{ وَإِذْ قَالَ إبراهيم } مفعول لفعل محذوف أي اذكر ذلك الوقت ، والمقصود تذكير ما وقع فيه على نهج ما قيل في أمثاله { رَبّ اجعل هذا البلد } يعني مكة شرفها الله تعالى : { ءامَنَّا } أي ذا أمن ، فصيغة فاعل للنسب كلابن وتامر لأن الآمن في الحقيقة أهل البلد ، ويجوز أن يكون الإسناد مجازياً من إسناد ما للحال إلى المحل كنهر جار ، والفرق بين ما هنا وما في البقرة من قوله : { رَبِّ اجعل هذا بَلَدًا آمِنًا } أنه عليه السلام سأل في الأول : أن يجعله من جملة البلاد التي يأمن أهلها ولا يخافون ، وفي الثاني : أن يخرجه من صفة كان عليها من الخوف إلى ضدها من الأمن كأنه قال : هو بلد مخوف فاجعله آمناً كذا في «الكشاف » ، وتحقيقه أنك إذا قلت : اجعل هذا خاتماً حسناً فقد أشرت إلى المادة طالباً أن يسبك منها خاتم حسن ؛ وإذا قلت : اجعل هذا الخاتم حسناً فقد قصدت الحسن دون الخاتمية ، وذلك لأن محط الفائدة هو المفعول الثاني لأنه بمنزلة الخبر ، وإلى هذا يرجع ما قيل في الفرق أن في الأول سؤال أمرين البلدية والأمن وههنا سئال أمر واحد وهو الأمن . واستشكل هذا التفسير بأنه يقتضي أن يكون سؤال البلدية سابقاً على السؤال المحكي في هذه السورة وأنه يلزم أن تكون الدعوة الأولى غير مستجابة .
قال في الكشف : والتفصي عن ذلك إما بأن المسؤول أولاً : صلوحه للسكنى بأن يؤمن فيه أهله في أكثر الأحوال على المستمر في البلاد فقد كان غير صالح لها بوجه على ما هو المشهور في القصة ، وثانياً : إزالة خوف عرض كما يعتري البلاد الآمنة أحياناً ، وأما بالحمل على الاستدامة وتنزيله منزلة العاري عنه مبالغة أو بأن أحدهما أمن الدنيا والآخر أمن الآخرة أو أن الدعاء الثاني صدر قبل استجابة الأول ، وذكر بهذه العبارة إيماء إلى أن المسؤول الحقيقي هو الأمن والبلدية توطئة لا أنه بعد الاستجابة عراه خوف ، وكأنه بنى الكلام على الترقي فطلب أولاً أن يكون بلد آمناً من جملة البلاد التي هي كذلك ، ثم لتأكيد الطلب جعله مخوفاً حقيقة فطلب الأمن لأن دعاء المضطر أقرب إلى الإجابة ولذا ذيله عليه السلام بقوله : { إِنَّى أَسْكَنتُ } [ إبراهيم : 37 ] الخ اه .
وهو مبني على تعدد السؤال وإن حمل على وحدته وتكرير الحكاية كما استظهره بعضهم ، واستظهر آخرون الأول لتغاير التعبير في المحلين ، فالظاهر أن المسؤول كلا الأمرين وقد حكى أولاً ، واقتصر ههنا على حكاية سؤال الأمن لأن سؤال البلدية قد حكى بقوله : { فاجعل أَفْئِدَةً مّنَ الناس تَهْوِى إِلَيْهِمْ } [ إبراهيم : 37 ] إذ المسؤول هويها إليهم للمساكنة كما روى عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما لا للحج فقط وهو عين سؤال البلدية وقد حكى بعبارة أخرى على ما اختاره بعض الأجلة أو لأن نعمة الأمن أدخل في استيجاب الشكر فذكره أنسب بمقام تقريع الكفرة على إغفاله على ما قيل ، وهذه الآية وما تلاها أعني قصة إبراهيم عليه السلام على ما نص عليه صاحب الكشف واردة على سبيل الاعتراض مقررة لما حث عليه من الشكر بالإيمان والعمل الصالح وزجر عنه من مقابلهما مدمجاً فيها دعوة هؤلاء النافرين بلسان اللطف والتقريب مؤكدة لجميع ما سلف أشد التأكيد .
وفي إرشاد العقل السليم أن المراد منها تأكيد ما سلف من تعجيبه صلى الله عليه وسلم ببيان فن آخر من جنايات القوم حيث كفروا بالنعم الخاصة بهم بعدما كفروا بالنعم العامة وعصوا أباهم إبراهيم عليه السلام حيث أسكنهم مكة زادها الله تعالى شرفاً فالإقامة الصلاة والاجتناب عن عبادة الأصنام والشكر لنعم الله تعالى وسأله أن يجعله بلداً آمناً ويرزقهم من الثمرات ويهوى قلوب الناس إليهم فاستجاب الله تعالى دعاءه وجعله حرماً آمناً تجبى إليه ثمرات كل شيء فكفروا بتلك النعم العظام واستبدلوا دار البوار بالبلد الحرام وجعلوا لله تعالى أنداداً وفعلوا ما فعلوا من القبائح الجسام { واجنبنى وَبَنِىَّ } أي بعدني وإياهم { أَن نَّعْبُدَ الاصنام } أي عن عبادتها ، وقرأ الجحدري . وعيسى الثقفي { واجنبنى } بقطع الهمزة وكسر النون بوزن أكرمني وهما لغة أهل نجد يقولون : جنبه مخففاً وأجنبه رباعياً وأما أهل الحجاز فيقولون : جنبه مشدداً ، وأصل التجنب أن يكون الرجل في جانب غير ما عليه غيره ثم استعمل بمعنى البعد ، والمراد هنا على ما قال الزجاج طلب الثبات والدوام على ذلك أي ثبتنا على ما نحن عليه من التوحيد وملة الإسلام والبعد عن عبادة الأصنام وإلا فالأنبياء معصومون عن الكفر وعبادة غير الله تعالى . وتعقب ذلك الإمام بأنه لما كان من المعلوم أنه سبحانه يثبت الأنبياء عليهم السلام على الاجتناب فما الفائدة في سؤال التثبيت ؟ ثم قال : والصحيح عندي في الجواب وجهان : الأول : أنه عليه السلاموإن كان يعلم أن الله تعالى يعصمه من عبادة الأصنام إلا أنه ذكر ذلك هضماً لنفسه وإظهاراً للحاجة والفاقة إلى فضل الله سبحانه وتعالى في كل المطالب ، والثاني : أن الصوفية يقولون : الشرك نوعان . ظاهر وهو الذي يقول به المشركون . وخفي وهو تعلق القلب بالوسائط والأسباب الظاهرة والتوحيد المحض قطع النظر عما سوى الله تعالى ، فيحتمل أن يكون مراده عليه السلام من هذا الدعاء العصمة عن هذا الشرك انتهى ، ويرد على هذا الأخير أنه يعود السؤال عليه فيما أظن لأن النظر إلى السوي يحاكي الشرك الذي يقول به المشركون عند الصوفية فقد قال قائلهم( {[492]} ) :
ولو خطرت لي في سواك إرادة . . . على خاطري سهواً حكمت بردتي
ولا أظن أنهم يجوزون ذلك للأنبياء عليهم السلام ، وحيث بنى الكلام على ما قرروه يقال : ما فائدة سؤال العصمة عن ذلك والأنبياء عليهم السلام معصومون عنه ؟ والجواب الصحيح عندي ما قيل : إن عصمة الأنبياء عليهم السلام ليست لأمر طبيعي فيهم بل بمحض توفيق الله تعالى إياهم وتفضله عليهم ، ولذلك صح طلبها وفي بعض الآثار أن الله سبحانه قال لموسى عليه السلام : يا موسى لا تأمن مكري حتى تجوز الصراط .
وأنت تعلم أن المبشرين بالجنة على لسان الصادق المصدوق عليه الصلاة والسلام كانوا كثيراً ما يسألون الله تعالى الجنة مع أنهم مقطوع لهم بها ، ولعل منشأ ذلك ما قيل لموسى عليه السلام فتدبر ، والمتبادر من بنيه عليه السلام من كان من صلبه ، فلا يتوهم أن الله تعالى لم يستجب دعاءه لعبادة قريش الأصنام وهم من ذريته عليه السلام حتى يجاب بما قاله بعضهم من أن المراد كل من كان موجوداً حال الدعاء من أبنائه ولا شك أن دعوته عليه السلام مجابة فيهم أو بأن دعاءه استجيب في بعض دون بعض ولا نقص فيه كما قال الإمام .
وقال سفيان بن عيينة : إن المراد ببنيه ما يشمل جميع ذريته عليه السلام وزعم أنه لم يعبد أحد من أولاد إسمعيل عليه السلام الصنم وإنما كان لكل قوم حجر نصبوه وقالوا هذا حجر والبيت حجر وكانوا يدورون به ويسمونه الدوار ولهذا كره غير واحد أن يقال دار( {[493]} ) بالبيت بل يقال طاف به ، وعلى ذلك أيضاً حمل مجاهد البنين وقال : لم يعبد أحد من ولد إبراهيم عليه السلام صنماً وإنما عبد بعضهم الوثن ، وفرق بينهما بأن الصنم هو التمثال المصور والوثن هو التمثال الغير المصور ، وليت شعري كيف ذهبت على هذين الجليلين ما في القرآن من قوارع تنعي على قريش عبادة الأصنام . وقال الإمام بعد نقله كلام مجاهد : إن هذا ليس بقوي لأنه عليه السلام لم يرد بهذا الدعاء إلا عبادة غير الله تعالى والصنم كالوثن في ذلك ويرد مثله على ابن عيينة ، ومن هنا قيل عليه : إن فيما ذكره كراً على ما فر منه لأن ما كانوا يصنعونه عبادة لغير الله تعالى أيضاً : واستدل بعض أصحابنا بالآية على أن التبعيد من الكفر والتقريب من الايمان ليس إلا من الله تعالى لأنه عليه السلام إنما طلب التبعيد عن عبادة الأصنام منه تعالى ، وحمل ذلك على الألطاف فيه ما فيه .
( هذا ومن باب الإشارة ) : في الآيات : { وَإِذْ قَالَ إبراهيم رَبّ اجعل هذا البلد امِنًا } قال ابن عطاء : أراد عليه السلام أن يجعل سبحانه قلبه آمناً من الفراق والحجاب ، وقيل : اجعل بلد قلبي ذا أمن بك عنك { واجنبنى وَبَنِىَّ أَن نَّعْبُدَ الاصنام } [ إبراهيم : 35 ] من المغوبات الدنية والمشتهيات الحسية .
وقال جعفر رضي الله تعالى عنه : أراد عليه السلام لا تردني إلى مشاهدة الخلة ولا ترد أولادي إلى مشاهدة النبوة ، وعنه أنه قال : أصنام الخلة خطرات الغفلة ولحظات المحبة ، وفي رواية أخرى أنه عليه السلام كان آمناً من عبادة الأصنام في كبره وقد كسرها في صغره لكنه علم أن هوى كل إنسان ضمنه فاستعاذ من ذلك .
وقال الجنيد قدس سره : أي امنعني وبنى أن نرى لأنفسنا وسيلة إليك غير الافتقار ، وقيل : كل ما وقف العارف عليه غير الحق سبحانه فهو صنمه ، وجاء النفس هو الصنم الأكبر
تفسير مقاتل بن سليمان 150 هـ :
{وإذ قال إبراهيم رب اجعل هذا البلد ءامنا} يعني مكة، فكان أمنا لهم في الجاهلية، {واجنبني وبني}، يعني وولدي، {أن نعبد الأصنام}، وقد علم...
جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :
يقول تعالى ذكره: و اذكر يا محمد "إذْ قالَ إبْرَاهِيمُ رَبّ اجْعَلْ هَذَا البَلَدَ آمِنا "يعني الحَرم، بلدا آمنا أهله وسكانه.
"وَاجْنُبْنِي وَبَنِيّ أنْ نَعْبُدَ الأصْنامَ"... ومعنى ذلك: أبعدْني وبنيّ من عبادة الأصنام، والأصنام: جمع صنم، والصنم: هو التمثال المصوّر...
تأويلات أهل السنة للماتريدي 333 هـ :
{وإذ قال إبراهيم رب اجعل هذا البلد آمنا} أي مأمنا، سمي آمنا لما يأمن الخلق فيه... قوله: {اجعل هذا البلد آمنا}... أخبر أنه جعل تلك البقعة مأمنا للخلق، يأمنون فيها. ثم يحتمل وجهين.
أحدهما: جعله آمنا بحق الابتلاء والامتحان، ألزم الخلق حفظ تلك البقعة عن سفك الدماء فيها وهتك الحرم وغيرها من المعاصي، وإن كانوا ضيعوا ذلك، وعملوا فيها ما لا يصلح كالمساجد التي بنيت للعبادة وإقامة الخيرات، ألزم على أهلها وعلى جميع الخلائق حفظها عن إدخال ما لا يصلح ولا يحل، ثم إن الناس قد ضيعوا ذلك، وعملوا فيها ما لا يليق بها ولا يصلح، فعلى ذلك الحرم الذي أخبر أنه جعله مأمنا.
والثاني: جعله مأمنا بالخلقة من ذا الوجه، ولا يجوز أن يقال: كيف سفك فيه الدماء؟ وهتك فيه الحرم؟ وهو بالخلقة جعله مأمنا. قيل: يجوز هذا بحق العقوبة، وإن كان أمنا. ألا ترى أنه قال: {فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم} الآية (النساء: 160) الطيبات بالخلقة الحلال، لكنه حرم عليهم ذلك بالظلم الذي كان منهم بحق العقوبة والانتقام. فعلى ذلك الحرم، جعله مأمنا بالخلقة...
التبيان في تفسير القرآن للطوسي 460 هـ :
" واجنبني "أي واصرفني "وبني أن نعبد الأصنام "أي جنبنا عبادة الأصنام بلطف من ألطافك الذي نختار عنده الامتناع من عبادتها. ودعاء الأنبياء لا يكون إلا مستجابا، فعلى هذا يكون سؤاله أن يجنب نبيه عبادة الأصنام مخصوصا بمن علم الله من حاله أن يكون مؤمنا، لا يعبد إلا الله، ويكون الله تعالى أذن له في الدعاء لهم، فيجيب الله تعالى ذلك لهم...
لطائف الإشارات للقشيري 465 هـ :
كما سأل أن يجعل مكةً بلداً آمناً، طلب أن يجعل قلبَه محلاً آمناً؛ أي لا يكون فيه شيءٌ إلا بالله. {وَاجْنُبْنِي وَبَنِىَّ أَن نعْبُدَ الأَصْنَامَ}... والصنم ما يعبد من دونه... فصنمُ كل أحدٍ ما يشغله عن الله تعالى من مالٍ ووَلَدٍ وجاهٍ...
تفسير القرآن للسمعاني 489 هـ :
إن قال قائل: قد كان إبراهيم معصوما عن عبادة الأصنام، فكيف يستقيم سؤاله لنفسه، وقد عبد كثير من بنيه الأصنام، فأين الإجابة؟ الجواب: أما في حق إبراهيم، فالدعاء لزيادة العصمة والتثبيت، وأما في حق البنين فيقال: إن الدعاء لبنيه من الصلب، ولم يعبد أحد منهم الصنم، وقيل: إن دعاءه لمن كان مؤمنا من بنيه...
الكشاف عن حقائق التنزيل للزمخشري 538 هـ :
إن قلت: أي فرق بين قوله: {اجعل هذا بَلَدًا آمِنًا} [البقرة: 126] وبين قوله: {اجعل هذا البلد ءَامِنًا}؟ قلت: قد سأل في الأوّل أن يجعله من جملة البلاد التي يأمن أهلها ولا يخافون، وفي الثاني أن يخرجه من صفة كان عليها من الخوف إلى ضدها من الأمن، كأنه قال: هو بلد مخوف، فاجعله آمناً...
المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز لابن عطية 542 هـ :
وهذا الدعاء من الخليل عليه السلام يقتضي إفراط خوفه على نفسه ومن حصل في رتبته، فكيف يخاف أن يعبد صنماً؟! لكن هذه الآية ينبغي أن يقتدى بها في الخوف وطلب الخاتمة. و {الأصنام} هي المنحوتة على خلقة البشر، وما كان منحوتاً على غير خلقة البشر فهي أوثان، قاله الطبري عن مجاهد...
اعلم أنه تعالى لما بين بالدلائل المتقدمة أنه لا معبود إلا الله سبحانه، وأنه لا يجوز عبادة غيره تعالى البتة، حكى عن إبراهيم عليه السلام مبالغته في إنكار عبادة الأوثان...
أنوار التنزيل وأسرار التأويل للبيضاوي 685 هـ :
{واجنُبني وبني} بعدني وإياهم، {أن نعبد الأصنام} واجعلنا منها في جانب... وفيه دليل على أن عصمة الأنبياء بتوفيق الله وحفظه إياهم، وهو بظاهره، لا يتناول أحفاده وجميع ذريته...
تفسير القرآن العظيم لابن كثير 774 هـ :
{وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الأصْنَامَ} ينبغي لكل داع أن يدعو لنفسه ولوالديه ولذريته...
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي 885 هـ :
لما انقضى المأمور به من القول لكافر النعمة وشاكرها وسبب ذلك والدليل عليه، وبان أنه خالق الموجودات كلها وربها، فلا يصح أصلاً أن يكون شيء منها شريكاً. أمره صلى الله عليه وعلى آله وسلم أن يذكرهم بأيام الله عند أبيهم إبراهيم عليه السلام للدلالة على تبديلهم النعمة ظلماً منهم وكفراً، في أسلوب دال على البعث، مشير إلى وجوب براءتهم من الأصنام حيث كان محط حالهم فيها تقليد الآباء وهو أعظم آبائهم، وإلى ما سنه لهم من إقامتهم الصلاة وشكرهم لنعمه بالإنفاق وغيره، فقال ناعياً عليهم -مع المخالفة لصريح العقل وقاطع النقل عقوق أبيهم الأعظم، عطفاً على {قل لعبادي الذين آمنوا} أو على {وإذ قال موسى لقومه}: {وإذ} أي واذكر لهم مذكراً بأيام الله خبر إبراهيم إذ {قال إبراهيم رب} أي أيها المحسن إليّ بإجابة دعائي في جعل القفر الذي وضعت به ولدي بلداً عظيماً. ولما كان السياق لإخراج الرسل من محالهم، وكان ذلك مفهماً لأن المحل الذي يقع الإخراج منه بلد يسكن فيه، واتبعه سبحانه بأن المتعرضين بدلوا نعمة الله- بما أسكن فيه من الأمن بعد جعله له بلداً -بما أحدثوا فيه من الإخافة لخير أهله، ومن الإنذار لمن أنعم عليهم بكل ما فيه من الخير، كان الأنسب تعريفه فقال: {اجعل هذا البلد} أي الذي يريدون إخراج الرسول منه {آمناً} أي ذا أمن بأمان أهله، وكأن هذا الدعاء صدر منه بعد أن سكن الناس مكة وصارت مدينة، والذي في البقرة كان حيث وضع ابنه بها مع أمه وهي خالية عن ساكن، فدعا أن يجعلها الله بلداً، وأن يجعلها بعد ذلك موصوفة بالأمن، وهو سكون النفس إلى زوال الضر. ولما دعا بالأمن من فساد الأموال والأبدان، أتبعه الدعاء بالأمن من فساد الأديان، فقال: {واجنبني} أي اصرفني {وبني} أي لصلبي، وأسقط البنات إشارة إلى الاستقلال، وإنما هن تابعات دائماً {أن نعبد} أي عبادة مستمرة تكون موجبة للنار {الأصنام} أي اجعلنا في جانب غير جانب عبادتها...
تفسير الجلالين للمحلي والسيوطي 911 هـ :
[آمنا] ذا أمن وقد أجاب الله دعاءه فجعله حرما لا يسفك فيه دم إنسان ولا يظلم فيه أحد ولا يصاد صيده ولا يختلى خلاه...
فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير للشوكاني 1250 هـ :
دعا إبراهيم ربه أن يجعله آمنا، أي: ذا أمن، وقدّم طلب الأمن على سائر المطالب المذكورة بعده، لأنه إذا انتفى الأمن لم يفرغ الإنسان لشيء آخر من أمور الدين والدنيا...
في ظلال القرآن لسيد قطب 1387 هـ :
إن السياق يصور إبراهيم -عليه السلام- إلى جوار بيت الله الذي بناه في البلد الذي آل إلى قريش، فإذا بها تكفر فيه بالله، مرتكنة إلى البيت الذي بناه بانيه لعبادة الله! فيصوره في هذا المشهد الضارع الخاشع الذاكر الشاكر، ليرد الجاحدين إلى الاعتراف، ويرد الكافرين إلى الشكر، ويرد الغافلين إلى الذكر، ويرد الشاردين من أبنائه إلى سيرة أبيهم لعلهم يقتدون بها ويهتدون. ويبدأ إبراهيم دعاءه: (رب اجعل هذا البلد آمنا).. فنعمة الأمن نعمة ماسة بالإنسان، عظيمة الوقع في حسه، متعلقة بحرصه على نفسه. والسياق يذكرها هنا ليذكر بها سكان ذلك البلد، الذين يستطيلون بالنعمة ولا يشكرونها وقد استجاب الله دعاء أبيهم إبراهيم فجعل البلد آمنا، ولكنهم هم سلكوا غير طريق إبراهيم، فكفروا النعمة، وجعلوا لله أندادا، وصدوا عن سبيل الله. ولقد كانت دعوة أبيهم التالية لدعوة الأمن: (واجنبني وبني أن نعبد الأصنام).. ويبدو في دعوة إبراهيم الثانية تسليم إبراهيم المطلق إلى ربه، والتجاؤه إليه في أخص مشاعر قلبه. فهو يدعوه أن يجنبه عبادة الأصنام هو وبنيه، يستعينه بهذا الدعاء ويستهديه. ثم ليبرز أن هذه نعمة أخرى من نعم الله. وإنها لنعمة أن يخرج القلب من ظلمات الشرك وجهالاته إلى نور الإيمان بالله وتوحيده. فيخرج من التيه والحيرة والضلال والشرود، إلى المعرفة والطمأنينة والاستقرار والهدوء. ويخرج من الدينونة المذلة لشتى الأرباب، إلى الدينونة الكريمة العزيزة لرب العباد.. إنها لنعمة يدعو إبراهيم ربه ليحفظها عليه، فيجنبه هو وبنيه أن يعبد الأصنام...
التحرير والتنوير لابن عاشور 1393 هـ :
عطف على جملة {ألم تر إلى الذين بدلوا نعمة الله كفراً} [إبراهيم: 28] فإنهم كما بدّلوا نعمة الله كفراً أهملوا الشكر على ما بوأهم الله من النعم بإجابة دعوة أبيهم إبراهيم عليه السلام، وبدلوا اقتداءهم بسلفهم الصالح اقتداءً بأسلافهم من أهل الضلالة، وبدلوا دُعاء سلفهم الصالح لهم بالإنعام عليهم كفراً بمفيض تلك النّعَم. ويجوز أن تكون معطوفة على جملة {الله الذي خلق السموات والأرض} بأن انتقل من ذكر النعم العامة للناس التي يدخل تحت مِنتها أهل مكة بحكم العموم إلى ذكر النعم التي خص الله بها أهل مكة. وغير الأسلوب في الامتنان بها إلى أسلوب الحكاية عن إبراهيم لإدماج التنويه بإبراهيم عليه السلام والتعريض بذريته من المشركين...
تفسير من و حي القرآن لحسين فضل الله 1431 هـ :
مناجاة إبراهيم ربه بعد بناء البيت وفي أجواء الإيمان، مع النداء الإلهيّ الذي يدعو فيه عباده للعودة إليه والالتزام بأوامره ونواهيه على الخط المستقيم، الذي يمثله خط الرسالات الذي يبدأ من الله ويسير معه وينتهي إليه، في هذه الأجواء النابضة بالروح الخاشع أمام الله والمتحرك في سبيله، نلتقي بإبراهيم النبي الذي انفتح على الله بكل روحه وعقله وحياته، في موقع المشاعر الذاتية، وفي ملتقى المسؤوليات الكبيرة في الحياة. إنه الإنسان النموذج، الذي يرجع إلى الله في كل صغيرة وكبيرة، ويبتهل إليه لمواجهة صعوبات الحياة، ومشاكل العمل، واهتزاز الخطى في الطريق، وهو لا يحمل همّاً للذات، بل كل همّه الرسالة، ولا يتعقّد من سيطرة الهموم المتنوعة عليه، بل ينفتح على الله في همومه، ليخفف منها ويعود حُرّاً طليقاً بعيداً عن كل الأغلال النفسية التي تقيّد حرية انطلاق الروح في رحاب الله. إنها قصة السائرين مع الرسالة، فلا مشكلة لهم مع الناس إلا من خلال حركة الرسالة في الحياة، وهذا ما تمثله قصة إبراهيم على أكثر من صعيد. دعاء إبراهيم {وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا}، وذلك بعد أن وضع الحجر الأساس لبناء هذا البلد، وهو مكة، وأقام فيه البيت الحرام، ليكون المنطلق للمجتمع الجديد الذي يلتقي به من قاعدة الإيمان بالله، وتوحيد العقيدة والعبادة له. ولم يفكر في البداية إلا في الطابع الروحي الذي يريد أن يصبغ هذا البلد، ويميّزه عن بقية البلدان، فقد أراده أن يكون بلد سلام يشعر فيه الناس، مع كل خلافاتهم ونزاعاتهم، بالأمان بين يدي الله، فلا يعتدي إنسان على آخر، بل يعيش تجاهه أحاسيس السلام الروحي القادم من الله، من خلال الممارسة بإشاعة جو السلام وتشريع تحريم القتال فيه. وإذا كان السلام هو طابع هذا البلد الذي أراده إبراهيم له، فلا بد لهذا السلام من أن يرتكز على قاعدةٍ في الروح وفي الفكر، وأيّ قاعدة أعظم تأثيراً في النفس، وأكثر قوّةً على الثبات، من توحيد الله ورفض عبادة غيره، لأنها القاعدة التي تخطّط للإنسان المنهج الذي تنطلق منه كل مشاريعه العامة والخاصة، في علاقاته بالحياة وبالآخرين، حيث يتأكد شعوره بالتقوى في كل شيءٍ، في أجواء العقيدة الرافضة لشرك الفكر والانتماء، وفي أجواء العمل الرافض لشرك العبادة، وهذا ما عبّر عنه إبراهيم (ع) في ما حكاه الله عنه بقوله: {وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَن نَّعْبُدَ الأَصْنَامَ}، حيث تمثل عبادة الأصنام استجابة لتسويلات الشيطان وما يثيره في مكامن الذات ومشاعرها الحميمة، من دافع للانسجام مع الجو العام الذي يسيطر عليه الشرك، بطريقة تجعل الأجواء الخارجية البعيدة عن الحق مسيطرة على الآفاق الداخلية للذات، فتنحرف عن الخط المستقيم، طلباً لرضى أو تأييد هذا الفريق أو ذاك، وهذا الشخص أو ذاك، لأنهم يملكون السلطة والموقع الاجتماعي المتقدم الذي تضعف مقدرة الذات على الرفض أمامه إلا إذا توفر لها تأييد الله ورعايته له، وهو أمر يتحقق بالابتهال إليه أن يمنح الإنسان القوّة في الموقف الرافض الحاسم، كما يمنح بنيه في الحاضر والمستقبل مثل هذه القوّة في مواجهة كل شركٍ في العقيدة أو في العبادة، من دون فرق بين الأصنام البشرية أو الحجرية أو الخشبية، أو غير ذلك مما اعتاد الناس على عبادته والارتباط به على كل مستوى من مستويات العلاقة النفسية والعملية...