اضرب بعصاك البحر فانفلق} ولا شبهة في أن المراد فضرب فانفلق لأنه كالمعلوم من الكلام إذ لا يجوز أن ينفلق من غير ضرب ومع ذلك يأمره بالضرب لأنه كالعبث،ولأنه تعالى جعله من معجزاته التي ظهرت بالعصا ولأن انفلاقه بضربه أعظم في النعمة عليه، وأقوى لعلمهم أن ذلك إنما حصل لمكان موسى عليه السلام.

نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي 885 هـ :

{فأوحينا} أي فتسبب عن كلامه الدال على المراقبة أنا أوحينا؛ ونوه باسمه الكريم جزاء له على ثقته به سبحانه فقال: {إلى موسى} وفسر الوحي الذي فيه معنى القول بقوله: {أن اضرب بعصاك البحر} أي الذي أمامكم، وهو بحر القلزم الذي يتوصل أهل مصر منه إلى الطور وإلى مكة المشرفة وما والاها {فانفلق} أي فضربه فانشق بسبب ضربه لما ضربه امتثالاً لأمر الله... {فكان كل فرق} أي جزء وقسم عظيم منه {كالطود} أي الجبل في إشرافه وطوله وصلابته بعدم السيلان {العظيم} المتطاول في السماء الثابت لا يتزلزل، لأن الماء كان منبسطاً في أرض البحر، فلما انفرق وانكشفت فيه الطرق انضم بعضه إلى بعض فاستطال وارتفع في السماء.

في ظلال القرآن لسيد قطب 1387 هـ :

وفي اللحظة الأخيرة ينبثق الشعاع المنير في ليل اليأس والكرب، وينفتح طريق النجاة من حيث لا يحتسبون: (فأوحينا إلى موسى أن اضرب بعصاك البحر).. ولا يتمهل السياق ليقول إنه ضرب بعصاه البحر. فهذا مفهوم. إنما يعجل بالنتيجة: (فانفلق. فكان كل فرق كالطود العظيم).. ووقعت المعجزة، وتحقق الذي يقول عنه الناس: مستحيل. لأنهم يقيسون سنة الله على المألوف المكرور. والله الذي خلق السنن قادر على أن يجريها وفق مشيئته عندما يريد. وقعت المعجزة وانكشف بين فرقي الماء طريق. ووقف الماء على جانبي الطريق كالطود العظيم. واقتحم بنو إسرائيل.. ووقف فرعون من جنوده مبغوتا مشدوها بذلك المشهد الخارق، وذلك الحادث العجيب. ولا بد أن يكون قد وقف مبهوتا فأطال الوقوف -وهو يرى موسى وقومه يعبرون الخضم في طريق مكشوف- قبل أن يأمر جنوده بالاقتحام وراءهم في ذلك الطريق العجيب..

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل - لجنة تأليف بإشراف الشيرازي 2009 هـ :

تلك العصا التي هي في يوم آية إنذار، وفي يوم آخر آية رحمة ونجاة! فامتثل موسى (عليه السلام) أمر ربه فضرب البحر، فإذا أمامه مشهد رائع عجيب، تهللت له أسارير وجوه بني إسرائيل، إذا انشقَّ البحر (فانفلق فكان كل فرق كالطود العظيم)! و «انفلق» مأخوذ من «الفَلَق» ومعناه الانشقاق و «فَرَقَ» من مادة «فرْق» على زنة «حلق» ومعناه الانفصال! وبتعبير آخر، كما يقول الراغب في مفرداته: أن الفرق بين (فلق) و (فرق) هو أن الأوّل يشير إلى الانشقاق (أو الانشطار) والثّاني يشير إلى الانفصال، ولذا تطلق الفرقة والفِرَق على القطعة أو الجماعة التي انفصلت عن البقيّة!... «الطود» معناه الجبل العظيم، ووصف الطود بالعظمة في الآية تأكيد آخر على معناه. وعلى كل حال، فإنّ الله الذي ينفذ أمره في كل شيء، وبأمره تموج البحار وتتصرف الرياح وتتحرك العواصف وكل شيء في عالم الوجود من رشحات فضله وقدرته أصدر أمره إلى البحر، وأمواجه، فالتحمت الأمواج وتراكمت بعضها إلى بعض، وظهرت ما بينها طُرُق سالكة، فمرّتْ كل فرقة من بني إسرائيل في إحدى الطرق! إلاّ أنّ فرعون وأتباعه بالرغم من مشاهدتهم هذه المعجزة الكبرى الواضحة لم يذعنوا للحق، ولم ينزلوا عن مَركبِ غرورهم، فاتبعوا موسى ورهطه ليبلغوا مصيرهم المحتوم، كما يقول القرآن في هذا الشأن: (وأزلفنا ثمّ الآخرين).

 
الوجيز في تفسير الكتاب العزيز للواحدي - الواحدي [إخفاء]  
{فَأَوۡحَيۡنَآ إِلَىٰ مُوسَىٰٓ أَنِ ٱضۡرِب بِّعَصَاكَ ٱلۡبَحۡرَۖ فَٱنفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرۡقٖ كَٱلطَّوۡدِ ٱلۡعَظِيمِ} (63)

{ فكان كل فرق } قطعة من الماء { كالطود العظيم } كالجبل

 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{فَأَوۡحَيۡنَآ إِلَىٰ مُوسَىٰٓ أَنِ ٱضۡرِب بِّعَصَاكَ ٱلۡبَحۡرَۖ فَٱنفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرۡقٖ كَٱلطَّوۡدِ ٱلۡعَظِيمِ} (63)

قوله : { فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِب بِّعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانفَلَقَ } وهذه بداية النصر والتأييد من الله بإهلاك الظالمين المجرمين ، فرعون وجنوده أجمعين . فقد أمر الله كليمه موسى أن يضرب البحر بعصاه فانفلق ؛ أي صار فيه اثنا عشر طريقا على عدد أسباط بني إسرائيل ؛ ليمضي كل سبط منهم في طريق . وكل ذلك بقدرة الله المطلقة ومشيئته التي لا تعرف الحدود . نوقن بذلك تمام اليقين ونحن نتصور العصا ، هذا الجرم الصغير المهين ، وهو يُضرب به البحر ؛ فإنه في معيار الطبيعة وقوانينها لا يساوي شيئا ولا يؤثر في البحر أهون تأثير . لكن الله العزيز المقتدر خالق الأشياء والكائنات ، والذي أودع فيها ما أودع من القوانين والخصائص قادر أن يفعل ما يريد من المعجزات الحسية التي تتعطل عندها قوانين الطبيعة ونواميسها . وهذه واحدة من المعجزات الكبرى التي تحققت لبني إسرائيل بقيادة النبي العظيم موسى عليه الصلاة والسلام . وهي انفراق البحر اثني عشر طريقا يبسا ممهدا يسيرون فيه في أمن ويسر .

قوله : { فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ } الفرق ، القطعة أو الجزء المنفرق من البحر . والطود ، معناه الجبل العظيم{[3377]} والمعنى : قام الماء عن يمين كل طريق من هذه الطرق وعن يساره كالجبل الشاهق العظيم . وهذه معجزة كبيرة مثيرة توجج العجب وتدير الرأس . وللمرء أن يتخيل الماء وهو يقف شاهقا مركوما على جانبي كل طريق من هذه الطرق . ومجرد قيامه عاليا متراكما لا يسقط ولا يسيل ، ينبئ بمعجزة ظاهرة ثانية .

وذكر كثير من المفسرين أنه قد جُعلت لهم كوى أو منافذ في الجدران المائية التي تفصل بين الأسباط الاثني عشر ليرى بنو إسرائيل بعضهم بعضا . وهذه معجزة ثالثة من معجزات حسية قد أوتيها بنو إسرائيل ليشكروا الله على ما آتاهم من فضله من عظيم العطايا مما لم يعط مثله أحد غيرهم في العالمين . لكنهم في الحقيقة لم يشكروا ولم يتذكروا ، ولم يقابلوا عطايا الله بالخشوع والتواضع والرحمة بالبشرية بل إنهم وذراريهم من بعدهم قد جحدوا واستكبروا بعد أن طال عليهم الأمد فقست قلوبهم . فهم أولوا طبائع غريبة . بما خالطها من انحراف وعوج وبما تجلى في نفوسهم وسلوكهم وطريقة تفكيرهم من زيغ واعوجاج وجنوح للتخريب وبما مردوا عليه خلال تاريخهم الطويل من رغبة ملحة في التدسس خلف المجتمعات لإضعافها والسيطرة عليها .


[3377]:مختار الصحاح ص 399