تيسير التفسير لإبراهيم القطان - إبراهيم القطان [إخفاء]  
{وَءَاتَىٰكُم مِّن كُلِّ مَا سَأَلۡتُمُوهُۚ وَإِن تَعُدُّواْ نِعۡمَتَ ٱللَّهِ لَا تُحۡصُوهَآۗ إِنَّ ٱلۡإِنسَٰنَ لَظَلُومٞ كَفَّارٞ} (34)

لظلوم : ظالم لنفسه . كفار : شديد الكفر والجحود .

وهيّأ لكم كل ما تحتاجون ، سواء أسألتُموه أم لم تسألوه . . .

لأنه قد وضع في هذه الدنيا منافع يجهلُها الناس وهي معدَّة لهم ، فلم يسأل الله أحدٌ قديما أن يعطيَهم الطائرات والكهرباء وغير ذلك من الأشياء الجديدة ، ولم يزل هناك عجائب ستظهر فيما بعد ، { وَيَخْلُقُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ } [ النحل : 8 ] .

وإن حاولتم أن تعدُّوا نعمةَ الله فإنكم لا تستطيعون حَصْرَها ، فهي أكبرُ وأكثر من أن يحصيَها البشر .

وبعد هذا كلّه تجعلون لله أنداداً ، ولا تشكرون نِعَم الله { إِنَّ الإنسان لَظَلُومٌ كَفَّارٌ } فالإنسان الذي بدّل نعمة الله كُفراً بعد كل هذه النعم لهو شديد الظلم والجحود .

 
روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{وَءَاتَىٰكُم مِّن كُلِّ مَا سَأَلۡتُمُوهُۚ وَإِن تَعُدُّواْ نِعۡمَتَ ٱللَّهِ لَا تُحۡصُوهَآۗ إِنَّ ٱلۡإِنسَٰنَ لَظَلُومٞ كَفَّارٞ} (34)

{ وءاتاكم * مّن كُلّ مَا سَأَلْتُمُوهُ } أي أعطاكم بعض جميع ما سألتموه حسبما تقتضيه مشيئته التابعة للحكمة والمصلحة فمن كل مفعول ثان لآتى و { مِنْ } تبعيضية ، وقال بعض الكاملين : إن { كُلٌّ } للتكثير والتفخيم لا للإحاطة والتعميم كما في قوله تعالى : { فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلّ شَىْء } [ الأنعام : 44 ] واعترض على حمل { مِنْ } على التبعيض دون ابتداء الغاية بأنه يفضي إلى إخلاء لفظ { كُلٌّ } عن فائدة زائدة لأن { مَا } نص في العموم بل يوهم إيتاء البعض من كل فرد متعلق به السؤال ولا وجه له .

ودفع بأنه بعد تسليم كون { مَا } نصاً في العموم هنا عمومان عموم الأفراد وعموم الأصناف بمعنى كل صنف صنف وهما مقصودان هنا ، فالمعنى أعطاكم من جميع أفراد كل صنف سألتموه ، فإن الاحتياج بالذات إلى النوع/ والصنف لا لفرد بخصوصه ، وفسر { مَا سَأَلْتُمُوهُ } بما من شأنه أن يسأل لاحتياج الناس إليه سواء سئل بالفعل أم لم يسأل ، فلا ينفي إيتاء ما لا حاجة إليه مما لا يخطر بالبال ، وجعلوا الاحتياج إلى الشيء سؤالاً له بلسان الحال وهو من باب التمثيل ، وسبيل هذا السؤال سبيل الجواب في رأي في قوله تعالى : { أَلَسْتَ بِرَبّكُمْ قَالُواْ بلى } [ الأعراف : 172 ] وقيل : الأصل وآتاكم من كل ما سألتموه وما لم تسألوه فحذف الثاني لدلالة ما أبقى على ما ألقى ، { وَمَا } يحتمل أن تكون موصولة والضمير المنصوب في { سَأَلْتُمُوهُ } عائد عليها ، والتقدير من كل الذي سألتموه إياه ؛ ومنع أبو حيان جواز أن يكون راجعاً إليه تعالى ويكون العائد على الموصول محذوفاً مستنداً بأنه لو قدر متصلاً لزم اتصال ضميرين متحدي الرتبة من دون اختلاف وهو لا يجوز( {[491]} ) ولو قدر منفصلاً حسبما تقتضيه القاعدة في مثل ذلك لزم حذف العائد المنفصل وقد نصوا على عدم جوازه اه .

وذهب بعضهم إلى جواز كلا التقديرين مدعياً أن منع اتصال المتحدين رتبة خاص فيما إذا ذكرا معاً أما إذا ذكر أحدهما وحذف الآخر فلا منع إذ الاتصال حينئذٍ محض اعتبار وعلة المنع لا تجري فيه ، وأن منع حذف المنفصل خاص أيضاً فيما إذا كان الانفصال لغرض معنوي كالحصر في قولك : جاء الذي أباه ضربت إذ بالحذف حينئذٍ يفوت ذلك الغرض ، أما إذا كان لغرض لفظي كدفع اجتماع المثلين فلا منع إذ ليس هناك غرض يفوت ، ويحتمل أن تكون موصوفة والكلام في الضمير كما تقدم ، وأن تكون مصدرية والضمير لله تعالى والمصدر بمعنى المفعول أي مسؤولكم .

وقرأ ابن عباس . والضحاك . والحسن . ومحمد بن علي . وجعفر بن محمد . وعمرو بن قائد . وقتادة . وسلام . ويعقوب .

ونافع في رواية { مِن كُلّ } بالتنوين أي وآتاكم من كل شيء ما احتجتم إليه وسألتموه بلسان الحال ، وجوز على هذه القراءة أن تكون { مَا } نافية والمفعول الثاني { مِن كُلّ } كما في قوله تعالى : { وَأُوتِيَتْ مِن كُلّ شَىْء } [ النمل : 23 ] والجملة المنفية في موضع الحال أي أتاكم من كل غير سائليه ، وهو إخبار منه تعالى بسيوغ نعمته سبحانه عليهم بما لم يسألوه من النعم ؛ وروي هذا عن الضحاك ، ولا يخفى أن الوجه هو الأول ما أن القراءة على هذا الوجه تخالف القراءة الأولى والأصل توافق القراءتين وإن فهم منها إيتاء ما سألوه بطريق الأول .

{ وَإِن تَعُدُّواْ * نِعْمَتَ الله } أي ما أنعم به عليكم كما هو الظاهر .

وقال الواحدي : إن { نِعْمَتَ } هنا اسم أقيم مقام المصدر يقال : أنعم إنعاماً ونعمة كما يقال أنفقت إنفاقاً ونفقة فالنعمة بمعنى الإنعام ولذا لم تجمع ، والمعول عليه ما أشرنا إليه من أنها اسم جنس بمعنى المنعم به ، والمراد بها الجمع كأنه قيل : وإن تعدوا نعم الله { لاَ تُحْصُوهَا } وقد نص بعضهم على أن المفرد يفيد الاستغراق بالإضافة وما قيل : إن الاستغراق ليس مأخوذاً من الإضافة بل من الشرط والجزاء المخصوصين فيه نظر لأن الحكم المذكور يقتضي صحة إرادته منه ولولاه تنافيا ، والمراد بلا تحصوها لا تطيقوا حصرها ولو إجمالاً فإنها غير متناهية ، وأصل الإحصاء العد بالحصى فإن العرب كانوا يعتمدونه في العد كاعتمادنا فيه على الأصابع ولذا قال الأعشى :

ولست بالأكثر منهم حصى . . . وإنما العزة للكاثر

/ ثم استعمل لمطلق العد ، وقال بعض الأفاضل : إن أصله أن الحاسب إذا بلغ عقداً معيناً من عقود الأعداد وضع حصاة ليحفظه بها ففيه إيذان بعدم بلوغ مرتبة معتد بها من مراتبها فضلاً عن بلوغ غايتها وهو من الحسن بمكان إلا أنه ذهب إلى الأول الراغب وغيره ، وأول الإحصاء بالحصر لئلا يتنافى الشرط والجزاء إذا ثبت في الأول العد ونفي في الثاني ولو أول { ءانٍ * تَعْدُواْ } بأن تريدوا العد يندفع السؤال على ما قيل أيضاً والأول أولى ، وقال بعض الفضلاء : إن المعنى أن تشرعوا في عد أفراد نعمة من نعمه تعالى لا تطيقوا عدها .

وإنما أتى بإن وعدم العد مقطوع به نظراً إلى توهم أنه يطاق ، قيل : والكلام عليه أبلغ منه على الأول لما فيه من الإشارة إلى أن النعمة الواحدة لا يمكن عد تفاصيلها ، لكن أنت تعلم أن الظاهر هو الأول . وقد ذكر الإمام مثالين يستوضح بهما الوقوف على أن نعم الله تعالى لا تحصى ولا يمكن أن تستقصى فقال :

الأول : أن الأطباء ذكروا أن الأعصاب قسمان دماغية ونخاعية ، والدماغية سبعة وقد أتعبوا أنفسهم في معرفة الحكم الناشئة من كل واحدة منها ، ولا شك أن كل واحدة تنقسم إلى شعب كثيرة وكل واحدة من تلك الشعب تنقسم أيضاً إلى شعب أدق من الشعر ، ولكل واحد منها ممر إلى الأعضاء ، ولو أن واحدة اختلت كيفاً أو وضعاً أو نحو ذلك لاختلت مصالح البنية ، ولكل منها على كثرتها حكم مخصوصة ، وكما اعتبرت هذا في الشظايا العصبية فاعتبر مثله في الشرايين والأوردة ، وفي كل واحد من الأعضاء البسيطة والمركبة بحسب الكمية والوضع والفعل والانفعال حتى ترى أقسام هذا الباب بحراً لا ساحل له ، وإذا اعتبرت هذا في بدن الإنسان فاعتبر في نفسه وروحه فإن عجائب عالم الأرواح أكثر من عجائب عالم الأجسام ؛ وإذا اعتبرت أحوال عالم الأفلاك والكواكب وطبقات العناصر وعجائب البر والبحر والنبات والمعدن والحيوان ظهر لك أن عقول جميع الخلائق لو ركبت وجعلت عقلاً واحداً وتأمل به الإنسان في حكمة الله تعالى في أقل الأشياء لما أدرك منها إلا القليل .

الثاني : أنه إذا أخذت لقمة من الخبز لتضعها في فمك فانظر إلى ما قبلها وإلى ما بعدها ، فأما الأول فأعرف أنها لا تتم إلا إذا كان هذا العالم بكليته قائماً على الوجه الأصوب لأن الحنطة لا بد منها ولا تنبت إلا بمعونة الفصول وتركب الطبائع وظهور الأمطار والرياح ، ولا يحصل شيء من ذلك إلا بدور أن الأفلاك واتصال بعض الكواكب ببعض على وجوه مخصوصة ، ثم بعد أن تكون الحنطة لا بد لها من آلات الطحن ونحوه وهي لا تحصل إلا عند تولد الحديد في أرحام الجبال ؛ ثم تأمل كيف تكونت على الأشكال المخصوصة ، ثم إذا حصلت تلك الآلات فانظر أنه لا بد من اجتماع العناصر حتى يمكن الطبخ ، وأما الثاني فتأمل في تركيب بدن الحيوان وهو أنه تعالى كيف خلق ذلك حتى يمكنه الانتفاع بتلك اللقمة ، وأنه كيف يتضرر الحيوان بالأكل ؛ وفي أي الأعضاء تحدث تلك المضار فلا يمكنك أن تعرف القليل إلا بمعرفة علم التشريح وعلم الطب على الوجه الأكمل ، وأني للعقول بإدراك كل ذلك فظهر بالبرهان الباهر صحة هذه الشرطية اه .

وقال مولانا أبو السعود قدس سره بعد كلام : وإن رمت العثور على حقيقة الحق والوقوف على ما جل من السر ودق فاعلم أن الإنسان بمقتضى حقيقته الممكنة بمعزل عن استحقاق الوجود وما يتبعه من الكمالات اللائقة والملكات الرائقة بحيث لم انقطع ما بينه وبين العناية الإلهية من العلاقة لما استقر له القرار ولا اطمأنت به الدار إلا في مطمورة العدم والبوار ومهاوي الهلاك والدمار لكن يفيض عليه من الجناب الأقدس تعالى شأنه وتقدس في كل زمان يمضي وكل آن يمر وينقضي من أنواع الفيوض المتعلقة بذاته ووجوده وسائر الصفات الروحانية والنفسانية والجسمانية ما لا يحيط به نطاق التعبير ولا يعلمه إلا اللطيف الخبير ، وتوضيحه أنه كما لا يستحق الوجود ابتداءً لا يستحقه بقاءً وإنما ذلك من جناب المبدىء الأول عز شأنه وجل فكما لا يتصور وجوده ابتداءً ما لم ينسد عليه جميع أنحاء عدمه الأصلي لا يتصور بقاؤه على الوجود بعد تحققه بعلته ما لم ينسد عليه جميع أنحاء عدمه الطارىء لأن الاستمرار والدوام من خصائص الوجود الواجبي .

وأنت خبير بأن ما يتوقف عليه وجوده من الأمور الوجودية التي هي علله وشرائطه وإن وجب كونها متناهية لوجوب تناهي ما دخل تحت الوجود لكن الأمور العدمية التي لها دخل في وجوده ليست كذلك إذ لا استحالة في أن يكون لشيء واحد موانع غير متناهية ، وإنما الاستحالة في دخولها تحت الوجود وارتفاع تلك الموانع التي لا تتناهى أعني بقاءها على العدم مع إمكان وجودها في أنفسها في كل آن من آنات وجوده ، نعم غير متناهية حقيقة لا ادعاء ، وكذا الحال في وجودات علله وشرائطه القريبة والبعيدة ابتداءً وبقاءً ، وكذا في كمالاته التابعة لوجوده اه ، ويتراءى منه أنه قد ترك الإمام في تحقيق هذا المقام وراءه وأنه لو سمع ذلك لاقتدى به في ذكره ولعد من النعم اقتداءه وقريب منه ما يقال في بيان عدم تناهي النعم : إن الوجود نعمة نكذا كل ما يتبعه من الكمالات ، وذلك موقوف على وجوده تعالى في الأزمنة الموهومة الغير المتناهية ، وتحقق ما يتوقف عليه وجود النعمة نعمة فتحققه سبحانه في كل آن من تلك الآنات نعمة ، فالنعم غير متناهية ، ولك أن تقول في بيان ذلك : إنه ما من إنسان إلا وقد دفع الله تعالى عنه من البلايا ما لا يحيط به نطاق الحصر لأن البلايا الداخلة تحت حيطة الإمكان غير متناهية ، ولا شك أن دفع كل بلية نعمة فتكون النعم غير متناهية ، ومما يوضح عدم تناهي البلايا الممكنة أن أهل النار المخلدين فيها لا زال عذابهم بازدياد كما يرشد إليه قوله تعالى : { فَذُوقُواْ فَلَن نَّزِيدَكُمْ إِلاَّ عَذَاباً } [ النبأ : 30 ] وقد ذكر غير واحد في ذلك أنهم كلما استغاثوا من نوع من العذاب أغيثوا بأشد من ذلك ، فيكون كل مرتبة منه متناهياً في الشدة وإن كانت مراتبه غير متناهية بحسب العدد والمدة وعلى هذا نعم الله تعالى على المبتلي أيضاً لا تحصى .

وفي رواية ابن أبي الدنيا . والبيهقي عن ابن مسعود قال : إن لله تعالى على أهل النار منة فلو شاء أن يعذبهم بأشد من النار لعذبهم . ثم الظاهر أن المراد بالنعمة معناها اللغوي أعني الأمر الملائم لا المعنى الشرعي أعني الملائم الذي تحمد عاقبته إذ لا يتأتى عليه عموم الخطاب ، ولا يبعد إطلاق النعمة بذلك المعنى على نحو رفع الموانع وتحقق العلل والشرائط حسبما ذكر سابقاً ، وظاهر ما تقدم يقتضي أن النعم في حد ذاتها غير محصورة والآية ظاهرة في أن الإنسان لا يحصرها بالعد وفرق بين الأمرين فتدبر .

وبالجملة ليس للعبد إلا العجز عن الوقوف على نهاية نعمه سبحانه وتعالى وكذا العجز عن شكر ذلك ، وما أحسن ما قال أبو الدرداء رضي الله تعالى عنه : من لم يعرف نعمة الله تعالى عليه إلا في مطعمه ومشربه فقد قل علمه وحضر عذابه .

وأخرج البيهقي في الشعب . وغيره عن سليمان التيمي قال : إن الله تعالى أنعم على العباد على قدره سبحانه وكلفهم الشكر على قدرهم ، وعن طلق بن حبيب قال : إن حق الله تعالى أثقل من أن يقوم به العباد ، وإن نعم الله سبحانه أكثر من أن يحصيها العباد ولكن أصبحوا توابين وأمسوا توابين . وأفضل نعمه جل شأنه على عباده على ما روي عن سفيان بن عيينة أن عرفهم أن لا إله إلا الله . وأخرج ابن أبي الدنيا . وغيره عن أبي أيوب القرشي مولى بني هاشم أن داود عليه السلام قال : رب أخبرني ما أدنى نعمتك على ؟ فأوحى الله تعالى إليه يا داود تنفس فتنفس فقال تبارك وتعالى : هذا أدنى نعمتي عليك . واشتهر أن أول النعم المقصودة لذاتها الوجود وأنه معدن كل كمال كما أن العدم معدن كل نقص . ويدل على أنه نعمة لا يكاد يقاس بها غيرها عند كثير من الناس أن الإنسان منهم يفدي نفسه بملك الدنيا لو كان بيده وعلم أن الفداء ممكن إذا ألم به الألم وتحقق العدم .

ومن العجيب أن أبا علي الشبلي البغدادي ، وقيل : ابن سيناء لم يعد وجود الإنسان نعمة عليه فقد قال من أبيات :

ودهر ينثر الأعمار نثرا . . . كما للغصن بالورق انتثار

ودنيا كلما وضعت جنينا . . . غذاه من نوائبها ظؤار

إلى أن قال :

نعاقب في الظهور وما ولدنا . . . ويذبح في حشا الأم الحوار

وننتظر البلايا والرزايا . . . وبعد فللوعيد لنا انتظار

ونخرج كارهين كما دخلنا . . . خروج الضب أخرجه الوجار

فماذا الامتنان على وجود . . . لغير الموجدين به الخيار

فكانت أنعما لو أن كونا . . . نخير قبله أو نستشار

فهذا الداء ليس له دواء . . . وهذا الكسر ليس له انجبار

إلى آخر ما قال ، ولعمري لقد غمط نعمة الله تعالى عليه وظلمها { إِنَّ الإنسان لَظَلُومٌ } يظلم النعمة بإغفال شكرها بالكلية أو بوضعه في غير موضعه أو يظلم نفسه بتعريضها للحرمان بترك الشكر { كُفِرَ } شديد الكفران والجحود ، وقيل : ظلوم في الشدة يشكو ويجزع ، كفار في النعمة يجمع ويمنع ، والأول أنسب بما قبله ، وأل في الإنسان للجنس ومصداق الحكم بالظلم وأخيه بعض من وجدا من إفراده فيه ويدخل في ذلك الذين بدلوا نعمة الله تعالى كفراً ، والظاهر أن الجملة استئناف بياني وقع جواباً لسؤال مقدر كأنه قيل : لم لم يراعوا حقها ؟ أو لم حرمها بعضهم ؟ وقيل : إنها تعليل لعدم تناهي النعم ولذا أتى بصيغتي المبالغة فيها وهو كما ترى هذا ، وفي النحل ( 18 )

{ وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَةَ الله لاَ تُحْصُوهَا إِنَّ الله لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ } وفرق أبو حيان بين الختمين بأنه هنا لما تقدم قوله تعالى : { أَلَمْ تَرَ إِلَى الذين بَدَّلُواْ نِعْمَتَ الله كُفْرًا } [ إبراهيم : 28 ] وبعده { وَجَعَلُواْ للَّهِ أَندَادًا } [ إبراهيم : 30 ] فكان ذلك نصاً على ما فعلوا من القبائح من الظلم والكفران ناسب أن يختم بذم من وقع ذلك منه فختمت الآية بقوله سبحانه : { إِنَّ الإنسان لَظَلُومٌ كَفَّارٌ } وأما في النحل فلما ذكر عدة تفضلات وأطنب فيها وقال جل شأنه : { أَفَمَن يَخْلُقُ كَمَن لاَّ يَخْلُقُ } [ النحل : 17 ] أي من أوجد هذه النعم السابق ذكرها ليس كمن لا يقدر على الخلق ذكر من تفضلاته تعالى اتصافه بالغفران والرحمة تحريضاً على الرجوع إليه سبحانه وأن هاتين الصفتين هو جل وعلا متصف بهما كما هو متصف بالخلق ، ففي ذلك أطماع لمن آمن به تعالى وانتقل من عبادة المخلوق إلى عبادة الخالق تبارك وتعالى أنه يغفر زلله السابق ويرحمه ، وأيضاً فإنه لما ذكر أنه تعالى هو المتفضل بالنعم على الإنسان ذكر ما حصل من المنعم ومن جنس المنعم عليه ، فحصل من المنعم ما يناسب حالة عطائه وهو الغفران والرحمة إذ لولاهما لما أنعم عليه ، وحصل من جنس المنعم عليه ما يناسب حالة الإنعام عليه ويقع معها في الجملة وهو الظلم والكفران فكأنه قيل : إن صدر من الإنسان ظلم فالله تعالى غفور أو كفران فالله تعالى رحيم لعلمه بعجز الإنسان وقصوره . وما نقل السخاوي عن عبد الرحمن بن أسلم من أن هذه الآية منسوخة بآية النحل مما لا يلتفت إليه انتهى كلامه .

وفيه بحث ، وقيل : إنما ختم سبحانه آية النحل بما ختم للإطناب هناك في ذكر النعم مع تقدم الدعوة إلى الشكر صريحاً فكان ذلك مظنة التقصير فيه ويناسب الإطناب في سرد النعم أن يذكر منها ما يتعلق بذلك وهو الغفران والرحمة فتأمل والله تعالى أعلم بأسرار كتابه .

( ومن باب الإشارة ) :{ وَاتَاكُم مّن كُلّ مَا سَأَلْتُمُوهُ } بلسان الاستعداد فإن المسؤول بذلك لا يمنع { وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَةَ الله } السابقة واللاحقة { لاَ تُحْصُوهَا } لعدم تناهيها { إِنَّ الإنسان لَظَلُومٌ } ينقص حق الله تعالى أو حق نفسه بإبطال الاستعداد أو يضع نور الاستعداد في ظلمة الطبيعة ومادة البقاء في محل الفناء { كَفَّارٌ } [ إبراهيم : 34 ] لتلك النعم التي لا تحصى لغفلته عن المنعم عليه بها ، وقيل : إن الإنسان لظلوم لنفسه حيث يظن أن شكره يقابل نعمه تعالى ، كفار محجوب عن رؤية الفضل عليه بداية ونهاية ، نسأل الله تعالى أن يوفقنا لما يحب ويرضى ويكرمنا بالهداية والعناية .


[491]:- قال ابن مالك وفي اتحاد الرتبة الزم فصلا أهـ منه.
 
الجامع التاريخي لبيان القرآن الكريم - مركز مبدع [إخفاء]  
{وَءَاتَىٰكُم مِّن كُلِّ مَا سَأَلۡتُمُوهُۚ وَإِن تَعُدُّواْ نِعۡمَتَ ٱللَّهِ لَا تُحۡصُوهَآۗ إِنَّ ٱلۡإِنسَٰنَ لَظَلُومٞ كَفَّارٞ} (34)

تفسير مقاتل بن سليمان 150 هـ :

{وآتاكم}، يقول: وأعطاكم {من كل ما سألتموه}، يعني ما لم تسألوه ولا طلبتموه، ولكن أعطيتكم من رحمتي، يعني ما ذكر مما سخر للناس في هؤلاء الآيات، فهذا كله من النعم، ثم قال سبحانه: {وإن تعدوا نعمت الله لا تحصوها إن الإنسان لظلوم} لنفسه في خطيئته، {كفار}، يعني كافر في نعمته التي ذكر، فلم يعبده...

جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :

يقول تعالى ذكْره: وأعطاكم مع إنعامه عليكم بما أنعم به عليكم من تسخير هذه الأشياء التي سخرها لكم والرزق الذي رزقكم من نبات الأرض وغروسها من كلّ شيء سألتموه ورغبتم إليه شيئا... وقد قيل: إن ذلك إنما قيل على التكثير، نحو قول القائل: فلان يعلم كلّ شيء، وأتاه كل الناس، وهو يعني بعضهم، وكذلك قوله:"فَتَحْنا عَلَيْهِمْ أبْوَابَ كُلّ شَيْءٍ". وقيل أيضا: إنه ليس شيء إلاّ وقد سأله بعض الناس، فقيل: "وآتاكُمْ مِنْ كُلّ ما سألْتُمُوهُ "أي قد آتى بعضكم منه شيئا، وآتى آخر شيئا مما قد سأله. وهذا قول بعض نحويّي أهل البصرة.

وكان بعض نحويّي أهل الكوفة يقول: معناه: وأتاكم من كلّ ما سألتموه لو سألتموه، كأنه قيل: وآتاكم من كلّ سؤلكم وقال: ألا ترى أنك تقول للرجل لم يسألك شيئا: والله لأعطينك سُؤْلك ما بلغت مسألتك وإن لم يسأل؟

فأما أهل التأويل، فإنهم اختلفوا في تأويل ذلك؛

فقال بعضهم: معناه: وآتاكم من كلّ ما رغبتم إليه فيه...

وقال آخرون: بل معنى ذلك: وآتاكم من كل الذي سألتموه والذي لم تسألوه...

وقرأ ذلك آخرون: «وآتاكُمْ مِن كُل ما سألْتُمُوهُ» بتنوين «كلّ» وترك إضافتها إلى «ما» بمعنى: وآتاكم من كلّ شيء لم تسألوه ولم تطلبوه منه. وذلك أن العباد لم يسألوه الشمس والقمر والليل والنهار، وخلق ذلك لهم من غير أن يسألوه...

والصواب من القول في ذلك عندنا، القراءة التي عليها قرّاء الأمصار، وذلك إضافة «كل» إلى «ما» بمعنى: وآتاكم من سؤلكم شيئا، على ما قد بيّنا قبل، لإجماع الحجة من القرّاء عليها ورفضهم القراءة الأخرى.

"وَإنْ تَعُدّوا نِعْمَةَ اللّهِ لا تُحْصُوها إنّ الإنْسانَ لَظَلُومٌ كَفّارٌ".

يقول تعالى ذكره: وإن تعدّوا أيها الناس نعمة الله التي أنعمها عليكم لا تطيقوا إحصاء عددها والقيام بشكرها إلاّ بعون الله لكم عليها.

"إنّ الإنْسانَ لَظَلُومٌ كَفّارٌ "يقول: إن الإنسان الذي بدّل نعمة الله كفرا "لظَلُومٌ": يقول: لشاكر غير من أنعم عليه، فهو بذلك من فعله واضع الشكر في غير موضعه وذلك أن الله هو الذي أنعم عليه بما أنعم واستحقّ عليه إخلاص العبادة له، فعبد غيره وجعل له أندادا ليضلّ عن سبيله، وذلك هو ظلمه. وقوله: "كَفّارٌ" يقول: هو جحود نعمة الله التي أنعم بها عليه لصرفه العبادة إلى غير من أنعم عليه، وتركه طاعة من أنعم عليه...

عن طلق بن حبيب، قال: إن حقّ الله أثقل من أن تقوم به العباد، وإن نعم الله أكثر من أن تحصيهَا العباد ولكن أصبِحوا تَوّابين وأمسُوا توّابين.

تأويلات أهل السنة للماتريدي 333 هـ :

... {وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها} لا تحيطوا بكنهها ونهايتها.

{إن الإنسان لظلوم كفار} {لظلوم} أي ظلم نفسه حين صرفها إلى غير الجهة التي جعلت، وأمر بالصرف إليها وأدخلها في المهالك، وألقاها في التهلكة...

الكشف والبيان في تفسير القرآن للثعلبي 427 هـ :

... {إِنَّ الإنْسَانَ لَظَلُومٌ}... قيل ظلمه لنفسه بمعصيته كفار لربه في نعمته، وقيل ظلوم في الشدة يشكو ويجزع، كفار في النعمة يجمع ويمنع...

لطائف الإشارات للقشيري 465 هـ :

... قوله جلّ ذكره: {وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لاَ تُحْصُوهَأ إِنَّ الإِنسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ}. كيف يكون شكركم كفاء نِعَمِه..؟ وشكرُكُم نَزْرٌ يسير، وإنعامُه وافر غزير. وكيف تكون قطرة الشكر بجوار بحار الإنعام؟ إنَّ نِعَمَه عُلُومُكُم عن تفصيلها متقاصرةٌ، وفُهُومُكُم عن تحصيلها متأخِّرةٌ. وإذا كان ما يدفع عن العبد من وجوه المحن وفنون البلايا من مقدوراته لا نهاية له... فكيف يأتي الحصر والإحصار على ما لا يتناهى؟ وكما أن النَّفْعَ من نِعِمَه فالدفعُ أيضاً من نعمه. ويقال إن التوفيق للشكر من جملة ما ينعم به الحقُّ على العبد فإذا أراد أن يشكره لم يمكنه إلا بتوفيقٍ آخر فلا يبقى من النعم إلا ما يشكر عليه...

الكشاف عن حقائق التنزيل للزمخشري 538 هـ :

{وءاتاكم مِّن كُلِّ ما سَأَلْتُمُوهُ} من للتبعيض، أي آتاكم بعض جميع ما سألتموه، نظراً في مصالحكم...

والإنسان للجنس، فيتناول الإخبار بالظلم والكفران من يوجدان منه...

مفاتيح الغيب للرازي 606 هـ :

إنه تعالى لما ذكر تلك النعمة العظيمة بين بعد ذلك أنه لم يقتصر عليها، بل أعطى عباده من المنافع والمرادات ما لا يأتي على بعضها التعديد والإحصاء... [و] الإنسان مجبول على النسيان وعلى الملل، فإذا وجد نعمة نسيها في الحال وظلمها بترك شكرها، وإن لم ينسها فإنه في الحال يملها فيقع في كفران النعمة، وأيضا أن نعم الله كثيرة فمتى حاول التأمل في بعضها غفل عن الباقي... قال [تعالى] في هذا الموضع: {إن الإنسان لظلوم كفار} وقال في سورة النحل: {إن الله لغفور رحيم} ولما تأملت فيه لاحت لي فيه دقيقة كأنه يقول: إذا حصلت النعم الكثيرة فأنت الذي أخذتها وأنا الذي أعطيتها، فحصل لك عند أخذها وصفان: وهما كونك ظلوما كفارا، ولي وصفان عند إعطائها وهما كوني غفورا رحيما، والمقصود كأنه يقول: إن كنت ظلوما فأنا غفور، وإن كنت كفارا فأنا رحيم أعلم عجزك وقصورك فلا أقابل تقصيرك إلا بالتوفير ولا أجازي جفاء إلا بالوفاء...

البحر المحيط لأبي حيان الأندلسي 745 هـ :

لما ذكر تعالى تلك النعم العظيمة، ذكر أنه لم يقتصر عليها فقال: وآتاكم من كل ما سألتموه، والخطاب للجنس من البشر أي: أن الإنسان قد أوتي من كل ما شأن أنْ يسأل وينتفع به، ولا يطرد هذا في كل واحد واحد من الناس، وإنما تفرقت هذه النعم في البشر فيقال: بحسب هذا الجميع أوتيتم كذا على جهة التقرير للنعمة...

تفسير القرآن العظيم لابن كثير 774 هـ :

يقول: هيأ لكم كل ما تحتاجون إليه في جميع أحوالكم مما تسألونه بحالكم وقالكم...

وفي صحيح البخاري: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول:"اللهم، لك الحمد غير مَكْفِيّ ولا مودَع، ولا مستغنى عنه ربَّنا"...

نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي 885 هـ :

لما كان الكمال لا يكون إلا في الجنة قال: {من كل ما سألتموه} أي ما أنتم محتاجون إليه فأنتم سائلوه بالقوة؛ ثم حقق وجه العظم بفرض ما يوجب العجز فقال: {وإن تعدوا} أيها الناس كلكم {نعمت الله} أي تروموا عد إنعام الملك الأعلى الذي له الكمال المطلق أو تأخذوا في عدّه، وعبر عنه بالنعمة إرشاداً إلى الاستدلال بالأثر على المؤثر {لا تحصوها} أي لا تحيطوا بها ولا تعرفوا عد الحصى المقابلة لها إن عددتموها بها كما كانت عادة العرب، أو لا تجدوا من الحصى ما يوفي بعددها، هذا في النعمة الواحدة فكيف بما زاد! فهذا شرح قوله أول السورة {الله الذي له ما في السماوات وما في الأرض} وقد ظهر به أنه لا يوجد شيء إلا وهو ملك الله فضلاً عن أن يوجد شيء يداينه فضلاً عن شيء يماثله، فثبت أنه لا بيع ولا خلال يوم دينونة العباد، وتقريب العجز عن العد للإفهام أن السلامة من كل داء ذكره الأطباء في كتبهم -على كثرتها وطولها- نعمة على العبد، وذلك متعسر الحصر، وكل ما ذكروه صريحاً في جنب ما دخل تحت كلياتهم تلويحاً -قليل، فكيف بما لم يطلعهم الله عليه ولم يهدهم بوجه إليه، هذا في الجسم، وأما في العقل فالسلامة من كل عقد زائغ، ودين باطل وضلال مائل، وذلك لا يحصيه إلا خالق الفكر وفاطر الفطر سبحانه، ما أعزه وأعظم شأنه!. ولما كان أكثر هذه السورة في بيان الكفرة ومآلهم، وبيان أن أكثر الخلق هالك معرض عما يأتيه من نعمة الهداية على أيدي الرسل الدعاة إلى من له جميع النعم للحياة الطيبة بسعادة الدارين، ختم الآية ببيان ما اقتضى ذلك من صفات الإنسان فقال: {إن الإنسان} أي هذا النوع لما له من الأنس بنفسه، والنسيان لما ينفعه ويضره، والاضطراب بسبب ما يغمه ويسره {لظلوم كفار} أي بليغ الظلم والكفر حيث يهمل الشكر، ويتعداه إلى الكفر...

إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم لأبي السعود 982 هـ :

{وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَةَ الله} التي أنعم بها عليكم {لاَ تُحْصُوهَا} لا تُطيقوا بحصرها ولو إجمالاً فإنها غيرُ متناهيةٍ، وأصل الإحصاءِ أن الحاسبَ إذا بلغ عَقداً معيناً من عقود الأعدادِ وضع حصاةً ليحفظ بها، إيذانٌ بعدم بلوغِ مرتبةٍ معتدَ بها من مراتبها فضلاً عن بلوغ غايتِها، كيف لا وما من فرد من أفراد الناسِ وإن كان في أقصى مراتبِ الفقرِ والإفلاس مَمنوًّا بأصناف العنايا مبتلىً بأنواع الرزايا فهو بحيث لو تأملتَه ألفيتَه متقلّباً في نِعمَ لا تحدّ ومننٍ لا تحصى ولا تعدّ كأنه قد أعطيَ كلَّ ساعة وآنٍ من النعماء ما حواه حِيطةُ الإمكان، وإن كنت في ريب من ذلك فقدِّرْ أنه ملَك مِلكٌ أقطارَ العالم، ودانت له كافةُ الأمم، وأذعنت لطاعته السَّراةُ، وخضعت لهيبته رُقابُ العُتاة، وفاز بكل مرام، ونال كل منالٍ، وحاز جميع ما في الدنيا من أصناف الأموالِ من غير نِدّ يزاحمه، ولا شريك يساهمُه، بل قدِّرْ أن جميع ما فيها من حجر ومدَرٍ يواقيتُ غاليةٌ ونفائسُ دُررٍ، ثم قدِّر أنه قد وقع مِنْ فقْد مشروبٍ أو مطعوم في حالة بلغت نفسُه الحلقومَ، فهل يشتري وهو في تلك الحال بجميع مالِه من الملك والمال لُقمةً تنجّيه عن رِواه، أو شربةً ترويه من ظَماه، أم يختار الهلاك فتذهبَ الأموالُ والأملاك بغير بذل يبقى عليه ولا نفعٍ يعود إليه؟ كلا، بل يبذُل لذلك كلَّ ما تحويه اليدان كائناً ما كان وليس في صفقته شائبةُ الخُسران، فإذن تلك اللقمةُ والشَّرْبةُ خيرٌ مما في الدنيا بألف رتبةٍ مع أنهما في طرف الثمام ينالهما متى شاء من الليالي والأيام، أو قدّر أنه قد احتبس عليه النفَسُ فلا دخلَ منه ما خرَج ولا خرَج منه ما ولَج، والحينُ قد حان وأتاه الموتُ من كل مكان أما يعطي ذلك كلَّه بمقابلة نفس واحد بل يعطيه وهو لرأيه حامدٌ، فإذن هو خير من أموال الدنيا بجملتها ومطالبها برُمّتها مع أنه قد أبيح له كل آنٍ من آنات الليالي والأيام حالَ اليقظة والمنام هذا من الظهور والجلاء بحيث لا يكاد يخفى على أحد من العقلاء، وإن رمت العثورَ على حقيقة الحقِّ والوقوفَ على كل ما جل من السرِّ ودق فاعلم أن الإنسانَ بمقتضى حقيقتِه الممكنةِ بمعزل عن استحقاق الوجودِ وما يتبعه من الكمالات اللائقةِ والملكاتِ الرائقةِ بحيث لو انقطع ما بينه وبين العنايةِ الإلهية من العلاقة لما استقر له القَرار ولا اطمأنت به الدار إلا في مطمورة العدم والبوار، ومهاوي الهلاك والدمار لكن يَفيض عليه من الجناب الأقدس تعالى شأنه وتقدّس في كل زمان يمضي وكل آن يمرّ وينقضي من أنواع الفيوضِ المتعلقة بذاته ووجودِه وسائرِ صفاتِه الروحانيةِ والنفسانية والجُسمانية ما لا يحيط به نطاقُ التعبير ولا يعلمه إلا العليم الخبير...

روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي 1270 هـ :

والمراد بلا تحصوها لا تطيقوا حصرها ولو إجمالاً فإنها غير متناهية، وأصل الإحصاء العد بالحصى فإن العرب كانوا يعتمدونه في العد كاعتمادنا فيه على الأصابع ولذا قال الأعشى: ولست بالأكثر منهم حصى... وإنما العزة للكاثر ثم استعمل لمطلق العد...

في ظلال القرآن لسيد قطب 1387 هـ :

وليست هذه سوى الخطوط العريضة في صفحة الآلاء المديدة. ففي كل خط من النقط ما لا يحصى. ومن ثم يضم إليها على وجه الإجمال المناسب للوحة المعروضة وللجو الشامل:

(وآتاكم من كل ما سألتموه).. من مال وذرية وصحة وزينة ومتاع... (وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها)..

فهي أكبر وأكثر من أن يحصيها فريق من البشر، أو كل البشر. وكلهم محدودون بين حدين من الزمان: بدء ونهاية. وبين حدود من العلم تابعة لحدود الزمان والمكان. ونعم الله مطلقة -فوق كثرتها- فلا يحيط بها إدراك إنسان..

وبعد ذلك كله تجعلون لله أندادا، وبعد ذلك كله لا تشكرون نعمة الله بل تبدلونها كفرا.. (إن الإنسان لظلوم كفار)!!!

التحرير والتنوير لابن عاشور 1393 هـ :

معنى {وآتاكم من كل ما سألتموه} أعطاكم بعضاً من جميع مرغوباتكم الخارجة عن اكتسابكم بحيث شأنكم فيها أن تسألوا الله إياها، وذلك مثل توالد الأنعام، وإخراج الثمار والحب، ودفع العوادي عن جميع ذلك: كدفع الأمراض عن الأنعام، ودفع الجوائح عن الثمار والحب. فجملة {وآتاكم من كل ما سألتموه} تعميم بعد خصوص، فهي بمنزلة التذييل لما قبلها لحِكم يعلمها الله ولا يعلمونها {ولو بسط الله الرزق لعباده لبغوا في الأرض ولكن ينزل بقدر ما يشاء إنه بعباده خبير بصير} [سورة الشورى: 27]، وأن الإنعام والامتنان يكون بمقدار البذل لا بمقدار الحرمان. وبهذا يتبين تفسير الآية. وجملة {وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها} تأكيد للتذييل وزيادة في التعميم، تنبيهاً على أن ما آتاهم الله كثير منه معلوم وكثير منه لا يحيطون بعلمه أو لا يتذكرونه عند إرادة تعداد النعم. فمعنى {إن تعدوا} إن تحاولوا العد وتأخذوا فيه. وذلك مثل النعم المعتاد بها التي ينسى الناس أنها من النعم، كنعمة التنفس، ونعمة الحواس، ونعمة هضم الطعام والشراب، ونعمة الدورة الدموية، ونعمة الصحة. وللفخر هنا تقرير نفيس فانظره. والإحصاء: ضبط العدد، وهو مشتق من الحَصَا اسماً للعدد، وهو منقول من الحصى، وهو صغار الحجارة لأنهم كانوا يعدون الأعداد الكثيرة بالحصى تجنباً للغلط...

وصيغتا المبالغة في {ظلوم كفار} اقتضاهما كثرة النعم المفاد من قوله: {وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها}، إذ بمقدار كثرة النعم يكثر كفر الكافرين بها إذ أعرضوا عن عبادة المنعم وعبدوا ما لا يغني عنهم شيئاً، فأما المؤمنون فلا يجحدون نعم الله ولا يعبدون غيره...

زهرة التفاسير - محمد أبو زهرة 1394 هـ :

إن هذه وما سبقها من نعم هي نعم الإنشاء والإبقاء، فقد أنعم بالإنشاء وأنعم سبحانه وتعالى بالإبقاء مستمكنا من كل شيء حتى يكون اليوم الآخر يوم الجزاء لمن شكر بالنعيم المقيم، ولمن كفر بالعذاب الأليم...

وقد قال تعالى: {إن الإنسان لظلوم كفار} ظلوم صيغة مبالغة من الظلم، أي أنه ظالم أبلغ الظلم بظلم نفسه بالكفر وغمط حق غيره، والاعتداء على الناس وعلى الحقائق، والاعتداء بعبادة الأوثان، و {كفار} صيغة مبالغة في الكفر، وهو كفر النعمة وعدم شكرها، بل اتخاذها سبيلا لعتوه واستكباره وفساده في الأرض، وقد أكد الله تعالى ظلم الإنسان ب "إن"، وب "اللام "وبصيغة المبالغة في الظلم، وكفر النعمة، والله محيط بالكافرين...

التيسير في أحاديث التفسير للمكي الناصري 1415 هـ :

ثم عقب كتاب الله على ذلك كله بما يكون عليه حال الإنسان، الفاقد للإيمان، من ظلم في حق الله، بالشرك به، وظلم في حق نفسه، بالكفر بالله، وظلم للخلق، بتعدي حدود الله، فقال تعالى: {إن الإنسان لظلوم كفار}...

تفسير الشعراوي 1419 هـ :

{وآتاكم من كل ما سألتموه}، ذلك أن وراء كل عطاء حكمة، ووراء كل منع حكمة أيضا، فالمنع من الله عين العطاء، فالحق سبحانه مُنزّه عن أن يكون مُوظّفا عندك، كما أن الحق سبحانه قال: {ويَدْع الإنسان بالشر دعاءه بالخير} ولذلك قال: {وآتاكم من كل ما سألتموه} أي: بعض مما سألتموه، ذلك أن هناك أسئلة حمقاء لا يجيبكم الله عليها... فالعطاء نعمة، والمنع نعمة أيضا، ولو نظر كل منا لعطاء السّلب، لوجد فيه نعما كثيرة...

{وإن تعدّوا نعمة الله لا تُحصوها} تجد ثلاثة عناصر، هي المُنعم، والنعمة التي حكم الحق سبحانه أنك لن تحصيها، وأن خَلقه لم يضعوا أنوفهم في أن يعدّوا تلك النعمة، فهي لا تحصى لأنها ليست مظنّة الإحصاء، ولا يقبل عاقل أن يحصيها. والعنصر الثالث هو المُنعَم عليه، وهو الإنسان الذي قد يعجز عن إحصاء نعم رئيسه من البشر عليه –فما بالك بنعم الله التي لا تحصى، وكمالاته التي لا تُحدّ، وعطائه الذي لا ينفد؟ ولله المثل الأعلى، فهو المنزّه عن المثل...

تفسير من و حي القرآن لحسين فضل الله 1431 هـ :

{وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَةَ اللَّهِ لاَ تُحْصُوهَا}، وكيف يستطيع الإنسان إحصاء مواقع نعم الله في حياته، في مفرداتها الصغيرة والكبيرة التي تتجلى آثارها في كل لحظة، بالمستوى الذي يجعل كل شيء من حوله مظهراً من مظاهر نعم الله عليه، لعلاقته بالحياة التي يحياها، في المبدأ وفي التفاصيل. ولكن إحساس الإنسان اللازم بالشكر لهذه النعم العظيمة التي لا تحصى، والتزامه بالطاعة والخضوع لله، وتحريكه لتلك النعم في ما يرضاه له من وجوه الخير كتعبير عن ذاك الشكر، لا يتمثل في سلوكه وفي حركة حياته، {إِنَّ الإنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ} فهو يظلم نفسه بالكفر والمعصية، ولا يؤدي إلى ربه حقه من الشكر لنعمه، بل يعيش الكفران والجحود في أكثر مظاهر وجوده، عندما يستعمل نعم الله عليه في معصية الله...