ثم رغّب في المثابرة على أداء الطاعات والواجبات الدينية .
في هذه الآيات الكريمة حَضٌّ على العمل الصالح لجميع الناس ذكورا وإناثا ، وأن العمل الصالح مع الإيمان جزاؤه طيبة في هذه الدنيا ، يحيا فيها مطمئنا في رعاية الله وعند الله في الآخرة له الجزاء الأوفى ، والنصيب العظيم من الأجر والثواب . وقد كرر الله قوله : { وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ } ، للترغيب في العمل الصالح .
{ مَّنْ عَمِلَ صالحا } أي عملا صالحاً أي عمل كان ، وهذا كما قيل شروع في تحريض كافة المؤمنين على كل عمل صالح غب ترغيب طائفة منهم في الثبات على ما هم عليه من عمل صالح مخصوص دفعاً لتوهم الأجر الموفور بهم وبعملهم ، وقوله تعالى : { مّن ذَكَرٍ أَوْ أنثى } دفع لتوهم تخصيص { مِنْ } بالذكور لتبادرهم من ظاهر لفظ { مِنْ } فإنه مذكر وعاد عليه ضميره وإن شمل النوعين وضعاً على الأصح ، واستدل عليه بما رواه الترمذي من قوله صلى الله عليه وسلم : " من جر ثوبه خيلاء لم ينظر الله تعالى إليه " ، وقول أم سلمة : «فكيف تصنع النساء بذيولهن » الحديث فإن أم سلمة رضي الله تعالى عنها فهمت دخول النساء في { مِنْ } وأقرها على ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وبأنهم أجمعوا على أنه لو قال : من دخل داري فهو حر فدخلها الاماء عتقن ، وبعضهم يستدل على ذلك أيضاً بهذه الآية إذ لولا تناوله الأنثى وضعاً لما صح أن يبين بالنوعين . وفي الكشف كان الظاهر تناوله للذكور من حيث أن الإناث لا يدخلن في أكثر الأحكام والمحاورات وإن كان التناول على طريق التعميم والتغليب حاصلاً لكن لما أريد التنصيص ليكون أغبط للفريقين ونصا في تناولهما بين بذكر النوعين اه ، والقول الأصح أن التناول لا يحتاج إلى التغليب ، وتمام الكلام في ذلك في كتب الأصول ، وقوله تعالى : { وَهُوَ مُؤْمِنٌ } في موضع الحال من فاعل { عَمَلٍ } وقيد به إذ لا اعتداد بأعمال الكفرة الصالحة في استحقاق القواب إجماعاً ، واختلف في ترتب تخفيف العقاب عليها ، فقال بعضهم : لا يترتب أيضاً لقوله تعالى : { وَإِذَا رَأى الذين ظَلَمُواْ العذاب فَلاَ يُخَفَّفُ عَنْهُمْ } [ النحل : 85 ] وقوله تعالى : { وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء منثوراً } [ الفرقان : 23 ] .
وقال الإمام : إن إفادة العمل الصالح لتخفيف العقاب غير مشروطة بالإيمان لقوله تعالى : { فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره } [ الزلزلة : 7 ] وحديث أبي طالب أنه اخف الناس عذاباً لمحبته وحمايته النبي صلى الله عليه وسلم . وفي البحر أن قوله تعالى : { فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره } [ الزلزلة : 7 ] مخصص بهذه الآية ونحوها أو يراد بمثقال ذرة مثقال ذرة من إيمان كما جاء فيمن يخرج من النار من عصاة المؤمنين ، وقال الكرماني : إن تخفيف العذاب عن أبي طالب ليس جزاء لعمله بل هو لرجاء غيره أو هو من خصائص نبينا عليه الصلاة والسلام ، وقال بعضهم : الإيمان شرط لترتب التخفيف على الأعمال الصالحة إذا كانت مما يتوقف صحتها على النية التي لا تصح من كانفر وليس شرطاً للترتب عليها إذا لم تكن كذلك ، وسيأتي إن شاء الله تعالى تمام الكلام في هذا المقام ، وإيثار الجملة الاسمية لإفادة وجوب دوام الإيمان ومقارنته للعمل الصالح في ترتب قوله تعالى : { فَلَنُحْيِيَنَّهُ حياة طَيّبَةً } الخ ، والمراد بالحياة الطيبة الحياة التي تكون في الجنة إذ هناك حياة بلا موت وغنى بلا فقر وصحة بلا سقم وملك بلا هلك وسعادة بلا شقاوة ، أخرج ابن جرير .
وابن المنذر . وغيرهما عن الحسن قال : ما تطيب الحياة لأحد إلا في الجنة ، وروي نحوه عن مجاهد . وقتادة . وابن زيد ، ولله تعالى در من قال :
لا طيب للعيش ما دامت منغصة . . . لذاته بادكار الموت والهرم
وقال شريك : هي حياة تكون في البرزخ فقد جاء «القبر روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النار » .
/ وقال غير واحد : هي في الدنيا وأريد بها حياة تصحهبا القناعة والرضا بما قسمه الله تعالى له وقدره ، فقد أخرج البيهقي في الشعب . والحاكم وصححه . وابن أبي حاتم . وغيرهم عن ابن عباش رضي الله تعالى عنهما أنه فسرها بذلك وقال : " كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو اللهم قنعني بما رزقتني وبارك لي فيه واخلف على كل غائبة لي بخير " وجاء «القناعة مال لا ينفد » .
وقال أبو بكر الوراق : هي حياة تصحبها حلاوة الطاعة ، وأخرج عبد الرزاق . وغيره عن ابن عباس أنه سئل عن ذلك فقال : الحياة الطيبة الرزق الحلال ، وروى عن الضحاك . ووجه بعضهم طيب هذه الحياة بأنه لا يترتب عليها عقاب بخلاف الحياة بالرزق الحرام فقد جاء «أيما لحم نبت من سحت فالنار أولى به » وهو كما ترى ، وقيل : غير ذلك ؛ وأولى الأقوال على تقدير أن يكون ذلك في الدنيا تفسيرها بما يصحبه القناعة .
قال الواحدي : إن تفسيرها بذلك حسن مختار فإنه لا يطيب في الدنيا إلا عيش القانع وأما الحريض فإنه أبدا في الكد والعناء ، وقال الإمام : إن عيش المؤمن في الدنيا أطيب من عيش الكافر لوجوه .
الأول أنه لما عرف أن رزقع إنما حصل بتدبير الله تعالى وأنه سبحانه محسن كريم لا يفعل إلا الصواب كان راضياً بكل ما قضاه وقدره وعرف أن مصلحته في ذلك ، وأما الجاهل فلا يعرف هذه الأصول فكان أبدا في الحزن والشقاء .
الثاني أن المؤمن يستحضر أبداً في عقله أنواع المصائب والمحن ويقدر وقوعها ويجد نفسه راضية بذلك فعند الوقوع لا يستعظمها بخلاف الجاهل فإنه غافل عن تلك المعارف فعند وقوع المصائب يعظم تأثيرها في قلبه .
الثالث أن المؤمن منشرح بنور معرفة الله تعالى والقلب إذا كان مملوءاً بالمعرفة لم يتسع للأحزان الواقعة بسبب أحوال الدنيا وأما الجاهل فقلبه خال عن المعرفة متفرغ للأحزان من المصائب الدنيوية .
الرابع أن المؤمن عارف أن خيرات الحياة الجسمانية خسيسة فلا يعظم فرحه بوجداناه ولا غمه بفقدانها والجاهل لا يعرف سعادة أخرى تغايرها فيعظم فرحه بوجدانها وغمه بفقدانها .
الخامس أن المؤمن يعلم أن خيرات الدنيا واجبة التغير سريعة الزوال ولولا تغيرها وانقلابها ما وصلت إليه فعند وصولها إليه لا يتعلق بها قلبه ولا يعانقها معانقة العاشق فلا يحزنه فواتها والجاهل بخلاف ذلك اه ، وللبحث فيه مجال . وأورد على التفسير المختار أن بعض من عمل صالحاً وهو مؤمن لم يرزق القناعة بل قد ابتلى بالقنوع ، وأجيب بأن المراد بالمؤمن من كمل إيمانه أو يقال : المراد بمن عمل صالحاً من كان جميع عمله صالحا .
وقال البيضاوي في بيان ترتب احيائه حياة طيبة : إنه إن كان معسراً فظاهر وإن كان موسراً فطيب عيشه بالقناعة والرضى بالقسمة وتوقف الأجر العظيم في الأخرة أي على تخلف بعض مراداته عنه وضنك عيشه فقال الخفاجي : إن هذه الأمور لا بد من وجود بعضها في المؤمن والأخير يعني توقع الأجر في الآخرة عام شامل لكل مؤمن فلا يرد عليه أن هذا لا يوجد في كل من عمل صالحاً حتى يؤول المؤمن بمن كمل إيمانه إلى آخر ما سمعت . وتعقب بأن القناعة هي الرضا بالقسم كما في القاموس وغيره وتوقع الأجر العظيم لا يوجد بدون ذلك ويكف يحصل الأجر على تخلف المراد وضنك العيش مع الجزع وعدم الرضا ، وكلامه ظاهر في تحقق هذا التوقع وإن لم يكن هناك قناعة ورضا ولا يكاد يقع هذا من مؤمن عارف فلا بد من التأويل .
وبحث بعضهم فيه أيضاً بأن كمال الإيمان لا يكون بدون الرضا وكذا كون جميع الأعمال صالحة لا يوجد بدونه لأن الأعمال تشمل القلبية والقالبية والرضا من النوع الأول . والمراد من { لنحيينه حياة طيبة } / لنعطينه ما تطيب به حياته فيؤول معنى الآية حينئذ على تقدير أن يراد القناعة الرضا من رضى بالقسمة وفعل كذا وكذا وهو مؤمن أو من عمل صالحاً وهو راض بالقسمة متصف بكذا وكذا مما فيه كمال الإيمان فلنعطينه الرضا بالقسمة الذي تطيب به حياته ويتضمن من رضى بالقسمة فلنعطينه الرضا بالقسمة الذي تطيب به حياته وهو كما ترى وفيه ما لا يخفى . نعم تفسير الحياة الطيبة بما يكون في الجنة سالم عن هذا القيل والقال ، ويراد بها ما سلمت من توعم الموت والهرم وحلول الالم والسقم فيكون قوله تعالى : { فلنحيينه حياة طيبة } إشارة إلى درء المفاسد ، وقوله سبحانه : { وَلنَجْزيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ } إشارة إلى جلب المصالح ولكون الأول أهم قدم فليتأمل ، وكأن المراد ولنجزينهم الخ حسبما يفعل بالصابرين فليس في الآية شائبة تكرار كما زعم الطبرسي ، والجمع في الضمائر العائدة إلى الموصول لمراعاة جانب المعنى كما أن الأفراد فيما سلف لرعاية جانب اللفظ ، وإيثار ذلك على العكس بناءاً على كون الأحياء حياة طيبة في الدنيا وجزاء الأجر في الآخرة لما أن وقوع الجزاء بطريق الاجتماع المناسب للجمعية ووقوع ما في حيز الصلة وما يترتب عليه بطريق الافتراق والتعاقب الملائم للأفراد ، وقيل بناءاً على كون ذلك في الآخرة : إن الجمع والأفراد لما تقدم ، وكذا إيثار ذلك على العكس فيما عدا ضمير { لنحيينه } واما في ضميره فلما أن الأحياء حياة طيبة بمعنى ما سلمت مما تقدم أمر واحد في الجميع لا يتفاوت فيه أهل الجنة فكأنهم في ذلك شيء واحد ، ولما لم يكن الجزاء كذلك وكان أهل الجنة فيه متفاوتين جيء بضمير الجمع معه فتأمل كل ذلك .
وروي عن نافع أنه قرأ { وليجزينهم } بالياء على الالتفات من التكلم إلى الغيبة .
قال أبو حيان : وينبغي أن يكون ذلك على تقدير قسم ثان لا معطوفاً على { فَلَنُحْيِيَنَّهُ } فيكون من عطف جملة قسمية على مثلها وكلتاهما محذوفتان ، ولا يكون من عطف جواب على مثله لتغاير الإسناد وإفضاء الثاني إلى إخبار المتكلم عن نفسه اخبار الغائب وذلك لا يجوز ، وعلى هذا لا يجوز زيد قال لأضربن هند أو لينفينها تريد ولينفينها زيد فإن جعلته على إضماء قسم ثان جاز أي وقال زيد لينفينها لأن لك في هذا التركيب حكاية المعنى وحكاية اللفظ ، ومن الثاني { وَلَيَحْلِفَنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلاَّ الحسنى } [ التوبة : 107 ] ومن الأول { يَحْلِفُونَ بالله مَا قَالُواْ } [ التوبة : 74 ] ولو حكى اللفظ قيل ما قلنا ا ه . واستدل بالآية على أن الإيمان مغاير للعمل الصالح مغايرة الشرط للمشروط .
هذا وإذ قد انتهى الأمر إلى مدار الجزاء وهو صلاح العمل وحسنه رتب عليه بالفاء الإرشاد إلى ما به يحسن العمل الصالح ، ويخلص عن شوب الفساد فقيل :
( هذا ومن باب الإشارة ) :{ مَنْ عَمِلَ صالحا مّن ذَكَرٍ أَوْ أنثى } أي عملا يوصله إلى كماله الذي يقتضيه استعداده { وَهُوَ مُؤْمِنٌ } معتقد للحق اعتقاداً جازاً { فَلَنُحْيِيَنَّهُ حياة طَيّبَةً } أي حياة حقيقية لا موت بعدها بالتجرد عن المواد البدنية والانخراط في سلك الأنوار القدسية والتلذذ بكمالات الصفات ومشاهدات التجليات الافعالية والصفاتية { وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم } من جنات الصفات والأفعال { بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعمْلَونَ } [ النحل : 97 ] إذ عملهم يناسب صفاتهم التي هي مبادى أفعالهم وأجرهم يناسب صفات الله تعالى التي هي مصادر أفعاله فانظركم بينهما من التفاوت في الحسن ، ويقال : الحياة الطيبة ما تكون مع المحبوب ومن هنا قيل :
تفسير مقاتل بن سليمان 150 هـ :
{من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن}، يعني: مصدق بتوحيد الله عز وجل، {فلنحيينه حياة طيبة}، يعني: حياة حسنة في الدنيا،
{ولنجزينهم أجرهم بأحسن}، يعني: جزاءهم في الآخرة بأحسن {ما كانوا}، بأحسن الذي كانوا {يعملون} في الدنيا، ولهم مساوئ لا يجزيهم بها أبدا.
جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :
يقول تعالى ذكره: من عمل بطاعة الله، وأوفى بعهود الله إذا عاهد من ذكر أو أنثى من بني آدم وهُوَ مُؤْمِنٌ يقول: وهو مصدّق بثواب الله الذي وعد أهل طاعته على الطاعة، وبوعيد أهل معصيته على المعصية {فَلَنُحْيِيَنّهُ حَياةً طَيّبَةً}.
واختلف أهل التأويل في الذي عَنَى الله بالحياة الطيبة التي وعد هؤلاء القوم أن يُحْييهموها؛
فقال بعضهم: عني أنه يحييهم في الدنيا ما عاشوا فيها بالرزق الحلال... وقال آخرون: {فَلَنُحْيِيَنّهُ حَياةً طَيّبَة}، ً بأن نرزقه القناعة...
وقال آخرون: بل يعني بالحياة الطيبة: الحياة مؤمنا بالله عاملاً بطاعته... [عن] الضحاك يقول في قوله: {فَلَنُحْيِيَنّهُ حَياةً طَيّبَةً} يقول: من عمل عملاً صالحا وهو مؤمن في فاقة أو ميسرة، فحياته طيبة، ومن أعرض عن ذكر الله فلم يؤمن ولم يعمل صالحا، عيشته ضنكة لا خير فيها...
وقال آخرون: الحياة الطيبة السعادة...
وقال آخرون: بل معنى ذلك: الحياة في الجنة...
وأولى الأقوال بالصواب قول من قال: تأويل ذلك: فلنحيينه حياة طيبة بالقناعة، وذلك أن من قنعه الله بما قسم له من رزق، لم يكثر للدنيا تعبه، ولم يعظم فيها نَصَبه، ولم يتكدّر فيها عيشه، باتباعه بغية ما فاته منها، وحرصه على ما لعله لا يدركه فيها.
وإنما قلت ذلك أولى التأويلات في ذلك بالآية؛ لأن الله تعالى ذكره أوعد قوما قبلها على معصيتهم إياه إن عصوه أذاقهم السوء في الدنيا والعذاب في الآخرة، فقال تعالى: {وَلا تَتّخِذُوا أيمَانَكُمْ دَخَلاً بَيْنَكُمْ فَتزِلّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِها وَتَذُوقُوا السّوءَ بِمَا صَدَدَتُمْ عَنْ سَبِيلِ اللّهِ}، فهذا لهم في الدنيا، ولهم في الآخرة عذاب عظيم، فهذا لهم في الآخرة. ثم أتبع ذلك ما لمَن أوفى بعهد الله وأطاعه فقال تعالى: ما عندكم في الدنيا ينفد، وما عند الله باق، فالذي هذه السيئة بحكمته أن يعقب ذلك الوعد لأهل طاعته بالإحسان في الدنيا، والغفران في الآخرة، وكذلك فَعَلَ تعالى ذكره.
وأما القول الذي رُوِي عن ابن عباس أنه الرزق الحلال، فهو محَتمَل أن يكون معناه الذي قلنا في ذلك، من أنه تعالى يقنعه في الدنيا بالذي يرزقه من الحلال وإن قلّ، فلا تدعوه نفسه إلى الكثير منه من غير حله، لا أنه يرزقه الكثير من الحلال، وذلك أن أكثر العاملين لله تعالى بما يرضاه من الأعمال لم نرهم رُزِقوا الرزق الكثير من الحلال في الدنيا، ووجدنا ضيق العيش عليهم أغلب من السعة.
وقوله: {وَلَنَجْزِيَنّهُمْ أجْرَهُمْ بأحْسَنِ ما كانُوا يَعْمَلُونَ}، فذلك لا شكّ أنه في الآخرة...
لطائف الإشارات للقشيري 465 هـ :
الصالح ما يصلح للقبول، والذي يصلح للقبول ما كان على الوجه الذي أمر الله به...
وقوله: {مَنْ عَمِلَ صَالِحاً}: في الحال، {فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً}: في المآل؛ فصفَاءُ الحالِ يستوجِبُ وفاءَ المآلِ، والعملُ الصالحُ لا يكون من غير إيمان...
{وَهُوَ مُؤْمِنٌ}، أي: مصدِّقٌ بأن إيمانه من فضل الله لا بعمله الصالح...
أي: مصدِّقٌ بأن عمله بتوفيق الله وإنشائه وإبدائه...
{فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً}: الفاء للتعقيب، {وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ...}، الواو للعطف، ففي الأولى مُعَجَّل، وفي الثانية مؤجَّل... ثم ما تلك الحياة الطيبة فإنه لا يُعْرَف بالنطق، وإنما يعرف ذلك بالذوق؛ فقوم قالوا: إنه حلاوة الطاعة... وقوم قالوا: إنه الرضا... وقوم قالوا: إنه النجوى... وقوم قالوا: إنه نسيم القرب... والكل صحيحٌ، ولكلِّ واحدٍ أهل...
الكشاف عن حقائق التنزيل للزمخشري 538 هـ :
{حياة طَيِّبَةً}، يعني: في الدنيا وهو الظاهر، لقوله: {وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ}، وعده الله ثواب الدنيا والآخرة، كقوله: {فأتاهم الله ثَوَابَ الدنيا وَحُسْنَ ثَوَابِ الأخرة} [آل عمران: 148]، وذلك أنّ المؤمن مع العمل الصالح موسراً كان أو معسراً، يعيش عيشاً طيباً إن كان موسراً، فلا مقال فيه. وإن كان معسراً، فمعه ما يطيب عيشه، وهو القناعة والرضا بقسمة الله. وأمّا الفاجر فأمره على العكس: إن كان معسراً فلا إشكال في أمره، وإن كان موسراً فالحرص لا يدعه أن يتهنأ بعيشه...
المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز لابن عطية 542 هـ :
{من عمل صالحاً}، يعم جميع أعمال الطاعة، ثم قيده بالإيمان... والذي أقول: إن طيب الحياة اللازم للصالحين إنما هو بنشاط نفوسهم ونيلها وقوة رجائهم، والرجاء للنفس أمر ملذ، فبهذا تطيب حياتهم وأنهم احتقروا الدنيا فزالت همومها عنهم، فإن انضاف إلى هذا مال حلال وصحة، أو قناعة فذلك كمال، وإلا فالطيب فيما ذكرناه راتب...
ظاهر الآية يقتضي أن العمل الصالح إنما يفيد الأثر بشرط الإيمان، فظاهر قوله: {فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره} يدل على أن العمل الصالح يفيد الأثر سواء كان مع الإيمان أو كان مع عدمه...
[وذلك] أن إفادة العمل الصالح للحياة الطيبة مشروط بالإيمان، أما إفادته لأثر غير هذه الحياة الطيبة وهو تخفيف العقاب فإنه لا يتوقف على الإيمان... هذه الحياة الطيبة [هل] تحصل في الدنيا أو في القبر أو في الآخرة؟... الأقرب أنها تحصل في الدنيا بدليل أنه تعالى أعقبه بقوله: {ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون} ولا شبهة في أن المراد منه ما يكون في الآخرة...
واعلم أن عيش المؤمن في الدنيا أطيب من عيش الكافر لوجوه:...
الأول: أنه لما عرف أن رزقه إنما حصل بتدبير الله تعالى، وعرف أنه تعالى محسن كريم لا يفعل إلا الصواب كان راضيا بكل ما قضاه وقدره، وعلم أن مصلحته في ذلك، أما الجاهل فلا يعرف هذه الأصول فكان أبدا في الحزن والشقاء...
وثانيها: أن المؤمن أبدا يستحضر في عقله أنواع المصائب والمحن ويقدر وقوعها وعلى تقدير وقوعها يرضى بها، لأن الرضا بقضاء الله تعالى واجب، فعند وقوعها لا يستعظمها بخلاف الجاهل فإنه يكون غافلا عن تلك المعارف، فعند وقوع المصائب يعظم تأثيرها في قلبه...
وثالثها: أن قلب المؤمن منشرح بنور معرفة الله تعالى، والقلب إذا كان مملوءا من هذه المعارف لم يتسع للأحزان الواقعة بسبب أحوال الدنيا، أما قلب الجاهل فإنه خال عن معرفة الله تعالى فلا جرم يصير مملوءا من الأحزان الواقعة بسبب مصائب الدنيا...
ورابعها: أن المؤمن عارف بأن خيرات الحياة الجسمانية خسيسة فلا يعظم فرحه بوجدانها وغمه بفقدانها، أما الجاهل فإنه لا يعرف سعادة أخرى تغايرها فلا جرم يعظم فرحه بوجدانها وغمه بفقدانها...
وخامسها: أن المؤمن يعلم أن خيرات الدنيا واجبة التغير سريعة التقلب فلولا تغيرها وانقلابها لم تصل من غيره إليه...
واعلم أن ما كان واجب التغير فإنه عند وصوله إليه لا تنقلب حقيقته ولا تتبدل ماهيته، فعند وصوله إليه يكون أيضا واجب التغير، فعند ذلك لا يطبع العاقل قلبه عليه ولا يقيم له في قلبه وزنا بخلاف الجاهل فإنه يكون غافلا عن هذه المعارف فيطبع قلبه عليها ويعانقها معانقة العاشق لمعشوقه فعند فوته وزواله يحترق قلبه ويعظم البلاء عنده...
والقول الثالث: وهو قول الحسن وسعيد بن جبير إن هذه الحياة الطيبة لا تحصل إلا في الآخرة والدليل عليه قوله تعالى: {يا أيها الإنسان إنك كادح إلى ربك كدحا فملاقيه} فبين أن هذا الكدح باق إلى أن يصل إلى ربه وذلك ما قلناه، وأما بيان أن الحياة الطيبة في الجنة فلأنها حياة بلا موت وغنى بلا فقر، وصحة بلا مرض، وملك بلا زوال، وسعادة بلا شقاء، فثبت أن الحياة الطيبة ليست إلا تلك الحياة، ثم إنه تعالى ختم الآية بقوله: {ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون} وقد سبق تفسيره، والله أعلم...
تفسير القرآن العظيم لابن كثير 774 هـ :
هذا وعد من الله تعالى لمن عمل صالحا -وهو العمل المتابع لكتاب الله تعالى وسنة نبيه... وقلبه مؤمن بالله ورسوله... والحياة الطيبة تشمل وجوه الراحة من أي جهة كانت...
كما جاء في الحديث الذي رواه الإمام أحمد: حدثنا عبد الله بن يزيد، حدثنا سعيد بن أبي أيوب، حدثني شرحبيل بن شريك، عن أبي عبد الرحمن الحُبُلي، عن عبد الله بن عَمرو أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"قد أفلح من أسلم ورُزق كفافا، وقَنَّعه الله بما آتاه"...
وعن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن الله لا يظلم المؤمن حسنة يعطى بها في الدنيا [ويثاب عليها في الآخرة، وأما الكافر فيعطيه حسناته في الدنيا] حتى إذا أفضى إلى الآخرة، لم تكن له حسنة يعطى بها خيرًا". انفرد بإخراجه مسلم...
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي 885 هـ :
ولما وعد بعد أن توعد، أتبعه ما يبين أن ذلك لا يخص شريفاً ولا وضيعاً، وإنما هو دائر مع الوصف الذي رمز إليه فيما مضى بالعدل تارة، وبالعهد أخرى، وهو الإيمان، فقال تعالى جواباً لمن كأنه قال: هذا خاص بأحد دون أحد، مرغباً في عموم شرائع الإسلام: {من عمل صالحاً}، ولما كانت عامة، وكانت ربما خصت الذكور، بين المراد من عمومها بقوله تعالى: {من ذكر أو أنثى}، فعم ثم قيد، مشيراً بالإفراد إلى قلة الراسخين بقوله تعالى: {وهو مؤمن}.
ولما كان الإنسان كلما علا في درج الإيمان، كان جديراً بالبلاء والامتحان، بين تعالى أن ذلك لا ينافي سعادته، ولذلك أكد قوله: {فلنحيينه}، دفعاً لما يتوهمه المستدرجون بما يعجل لهم طيباتهم في الحياة الدنيا، {حياة طيبة}، أي: في الدنيا بما نؤتيه من ثبات القدم، وطهارة الشيم، {ولنجزينهم}، كلهم {أجرهم} في الدنيا والآخرة، {بأحسن ما كانوا}، أي: كوناً جبلياً. {يعملون}، قال العلماء رضي الله عنهم: المطيع في عيشه هنيئة، إن كان موسراً فلا كلام فيه، وإن كان معسراً فبالقناعة والرضى بحكم النفس المطمئنة، والفاجر بالعكس، إن كان معسراً فواضح، وإن كان موسراً فحرصه لا يدعه يتهنأ؛ فهو لا يزال في عيشة ضنك.
محاسن التأويل للقاسمي 1332 هـ :
هذا وعد منه تعالى لمن عمل صالحا. وهو العمل التابع لكتاب الله ورسوله، من ذكر أو أنثى، وهو ثابت على إيمانه إلى الموت، بأن يحييه الله تعالى حياة طيبة...
قال المهايمي: أي: فيتلذذ بعمله في الدنيا فوق تلذذ صاحب المال والجاه، ولا يبطل تلذذه إعساره. إذ يرضيه الله بقسمته، فيقنعه... ويجزون بالأحسن في الآخرة. فلا يقال لهم: أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا. بل يكمل جزاء أعمالهم الأدنى بحيث يلحق بالأعلى. انتهى...
وعندي أن الحياة الطيبة: هي الحياة التي فيها ثلج الصدور بلذة اليقين وحلاوة الإيمان والرغبة في الموعود والرضا بالقضاء. وعتق الروح مما كانوا يستعبدون له. والاستكانة إلى معبود واحد. والتنوّر بسر الوجود الذي قام به، وغير ذلك من مزاياه المقررة في مواضعها. هذا في الدنيا. وأما في الآخرة، فله الجزاء الأحسن والثواب الأوفى...
في ظلال القرآن لسيد قطب 1387 هـ :
وبمناسبة العمل والجزاء، يعقب بالقاعدة العامة فيهما: (من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن، فلنحيينه حياة طيبة، ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون).. فيقرر بذلك القواعد التالية:... أن الجنسين: الذكر والأنثى. متساويان في قاعدة العمل والجزاء، وفي صلتهما بالله، وفي جزائهما عند الله. ومع أن لفظ (من) حين يطلق يشمل الذكر والأنثى إلا أن النص يفصل: (من ذكر أو أنثى) لزيادة تقرير هذه الحقيقة. وذلك في السورة التي عرض فيها سوء رأي الجاهلية في الأنثى، وضيق المجتمع بها، واستياء من يبشر بمولدها، وتواريه من القوم حزنا وغما وخجلا وعارا!... وأن العمل الصالح لا بد له من القاعدة الأصيلة يرتكز عليها. قاعدة الإيمان بالله (وهو مؤمن)... والعقيدة هي المحور الذي تشد إليه الخيوط جميعا، وإلا فهي أنكاث. فالعقيدة هي التي تجعل للعمل الصالح باعثا وغاية. فتجعل الخير أصيلا ثابتا يستند إلى أصل كبير. لا عارضا مزعزعا يميل مع الشهوات والأهواء حيث تميل...
وأن العمل الصالح مع الإيمان جزاؤه حياة طيبة في هذه الأرض. لا يهم أن تكون ناعمة رغدة ثرية بالمال. فقد تكون به، وقد لا يكون معها. وفي الحياة أشياء كثيرة غير المال الكثير تطيب بها الحياة في حدود الكفاية: فيها الاتصال بالله والثقة به والاطمئنان إلى رعايته وستره ورضاه. وفيها الصحة والهدوء والرضى والبركة، وسكن البيوت ومودات القلوب. وفيها الفرح بالعمل الصالح وآثاره في الضمير وآثاره في الحياة.. وليس المال إلا عنصرا واحدا يكفي منه القليل، حين يتصل القلب بما هو أعظم وأزكى وأبقى عند الله...
وأن الحياة الطيبة في الدنيا لا تنقص من الأجر الحسن في الآخرة. وأن هذا الأجر يكون على أحسن ما عمل المؤمنون العاملون في الدنيا، ويتضمن هذا تجاوز الله لهم عن السيئات. فما أكرمه من جزاء!...
التحرير والتنوير لابن عاشور 1393 هـ :
لما كان الوعد المتقدم بقوله تعالى؛ {وليجزين الذين صبروا أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون} [سورة النحل: 96] خاصاً بأولئك الذين نهوا عن أن يشتروا بعهد الله ثمناً قليلاً عُقب بتعميمه لكل من ساواهم في الثبات على الإسلام والعمل الصالح مع التبيين للأجر، فكانت هذه الجملة بمنزلة التذييل للتي قبلها، والبيان لما تضمّنته من مجمل الأجر. وكلا الاعتبارين يوجب فصلها عمّا قبلها. وقوله تعالى: {من ذكر أو أنثى} تبيين للعموم الذي دلّت عليه {مَن} الموصولة. وفي هذا البيان دلالة على أن أحكام الإسلام يستوي فيها الذكور والنساء عدا ما خصّصه الدين بأحد الصّنفين. وأكّد هذا الوعدُ كما أكّد المبيّن به. وذُكر « لنحيينّه» ليبنى عليه بيان نوع الحياة بقوله تعالى: {حياة طيبة}. وذلك المصدر هو المقصود، أي لنجعلنّ له حياة طيّبة. وابتدئ الوعد بإسناد الإحياء إلى ضمير الجلالة تشريفاً له كأنه قيل: فله حياة طيبة مِنّا. ولما كانت حياة الذّات لها مدّة معيّنة كثُر إطلاق الحياة على مدّتها، فوصفها بالطيّب بهذا الاعتبار، أي طيب ما يحصل فيها، فهذا الوصف مجاز عقلي، أي طيّباً ما فيها. ويقارنها من الأحول العارضة للمرء في مدّة حياته، فمن مات من المسلمين الذين عملوا صالحاً عوّضه الله عن عمله ما فاته من وعده. ويفسّر هذا المعنى ما ورد في الصحيح عن خباب بن الأرت قال: « هاجرنا مع رسول الله نبتغي بذلك وجه الله فوجب أجرنا على الله، فمنّا من مضى لم يأكل من أجره شيئاً، كان منهم مُصعَب بنُ عمير قتل يوم أُحد فلم يترك إلا نَمِرة كنّا إذا غطّينا بها رأسه خرجت رجلاه، وإذا غُطي بها رجلاه خرج رأسه، ومنّا من أينعت له ثمرته فهو يَهْدُبُها». والطيِّب: ما يطيب ويحسن. وضد الطيّب: الخبيث والسيّئ. وهذا وعد بخيرات الدنيَا. وأعظمها الرضى بما قسم لهم وحسن أملهم بالعاقبة والصحّة والعافية وعزّة الإسلام في نفوسهم. وهذا مقام دقيق تتفاوت فيه الأحوال على تفاوت سرائر النفوس، ويعطي الله فيه عبادهُ المؤمنين على مراتب هممهم وآمالهم. ومن راقب نفسه رأى شواهد هذا. وقد عُقب بوعد جزاء الآخرة بقوله تعالى: {ولنجزينَّهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون}، فاختص هذا بأجر الآخرة بالقرينة بخلاف نظيره المتقدّم آنفاً فإنه عامّ في الجَزاءين...
التيسير في أحاديث التفسير للمكي الناصري 1415 هـ :
و "العمل الصالح ": هو العمل المشروع الملائم للتوجيهات الإلهية، والمحقق لمقاصد الشريعة وأهدافها، مبشرا كل من سلك في حياته هذا المسلك من ذكر وأنثى بالحياة الطيبة في الدنيا، والجزاء الحسن في الآخرة... وقوله تعالى: {وهو مؤمن}، الذي توسط هذه الآية بين العمل الصالح والجزاء عليه، إشارة إلى أن: "الإيمان "أمر أساسي بالنسبة للجزاء الكامل على العمل الصالح؛ لأنه هو الذي يعطي للعمل الصالح طابعه الخاص، وهو الذي يحمل عامله على أن يجعل هدفه الوحيد من عمله ابتغاء مرضاة الله دون سواه، وبدون الإيمان بالله لا يتمحض هذا الغرض، ولا يكون العمل الصالح مظهرا من مظاهر الطاعة والعبادة...
الحق تبارك وتعالى يعطينا قضية عامة، هي قضية المساواة بين الرجل والمرأة، فالعهود كانت عادة تقع بين الرجال، وليس للمرأة تدخل في إعطاء العهود، حتى إنها لما دخلت في عهد مع النبي صلى الله عليه وسلم يوم بيعة العقبة جعل واحداً من الصحابة يبايع النساء نيابة عنه. إذن: المرأة بعيدة عن هذا المعترك نظراً لأن هذا من خصائص الرجال عادةً، أراد سبحانه أن يقول لنا: نحن لا نمنع أن يكون للأنثى عمل صالح. ولا تظن أن المسألة منسحبة على الرجال دون النساء، فالعمل الصالح مقبول من الذكر والأنثى على حدً سواء، شريطة أن يتوفر له الإيمان،... ولذلك نرى كثيراً من الناس الذين يقدمون أعمالاً صالحة، ويخدمون البشرية بالاختراعات والاكتشافات، ويداوون المرضى، ويبنون المستشفيات والمدارس، ولكن لا يتوفر لهم شرط الإيمان بالله. فنرى الحق تبارك وتعالى لا يبخس هؤلاء حقهم، ولكن يعجله لهم في الدنيا؛ لأنه لا حظ لهم في أجر الآخرة، يقول تعالى: {من كان يريد حرث الآخرة نزد له في حرثه ومن كان يريد حرث الدنيا نؤته منها وما له في الآخرة من نصيب "20 "} (سورة الشورى)...
وهذا كله خاص بأمور الدنيا، فالذي يحسن شيئاً ينال ثمرته، لكن في جزاء الآخرة نقول لهؤلاء: لا حظ لكم اليوم، وخذوا أجركم ممن عملتم له فقد عملتم الخير للإنسانية للشهرة وخلود الذكر، وقد أخذتم ذلك في الدنيا فقد خلدوا ذكراكم، ورفعوا شأنكم، وصنعوا لكم التماثيل، ولم يبخسوكم حقكم في الشهرة والتكريم. ويوم القيامة يواجههم الحق سبحانه وتعالى: فعلتم ليقال.. وقد قيل، فاذهبوا وخذوا ممن عملتم لهم. هؤلاء الذين قال الله في حقهم: {والذين كفروا أعمالهم كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئا ووجد الله عنده فوفاه حسابه والله سريع الحساب "39 "} (سورة النور)...