تيسير التفسير لإبراهيم القطان - إبراهيم القطان [إخفاء]  
{رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضۡلَلۡنَ كَثِيرٗا مِّنَ ٱلنَّاسِۖ فَمَن تَبِعَنِي فَإِنَّهُۥ مِنِّيۖ وَمَنۡ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٞ رَّحِيمٞ} (36)

ثم يذكر مساوئ الأصنام وكل ما عُبد من دون الله بقوله :

{ رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيراً مِّنَ الناس }

ويبين الدين الحق الذي هو عليه ويتابع الدعاء فيقول :

{ فَمَن تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ } .

فأما من تبع طريقي فهو منّي ، ينتسب إليّ ويلتقي معي ، وأما من عصاني منهم فأُفوّض أمره إليك ، فأنتَ غفور رحيم .

وهنا تتجلّى رحمة إبراهيم وعطفه ورأفته ، فهو لم يطلب الهلاك لمن يعصيه من نسله ، كما أنه لا يستعجل العذاب لهم ، وإنما يَكِلُهم إلى غفران الله ورحمته .

 
روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضۡلَلۡنَ كَثِيرٗا مِّنَ ٱلنَّاسِۖ فَمَن تَبِعَنِي فَإِنَّهُۥ مِنِّيۖ وَمَنۡ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٞ رَّحِيمٞ} (36)

{ رَبّ إِنَّهُنَّ } أي الأصنام { أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مّنَ الناس } أي تسببن له في الضلال فإسناد الإضلال إليهن مجازي لأنهن جماد لا يعقل منهن ذلك والمضل في الحقيقة هو الله تعالى ، وهذا تعليل لدعائه عليه السلام السابق ، وصدر بالنداء إظهاراً للاعتناء به ورغبة في استجابته { فَمَن تَبِعَنِى } منهم فيما أدعو إليه من التوحيد وملة الإسلام { فَإِنَّهُ مِنّى } يحتمل أن تكون { مِنْ } تبعيضية على التشبيه أي فإنه كبعضي في عدم الانفكاك ، يحتمل ويحتمل أن تكون اتصالية كما في قوله صلى الله عليه وسلم لعليّ كرم الله تعالى وجهه : «أنت مني بمنزلة هرون من موسى » أي فإنه متصل بي لا ينفك عني في أمر الدين ، وتسميتها اتصالية لأنه يفهم منها اتصال شيء بمجرورها وهي ابتدائية إلا أن ابتدائية باعتبار الاتصال كذا في «حواشي شرح المفتاح الشريفي » ، يعني أن مجرورها ليس مبدأ أو منشأ لنفس ما قبلها بل لاتصاله ، فإما أن يقدر متعلقها فعلاً خاصاً كما قاله الجلال السيوطي في بيان الخبر من أن { مِنّي } فيه خبر المبدأ { وَمِنْ } اتصالية ومتعلق الخبر خاص والباء زائدة بمعنى أنت متصل بي ونازل مني بمنزلة هرون من موسى ، وإما أن يقدر فعل عام كما ذهب إليه الشريف هناك أي منزلته بمنزلة كائنة وناشئة مني كمنزلة هرون من موسى عليهما السلام ، وتقديره خاصة هنا كما فعلنا على تقدير جعلها اتصالية مما يستطيبه الذوق السليم دون تقديره عاماً { وَمَنْ عَصَانِى } أي لم يتبعني ، والتعبير عنه بالعصيان كما قيل للإيذان بأنه عليه السلام مستمر على الدعوة وأن عدم اتباع من لم يتبعه إنما هو لعصيانه لا لأن الدعوة لم تبلغه . وفي «البحر » أن بين الاتباع والعصيان طباقاً معنوياً لأن الاتباع طاعة { فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ } أي قادر على أن تغفر له وترحمه ، وفي الكلام على ما أشار إليه البعض حذف والتقدير ومن عصاني فلا أدعو عليه فإنك الخ ، وفي الآية دليل على أن الشرك يجوز أن يغفر ولا إشكال في ذلك بناء على ما قال النووي في «شرح مسلم » من أن مغفرة الشرك كانت في الشرائع القديمة جائزة في أممهم وإنما امتنعت في شرعنا .

واختلف القائلون بأن مغفرة الشرك لم تكن جائزة في شريعة من الشرائع في توجيه الآية ، فمنهم من ذهب إلى أن المراد غفور رحيم بعد التوبة ونسب ذلك إلى السدي . ومنهم من ذهب إلى تقييد العصيان بما دون الشرك وغفل عمل تقتضيه المعادلة . وروى ذلك عن مقاتل . وفي رواية أخرى عنه أنه قال : إن المعنى ومن عصاني بإقامته على الكفر فإنك قادر على أن تغفر له وترحمه بأن تنقله من الكفر إلى الإيمان والإسلام وتهديه إلى الصواب .

ومنهم من قال : المعنى ومن لم يتبعني فيما أدعو إليه من التوحيد وأقام على الشرك فإنك قادر على أن تستره عليه وترحمه بعدم معاجلته بالعذاب ، ونظير ذلك قوله تعالى : { وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لّلنَّاسِ على ظُلْمِهِمْ } [ الرعد : 6 ] ومنهم من قال : إن الكلام على ظاهره وكان ذلك منه عليه السلام قبل أن يعلم أن الله سبحانه لا يغفر الشرك ، ولا نقص بجهل ذلك لأن مغفرة الشرك جائزة عقلاً كما تقرر في الأصول لكن الدليل السمعي منع منها ، ولا يلزم النبي أن يعلم جميع الأدلة السمعية في يوم واحد . والإمام لم يرتض أكثر هذه الأوجه وجعل هذا الكلام منه عليه السلام شفاعة في إسقاط العقاب عن أهل الكبائر قبل التوبة وأنه دليل لحصول ذلك لنبينا صلى الله عليه وسلم فقال : إن المعصية المفهومة من الآية إما أن تكون من الصغائر أو من الكبائر بعد التوبة أو قبلها ، والأول والثاني باطلان لأن { مِنْ * عَصَانِى } مطلق فتخصيصه عدول عن الظاهر ، وأيضاً الصغائر والكبائر بعد التوبة واجبة الغفر إن عند الخصم فلا يمكن اللفظ عليه فثبت أن الآية شفاعة لأهل الكبائر قبل التوبة ، ومتى ثبتت منه عليه السلام ثبتت في حق نبينا عليه السلام والسلام لمكان { اتبع مِلَّةَ إبراهيم } [ النحل : 123 ] ونحوه ، ولئلا يلزم النقص وهو كما ترى ، وقد مر لك ما ينفعك في هذا المقام فتذكر هداك الله تعالى .

( هذا ومن باب الإشارة ) : { رَبّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مّنَ الناس فَمَن تَبِعَنِى } في طريق المجاهدة والخلة ببذل الروح بين يديك { فَإِنَّهُ مِنّى } طينته من طينتي وقلبه من قلبي وروحه من روحي وسره من سري ومشربه في الخلة من مشربي { وَمَنْ عَصَانِى } وفعل ما يقتضي الحجاب عنك { فإنك غَفُورٌ رَّحِيمٌ } [ إبراهيم : 36 ] فلا أدعو عليه وأفوض أمره إليك . قيل : إن هذا منه عليه السلام دعاء للعاصي بستر ظلمته بنوره تعالى ورحمته جل شأنه إياه بإفاضة الكمال عليه بعد المغفرة .

ومن كلام نبينا صلى الله عليه وسلم : " اللهم اهد قومي فإنهم لا يعلمون "

وفي أسرار التأويل أنه عليه السلام أشار بقوله : { وَمَنْ عَصَانِى } إلى مقام الجمع ولذا لم يقل : «ومن عصاك » ويجوز أن يقال : إنما أضاف عصيانهم إلى نفسه لأن عصيان الخلق للخالق غير ممكن ، وما من دابة الأوربي آخذ بناصيتها فهم في كل أحوالهم مجيبون لداعي ألسنة مشيئته سبحانه وإرادته القديمة ، وسئل عبد العزيز المكي لم لم يقل الخليل ومن عصاك ؟ فقال لأنه عظم ربه عز وجل وأجله من أن يثبت أن أحداً يجترىء على معصيته سبحانه وكذا أجله سبحانه من أن يبلغ أحد مبلغ ما يليق بشأنه عز شأنه من طاعته حيث قال { فمن تبعني }

 
الجامع التاريخي لبيان القرآن الكريم - مركز مبدع [إخفاء]  
{رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضۡلَلۡنَ كَثِيرٗا مِّنَ ٱلنَّاسِۖ فَمَن تَبِعَنِي فَإِنَّهُۥ مِنِّيۖ وَمَنۡ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٞ رَّحِيمٞ} (36)

تفسير مقاتل بن سليمان 150 هـ :

{رب إنهن أضللن}، يعني الأصنام، {كثيرا من الناس}، يعني أضللن بعبادتهن كثيرا من الناس، {فمن تبعني} على ديني، {فإنه مني}، على ملتي، {ومن عصاني}، فكفر، {فإنك غفور رحيم}، أن تتوب عليه، فتهديه إلى التوحيد...

جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :

"رَبّ إنّهُنّ أضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النّاسِ" يقول: يا ربّ إن الأصنام أضللن: يقول: أزلن كثيرا من الناس عن طريق الهُدى وسبيل الحقّ حتى عبدوهنّ، وكفروا بك...

"فَمَنْ تَبِعَنِي فإنّهُ مِنّي" يقول: فمن تبعني على ما أنا عليه من الإيمان بك وإخلاص العبادة لك وفراق عبادة الأوثان، فإنه مني: يقول: فإنه مستنّ بسنّتِي، وعامل بمثل عملي.

"ومَنْ عَصَانِي فإنّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ" يقول: ومن خالف أمري فلم يقبل مني ما دعوته إليه، وأشرك بك، فإنك "غفور" لذنوب المذنبين الخَطائين بفضلك، "رحيم" بعبادك تعفو عمن تشاء منهم...

التبيان في تفسير القرآن للطوسي 460 هـ :

"فمن تبعني" حكاية ما قال إبراهيم من أن من يتبعه في عبادة الله وحده وترك عبادة الأصنام، فإنه منه وعلى دينه. "ومن عصاني" في ذلك وعبد مع الله غيره، وعصاه في أوامره "فانك" يا الله "غفور رحيم" أي ستار على عبادك معاصيهم "رحيم" بهم أي منعم عليهم في جميع الأحوال...

لطائف الإشارات للقشيري 465 هـ :

{فَإِنَّكَ غَفُورٌ رًّحِيمٌ}: طلبٌ للرحمة بالإشارة، أي فارحمهم. وقال: {وَمَنْ عَصَانِي}... ولم يَقُلْ: مَنْ عصاك، وإنْ كان من عصاه فقد عصى الله، ولكن اللفظ إنما لطلب الرحمة فيما كان نصيب من ترك حقه، ولم ينتصر لنفسه بل قابلهم بالرحمة...

الكشاف عن حقائق التنزيل للزمخشري 538 هـ :

{إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مّنَ الناس} فأعوذ بك أن تعصمني وبنيَّ من ذلك... {فَمَن تَبِعَنِي} على ملتي وكان حنيفاً مسلماً مثلي {فَإِنَّهُ مِنِّي} أي هو بعضي لفرط اختصاصه بي وملابسته لي...

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز لابن عطية 542 هـ :

نسب إلى الأصنام أنها أضلت كثيراً من الناس -تجوز- إذ كانت عرضة الإضلال، والأسباب المنصوبة للغيّ، وعليها تنشأ الأغيار، وحقيقة الإضلال إنما هي لمخترعه... وقوله: {ومن عصاني} ظاهره بالكفر، بمعادلة قوله: {فمن تبعني فإنه مني}، وإذا كان ذلك كذلك فقوله: {فإنك غفور رحيم} معناه: بتوبتك على الكفرة حتى يؤمنوا، لا أنه أراد أن الله يغفر لكافر، لكنه حمله على هذه العبارة ما كان يأخذ نفسه به من القول الجميل والنطق الحسن وجميل الأدب -صلى الله عليه وسلم -...

نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي 885 هـ :

ثم بين زيادة الاهتمام بأمر الأصنام بإعادة النداء، وأسقط الأداة -زيادة في التملق بكونه من أهل القرب والانقطاع إليه سبحانه معللاً لما قبله- في قوله: {رب} بإفراد المضاف إليه ليكون الكلام الواحد على نظام واحد {إنهن أضللن} إسناد مجازي علاقته السببية {كثيراً من الناس فمن} أي فتسبب عن بغضي لهن أني أقول: من {تبعني} من جميع الناس في تجنبها {فإنه مني} أي من حزبي لكونه على طريقتي وديني، فأتني ما وعدتني فيه من الفوز {ومن عصاني} فضل بها فقد استحق النار، فإن عذبته فهو عبدك، وإن غفرت له فأنت أهل لذلك، لأن لك أن تفعل ما تشاء {فإنك غفور} أي بليغ الستر {رحيم} أي بليغ الإكرام بعد ستر الذنوب؛ وأكد للإعلام بزيادة رغبته في العفو لأنه لا ينقص به شيء من عزته سبحانه ولا حكمته...

إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم لأبي السعود 982 هـ :

{وَمَنْ عصاني} أي لم يتبعْني، والتعبيرُ عنه بالعصيان للإيذان بأن عليه السلام مستمرُّ الدعوة وأن عدم اتباعِ من لم يتبعْه إنما هو لعصيانه لا لأنه لم يبلغْه الدعوة...

محاسن التأويل للقاسمي 1332 هـ :

{فإنك غفور رحيم}... وتخصيص الاسمين إشارة إلى سبق الرحمة...

في ظلال القرآن لسيد قطب 1387 هـ :

في هذا تبدو سمة إبراهيم العطوف الرحيم الأواه الحليم؛ فهو لا يطلب الهلاك لمن يعصيه من نسله ويحيد عن طريقه، ولا يستعجل لهم العذاب؛ بل لا يذكر العذاب، إنما يكلهم إلى غفران الله ورحمته، ويلقي على الجو ظلال المغفرة والرحمة؛ وتحت هذا الظل يتوارى ظل المعصية؛ فلا يكشف عنه إبراهيم الرحيم الحليم!...

التحرير والتنوير لابن عاشور 1393 هـ :

إعادة النداء في قوله: {رب إنهن أضللن كثيراً من الناس} لإنشاء التحسر على ذلك.

وجملة {إنهن أضللن كثيراً من الناس} تعليل للدعوة بإجنابه عبادتها بأنها ضلال راج بين كثير من الناس، فحق للمؤمن الضنين بإيمانه أن يخشى أن تجترفه فتنتها، فافتتاح الجملة بحرف التوكيد لما يفيده حرف (إنّ) في هذا المقام من معنى التعليل.

وذلك أن إبراهيم عليه السلام خرج من بلده أُور الكلدانيين إنكاراً على عبدة الأصنام، فقال: {إني ذاهب إلى ربي سيهدين} [سورة الصافات: 99] وقال لقومه: {وأعتزلكم وما تدعون من دون الله} [سورة مريم: 48]. فلما مر بمصر وجدهم يعبدون الأصنام ثم دخل فلسطين فوجدهم عبدة أصنام، ثم جاء عَرَبَةَ تهامة فأسكن بها زوجه فوجدها خالية ووجد حولها جُرْهمَ قوماً على الفطرة والسذاجة فأسكن بها هاجر وابنه إسماعيل عليه السلام. ثم أقام هنالك مَعلَم التوحيد. وهو بيت الله الكعبة بناه هو وابنه إسماعيل، وأراد أن يكون مأوى التوحيد، وأقام ابنه هنالك ليكون داعية للتوحيد. فلا جرم سأل أن يكون ذلك بلداً آمناً حتى يسلم ساكنوه وحتى يأوي إليهم من إذا آوى إليهم لقنوه أصول التوحيد.

ففرع على ذلك قوله: {فمن تبعني فإنه مني}، أي فمن تبعني من الناس فتجنب عبادة الأصنام فهو مني، فدخل في ذلك أبوه وقومه، ويدخل فيه ذريته لأن الشرط يصلح للماضي والمستقبل.

و (من) في قوله: {مِني} اتصالية. وأصلها التبعيض المجازي، أي فإنه متصل بي اتصال البعض بكله.

وقوله: {ومن عصاني فإنك غفور رحيم} تأدب في مقام الدعاء ونفع للعصاة من الناس بقدر ما يستطيعه. والمعنى ومن عصاني أفوّض أمره إلى رحمتك وغفرانك. وليس المقصود الدعاء بالمغفرة لمن عصى. وهذا من غلبة الحلم على إبراهيم عليه السلام وخشية من استئصال عصاة ذريته. ولذلك متعهم الله قليلاً في الحياة الدنيا، كما أشار إليه قوله تعالى: {قال ومن كفر فأمتعه قليلاً ثم أضطره إلى عذاب النار وبئس المصير} [سورة البقرة: 126] وقوله: {وإذ قال إبراهيم لأبيه وقومه إنني براء مما تعبدون إلا الذي فطرني فإنه سيهدين وجعلها كلمة باقية في عقبه لعلهم يرجعون بل متعت هؤلاء وآباءهم حتى جاءهم الحق ورسول مبين} [سورة الزخرف: 27]. وسوق هذه الدعوة هنا للتعريض بالمشركين من العرب بأنهم لم يبروا بأبيهم إبراهيم عليه السلام.

وإذ كان قوله: {فإنك غفور رحيم} تفويضاً لم يكن فيه دلالة على أن الله يغفر لمن يشرك به.

زهرة التفاسير - محمد أبو زهرة 1394 هـ :

إن ذكر ضلال الأوثان على لسان إبراهيم عليه السلام، وهم يتشرفون بنسبتهم إليه وهو باني الحرم الشريف المقدس، فيه بيان أنه برئ منهم ما داموا يعبدون الأوثان؛ ولذا قال عليه السلام في دعائه: {فمن تبعني فإنه مني} ملة إبراهيم هي التوحيد... فمن تبعه في ملته فإنه منه، ومفهوم هذا أن من لم يتبعه في التوحيد، وعبَد الأوثان فليس منه؛ لأن اشتراط كونه موحدا ليكون منه، فيه بيان لئن لم يتبعه لا يكون منه، بل هو برئ منه، كما تبرأ من أبيه، وكما تبرأ من قومه إذ قال: {إني بريء مما تشركون} [الأنعام 78]...

تفسير من و حي القرآن لحسين فضل الله 1431 هـ :

{رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ} ممن كانوا لا يملكون الوعي المنفتح على حقائق الحياة، ولا يدققون في الأفكار المطروحة عليهم، فلا يلتفتون إلى الخرافة وهي تتحرك في هذه الفكرة أو تلك، تضخيماً لبعض الأشخاص أو الظواهر أو الأشياء، وغير ذلك من أساليب التضليل الفكري والروحي والشعوري، الذي يُخضِع الإنسان لمؤثرات داخلية أو خارجية تملك عليه كيانه وتتوه به. وهكذا كانت هذه الأصنام مصدر ضلال للكثيرين من الناس، من خلال الفكرة الضالّة التي أريد لها أن تحكم صورتها.. فإن الصنمية فكرة يحركها الوهم والخيال لا الواقع، وقد تكون المشكلة فيها أنّها تفصل إحساس الإنسان بالشيء عن واقع ذاك الشيء شكلاً ومضموناً، بحيث يضخم الإحساس من حجم صورته إلى درجة تفقد الإنسان التوازن في التعامل معه. ولعل من أفضل أساليب مواجهة الصنمية، العمل على تعرية موضوعاتها من كل التهاويل التي أحاطت بها، والأسرار التي أثيرت فيها، والمشاعر التي تحركت حولها، ليعرفها الناس بحجمها العادي، تماماً كأي شخص آخر، وكأيّ حجر آخر، أو أيّة ظاهرةٍ أخرى، وذلك بالأسلوب الحكيم الذي يعرف كيف يواجه الخرافة، بالمنطق العقلي الهادئ البعيد عن عنصر الإثارة الانفعالية.

{فَمَن تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي}، من هؤلاء المؤمنين الواعين الذين يدرسون الوقائع من موقع خصائصها الحقيقيّة التي تكشف أن الله هو خالق كل شيء، وأن كل من عداه في الكون مخلوق له، وأن بين حقيقة الخالق والمخلوق فرقاً شاسعاً لا مجال معه لمنح المخلوق صفة الخالق، ولا النزول بالخالق إلى مستوى المخلوق، وأن الضعف أمام مثل هذه الأضاليل لا يبرر الانحراف، ولا يمثل حجّة أمام الله، بل لا بد للإنسان من أن يأخذ بأسباب القوّة المتوفرة بكثرة لاكتشاف الحقيقة، واتباع دعوة الأنبياء في توحيد الله في كل شيءٍ، والاندماج الروحي بهم، من خلال الالتزام الكامل بدعوتهم.

{وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ}، لأن المسألة لا تتعلق بالجانب الذاتي ليعود الأمر إليّ كشخص، بل تتعلق بالجانب الرسالي المتصل بالله. وبذلك فإن المسألة تعود إلى الله، فهو الذي يملك عقابهم على معصيتهم له وابتعادهم عن خط طاعته، وهو الذي يملك المغفرة والرحمة لهم، إما بهدايتهم إلى الصراط المستقيم ليملكوا الرحمة من خلال أسبابها، وإما بالتفضُّل عليهم بها تبعاً لمقتضيات الحكمة. وإذا كان الله قد تحدث في القرآن أنه لا يغفر لمن يشرك به، فإن ذلك لا يعني استحالة ذلك منه، كما لا يعني أن طلب إبراهيم ذلك منه يمثل انحرافاً، لأنه خاطب الله بإرجاع الأمر إليه، من موقع القلب المفتوح المتسامح الذي تنفتح فيه الروح النبويّة على الحياة كلها وعلى الآخرين بكل رحابةٍ...

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل - لجنة تأليف بإشراف الشيرازي 2009 هـ :

لأنّه (عليه السلام) كان يعلم حجم البلاء الكبير الكامن في عبادة الأصنام، ويعلم كثرة الذين ذهبوا ضحيّةً في هذا الطريق (ربّ إنّهنّ أضللن كثيراً من الناس) فأيّ ضلال أكبر من هذا الضلال الذي يفقد الإنسان فيه حتّى عقله وحكمته. إلهي انّني أدعو إلى توحيدك، وأدعو الجميع إلى عبادتك (فمن تبعني فإنّه منّي ومن عصاني فإنّك غفور رحيم). في الحقيقة إنّ إبراهيم (عليه السلام) أراد بهذه العبارة أن يقول لله تعالى: إنّه حتّى لو انحرف أبنائي عن مسيرة التوحيد واتّجهوا إلى عبادة الأصنام فإنّهم ليسوا منّي، ولو كان غيرهم في مسيرة التوحيد فهم أبنائي وإخواني...