تيسير التفسير لإبراهيم القطان - إبراهيم القطان [إخفاء]  
{وَلَوۡ أَنَّا كَتَبۡنَا عَلَيۡهِمۡ أَنِ ٱقۡتُلُوٓاْ أَنفُسَكُمۡ أَوِ ٱخۡرُجُواْ مِن دِيَٰرِكُم مَّا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٞ مِّنۡهُمۡۖ وَلَوۡ أَنَّهُمۡ فَعَلُواْ مَا يُوعَظُونَ بِهِۦ لَكَانَ خَيۡرٗا لَّهُمۡ وَأَشَدَّ تَثۡبِيتٗا} (66)

كتبنا : فرضنا .

التثبيت : التقوية ، جعل الشيء راسخاً ثابتاً .

ولو أنّا فرضنا على هؤلاء الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أُنزل إليك والمحتكمين إلى الطاغوت أن يقتلوا أنفسهم وأمرناهم بذلك ، أو أن يخرجوا من ديارهم- ما فعلوه ، إلا نفر قليل منهم هم المؤمنون حقا . والمقصودُ بذلك المنافقون ، وترغيبهم في الإخلاص ، وترك النفاق .

وهو يعني أننا لو شدّدنا التكاليف على الناس ، كأن نأمرهم بقتل أنفسهم ، أو الخروج عن أوطانهم لصعُب ذلك عليهم . ولما فعله إلا الأقلون . وحينئذ يظهر كفرهم وعنادهم . فلما لم نفعل ذلك ، رحمةً منا بعبادنا ، واكتفينا بتكليفهم ما يطيقون- كان عليهم أن يقبلوهُ ويتركوا التمرد والعناد ، حتى ينالوا خير الدارين .

روى الطبري في تفسيره قال : قال رجل من الصحابة لما نزلت هذه الآية : لو أمَرَنا لفعلْنا ، والحمد الله الذي عافانا . فبلغ ذلك النبيَّ الكريم ، فقال : «إن من أُمتي لرجالاً ، الإيمان أَثبتُ في قلوبهم من الجبال الرواسي » .

قراءات :

قرأ ابن عامر وحده «إلا قليلا » بالنصب ، وقرأ ابن كثير ونافع وابن عامر والكسائي «أن اقتلوا » بضم النون . «أو اخرجوا » بضم الواو . وقرأ عاصم وحمزة «أن اقتلوا أنفسكم أو اخرجوا » بكسر النون والواو ، على الأصل بالتقاء الساكنين . وقرأ أبو عمرو ويعقوب «أن اقتلوا » بكسر النون «أو اخرجوا

بضم الواو » .

 
روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{وَلَوۡ أَنَّا كَتَبۡنَا عَلَيۡهِمۡ أَنِ ٱقۡتُلُوٓاْ أَنفُسَكُمۡ أَوِ ٱخۡرُجُواْ مِن دِيَٰرِكُم مَّا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٞ مِّنۡهُمۡۖ وَلَوۡ أَنَّهُمۡ فَعَلُواْ مَا يُوعَظُونَ بِهِۦ لَكَانَ خَيۡرٗا لَّهُمۡ وَأَشَدَّ تَثۡبِيتٗا} (66)

{ وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ } أي فرضنا وأوجبنا { أَنِ اقتلوا أَنفُسَكُمْ } أي كما أمرنا بني إسرائيل وتفسير ذلك بالتعرض له بالجهاد بعيد { أَوِ اخرجوا مِن دياركم } كما أمرنا بني إسرائيل أيضاً بالخروج من مصر . والمراد إنما كتبنا عليهم إطاعة الرسول والانقياد لحكمه والرضا به ولو كتبنا عليهم القتل والخروج من الديار كما كتبنا ذلك على غيرهم { مَّا فَعَلُوهُ إِلاَّ قَلِيلٌ مّنْهُمْ } وهم المخلصون من المؤمنين كأبي بكر رضي الله تعالى عنه . فقد أخرج ابن أبي حاتم عن عامر بن عبد الله بن الزبير قال : «لما نزلت هذه الآية قال أبو بكر يا رسول الله لو أمرتني أن أقتل نفسي لفعلت فقال : صدقت يا أبا بكر » وكعبد الله بن رواحة ، فقد أخرج عن شريح بن عبيد «أنها لما نزلت أشار صلى الله عليه وسلم إليه بيده فقال : لو أن الله تعالى كتب ذلك لكان هذا من أولئك القليل » ، وكابن أم عبد ، فقد أخرج عن سفيان «أن النبي صلى الله عليه وسلم قال فيه لو نزلت كان منهم » ، وأخرج عن الحسن قال : «لما نزلت هذه الآية قال أناس من الصحابة : لو فعل ربنا لفعلنا فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فقال : " للإيمان أثبت في قلوب أهله من الجبال الرواسي " وروي أن عمر رضي الله تعالى عنه قال : «والله لو أمرنا لفعلنا فالحمد لله الذي عافانا فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فقال : " إن من أمتي لرجالا الإيمان أثبت في قلوبهم من الجبال الرواسي "

وفي بعض الآثار أن الزبير وصاحبه لما خرجا بعد الحكم من رسول الله صلى الله عليه وسلم مرا على المقداد فقال : لمن القضاء ؟ فقال الأنصاري : لابن عمته ولوى شدقه ففطن يهودي كان مع المقداد فقال : قاتل الله تعالى هؤلاء يشهدون أنه رسول الله ويتهمونه في قضاء يقضى بينهم وأيم الله تعالى لقد أذنبنا ذنباً مرة في حياة موسى عليه السلام فدعانا إلى التوبة منه ، وقال : اقتلوا أنفسكم ففعلنا فبلغ قتلانا سبعين ألفاً في طاعة ربنا حتى رضي عنا ؛ فقال ثابت بن قيس : أما والله إن الله تعالى ليعلم مني الصدق لو أمرني محمد صلى الله عليه وسلم أن أقتل نفسي لقتلتها ، وروي أن قائل ذلك هو وابن مسعود وعمار بن ياسر ، وأنه بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم عنهم فقال : " والذي نفسي بيده إن من أمتي رجالاً الإيمان في قلوبهم أثبت من الجبال الرواسي وإن الآية نزلت فيهم " ، وفي رواية البغوي الاقتصار على ثابت بن قيس ، وعلى هذا الأثر وجه مناسبة ذكر هذه الآية مما لا يخفى ، وكأنه لذلك قال صاحب «الكشاف » في معناها : «لو أوجبنا عليهم مثل ما أوجبنا على بني إسرائيل من قتلهم أنفسهم ، أو خروجهم من ديارهم حين استتيبوا من عبادة العجل ما فعلوه إلا قليل » ، وقال بعضهم : إن المراد أننا قد حففنا عليهم حيث اكتفينا منهم في توبتهم بتحكيمك والتسليم له ولو جعلنا توبتهم كتوبة بني إسرائيل لم يتوبوا ، والذي يفهم من فحوى الأخبار المعول عليها أن هذه الكتابة لا تعلق لها بالاستتابة ، ولعل المراد من ذكر ذلك مجرد التنبيه على قصور كثير من الناس ووهن إسلامهم إثر بيان أنه لا يتم إيمانهم إلا بأن يسلموا حق التسليم ، وظاهر ما ذكره الزمخشري من أن بني إسرائيل أمروا بالخروج حين استتيبوا مما لا يكاد يصح إذا أريد بالديار الديار المصرية لأن الاستتابة من عبادة العجل إنما كانت بعد الخروج منها وبعد انفلاق البحر وهذا مما لا امتراء فيه على أنا لا نسلم أنهم أمروا بالخروج استتابة في وقت من الأوقات ، وحمل الذلة على الخروج من الديار لأن ذل الغربة مثل مضروب في قوله تعالى :

{ إِنَّ الذين اتخذوا العجل سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ مّن رَّبّهِمْ وَذِلَّةٌ } [ الأعراف : 152 ] لا يفيد إذ الآية لا تدل على الأمر به والنزاع فيه على أن في كون هذه الآية في التائبين من عبادة العجل نزاعاً ، وقد حقق بعض المحققين أنها في المصرين المستمرين على عبادته كما ستعلمه إن شاء الله تعالى ؛ والعجب من صاحب «الكشف » كيف لم يتعقب كلام صاحب «الكشاف » بأكثر من أنه ليس منصوصاً في القرآن ، ثم نقل كلامه في الآية .

هذا والكلام في { لَوْ } هنا أشهر من نار على علم ، وحقها كما قالوا : أن يليها فعل ، ومن هنا قال الطبرسي : «التقدير لو وقع كتبنا عليهم » ، وقال الزجاج : إنها وإن كان حقها ذلك إلا أن إن الشديدة تقع بعدها لأنها تنوب عن الاسم والخبر فنقول ظننت أنك عالم كما تقول : ظننتك عالماً أي ظننت علمك ثابتاً فهي هنا نائبة عن الفعل والاسم كما أنها هناك نائبة عن الاسم والخبر ، وضمير الجمع في { عَلَيْهِمْ } وما بعده قيل : للمنافقين ونسب إلى ابن عباس ومجاهد ، واعترض بأن فعل القليل منهم غير متصور إذ هم المنافقون الذين لا تطيب أنفسهم بما دون القتل بمراتب ، وكل شيء دون المنية سهل ، فكيف تطيب بالقتل ويمتثلون الأمر به ؟ وأجيب بأن المراد لو كتبنا على المنافقين ذلك ما فعله إلا قليل منهم رياءاً وسمعة وحينئذٍ يصعب الأمر عليهم وينكشف كفرهم ، فإذ لم نفعل بهم ذلك بل كلفناهم الأشياء السهلة فليتركوا النفاق وليلزموا الإخلاص ، ونسب ذلك للبلخي .

ولا يخفى أن قوله صلى الله عليه وسلم في عبد الله بن رواحة :

«لو أن الله تعالى كتب ذلك لكان منهم » وكذا غيره من الأخبار السالفة تأبى هذا التوجيه غاية الإباء لأنها مسوقة للمدح ، ولا مدح في كون أولئك المذكورين من القليل الذين يمتثلون الأمر رياءاً وسمعة بل ذلك غاية في الذم لهم وحاشاهم ، وقيل : للناس مطلقاً ، والقلة إضافية لأن المراد بالقليل المؤمنون وهم وإن كثروا قليلون بالنسبة إلى من عداهم من المنافقين ، والكفرة المتمردين { وَمَا أَكْثَرُ الناس وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ } [ يوسف : 103 ] وحينئذٍ لا يرد أنه يلزم من الآية كون بني إسرائيل أقوى إيماناً من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث امتثلوا أمر الله تعالى لهم بقتل أنفسهم حتى بلغ قتلاهم سبعين ألفاً ، ولا يمتثله لو كان من الصدر الأول إلا قليل ومن الناس من جعل الآية بياناً لكمال اللطف بهذه الأمة حيث إنه لا يقبل القتل منهم إلا القليل لأن الله تعالى يعفو عنهم بقتل قليل ولا يدعهم أن يقتل الكثير كبني إسرائيل إلا أنهم لا يفعلون كما فعل بنو إسرائيل لقلة المخلصين فيهم وكثرة المخلصين في بني إسرائيل ليلزم التفضيل . وقيل : يحتمل أن يكون قتل كثير من بني إسرائيل لأنهم لو لم ينقادوا لأهلكهم عذاب الله تعالى ، وهذه الأمة مأمونون إلى يوم القيامة فلا يقدمون كما أقدموا لعدم خوف الاستئصال لا لأنهم دون ، وأن بني إسرائيل أقوى منهم إيماناً ، وأنت تعلم أن الآية بمراحل عن إفادتها كمال اللطف ، والسباق والسياق لا يشعران به أصلاً ، وأن خوف الاستئصال وعدمه مما لا يكاد يخطر ببال كما لا يخفى على من عرف الرجال بالحق لا الحق بالرجال ، والضمير المنصوب في { فَعَلُوهُ } للمكتوب الشامل للقتل والخروج لدلالة الفعل عليه ، أو هو عائد على القتل والخروج وللعطف بأو لزم توحيد الضمير لأنه عائد لأحد الأمرين ، وقول الإمام الرازي : إن الضمير عائد إليهما معاً بالتأويل تنبو عنه الصناعة ، و { قَلِيلٌ } لكون الكلام غير موجب بدل من الضمير المرفوع في { فَعَلُوهُ } ، وقرأ ابن عامر { إِلاَّ قَلِيلاً } بالنصب وجعله غير واحد على أنه صفة لمصدر محذوف ، والاستثناء مفرغ أي ما فعلوه إلا فعلاً قليلاً ، و من في { مِنْهُمْ } حينئذٍ للابتداء على نحو ما ضربته إلا ضرباً منك مبرحاً ، وقال الطيبي : إنها بيان للضمير في فعلوا كقوله تعالى : { لَيَمَسَّنَّ الذين كَفَرُواْ مِنْهُمْ } [ المائدة : 73 ] على التجريد وليس بشيء ، وكأن الذي دعاهم إلى هذا والعدول عن القول بنصبه على الاستثناء أن النصب عليه في غير الموجب غير مختار ، فلا يحمل القرآن عليه كما يشير إليه كلام الزجاج حيث قال : النصب جائز في غير القرآن لكن قال ابن الحاجب : لا بعد في أن يكون أقل القراء على الوجه الأقوى ، وأكثرهم على الوجه الذي هو دونه بل التزم بعض الناس أنه يجوز أن يجمع القراء غير الأقوى وحققه الحمصي ، وقيل : بل يكون إجماعهم دليلاً على أن ذلك هو القوي لأنهم هم المتفننون الآخذون عن مشكاة النبوة ، وأن تعليل النحاة غير ملتفت إليه .

ورجح بعضهم أيضاً النصب على الاستثناء هنا بأن فيه توافق القراءتين معنى وهو مما يهتم به ، وبأن توجيه الكلام على غيره لا يخلو عن تكلف ودغدغة ، وقرأ أبو عمرو ويعقوب أن اقتلوا بكسر النون على الأصل في التخلص من الساكنين ، و { أَوِ اخرجوا } بضم الواو للاتباع ، والتشبيه بواو الجمع في نحو { وَلاَ تَنسَوُاْ الفضل بَيْنَكُمْ } [ البقرة : 237 ] ، وقرأ حمزة وعاصم بكسرهما على الأصل ، والباقون بضمهما وهو ظاهر ، و { إن } كيفما كانت نونها إما مفسرة لأنا كتبنا في معنى أمرنا ولا يضر تعديه بعلى لأنه لم يخرج عن معناه ، ولو خرج فتعديه باعتبار معناه الأصلي جائز كما في نطقت الحال بكذا حيث تعدى الفعل بالباء مع أنهم قدير يدون به دل وهو يتعدى بعلى . وإن أبيت هذا ولا أظن قلنا : إنه بمعنى أو حيناً وإما مصدرية وهو الظاهر ولا يضر زوال الأمر بالسبك لأنه أمر تقديري .

{ وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُواْ مَا يُوعَظُونَ بِهِ } أي ما يؤمرون به مقروناً بالوعد والوعيد من متابعة الرسول صلى الله عليه وسلم والانقياد إلى حكمه ظاهراً وباطناً { لَكَانَ } فعلهم ذلك { خَيْراً لَّهُمْ } عاجلاً وآجلاً { وَأَشَدَّ تَثْبِيتاً } لهم على الحق والصواب وأمنع لهم من الضلال وأبعد من الشبهات كما قال سبحانه : { والذين اهتدوا زَادَهُمْ هُدًى } [ محمد : 17 ] ، وقيل : معناه أكثر انتفاعاً لأن الانتفاع بالحق يدوم ولا يبطل لاتصاله بثواب الآخرة ، والانتفاع بالباطل يبطل ويضمحل ويتصل بعقاب الآخرة .

( هذا ومن باب الإشارة ) :{ وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقتلوا أَنفُسَكُمْ } بسيف المجاهدة لتحيى حياة طيبة { أَوِ اخرجوا مِن دياركم } وهي الملاذ التي ركنتم إليها وخيمتم فيها وعكفتم عليها ، أو لو فرضنا عليهم أن اقمعوا الهوى أو اخرجوا من مقاماتكم التي حجبتم بها عن التوحيد الصرف كالصبر والتوكل مثلاً { مَّا فَعَلُوهُ إِلاَّ قَلِيلٌ مّنْهُمْ } وهم أهل التوفيق والهمم العالية ، وأيد الاحتمال الثاني بما حكي عن بعض العارفين أنه سئل إبراهيم بن أدهم عن حاله فقال إبراهيم : أدور في الصحاري وأطوف في البراري حيث لا ماء ولا شجر ولا روض ولا مطر فهل يصح حالي في التوكل فقال له : إذا أفنيت عمرك في عمران باطنك فأين الفناء في التوحيد » { وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُواْ مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْراً لَّهُمْ } لما فيه من الحياة الطيبة { وَأَشَدَّ تَثْبِيتاً } [ النساء : 66 ] بالاستقامة بالدين

 
الجامع التاريخي لبيان القرآن الكريم - مركز مبدع [إخفاء]  
{وَلَوۡ أَنَّا كَتَبۡنَا عَلَيۡهِمۡ أَنِ ٱقۡتُلُوٓاْ أَنفُسَكُمۡ أَوِ ٱخۡرُجُواْ مِن دِيَٰرِكُم مَّا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٞ مِّنۡهُمۡۖ وَلَوۡ أَنَّهُمۡ فَعَلُواْ مَا يُوعَظُونَ بِهِۦ لَكَانَ خَيۡرٗا لَّهُمۡ وَأَشَدَّ تَثۡبِيتٗا} (66)

تفسير مقاتل بن سليمان 150 هـ :

{ولو أنا كتبنا}: لو أنا فرضنا {عليهم أن اقتلوا أنفسكم أو اخرجوا من دياركم ما فعلوه إلا قليل منهم}.

{ولو أنهم فعلوا ما يوعظون به} من القرآن، {لكان خيرا لهم} في دينهم، {وأشد تثبيتا} يعني تصديقا في أمر الله عز وجل...

جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :

{وَلَوْ أنّا كَتَبْنا عَلَيْكُمْ أن اقْتُلُوا أنْفُسَكُمْ}: ولو أنا فرضنا على هؤلاء الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك المحتكمين إلى الطاغوت أن يقتلوا أنفسهم، وأمرناهم بذلك، أو أن يخرجوا من ديارهم مهاجرين منها إلى دار أخرى سواها ما فعلوه، يقول: ما قتلوا أنفسهم بأيديهم، ولا هاجروا من ديارهم فيخرجوا عنها إلى الله ورسوله طاعة لله ولرسوله، إلا قليل منهم.

{وَلَوْ أنّهُمْ فَعَلُوا ما يُوعَظُونَ بِهِ لَكانَ خَيْرا لَهُمْ وأشَدّ تَثْبِيتا}: ولو أن هؤلاء المنافقين الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك وهم يتحاكمون إلى الطاغوت، ويصدّون عنك صدودا، {فَعَلُوا ما يُوعَظُونَ بِهِ}: ما يذكرون به من طاعة الله والانتهاء إلى أمره، {لَكَانَ خَيْرا لهم} في عاجل دنياهم وآجل معادهم، {وأشَدّ تَثْبِيتا} وأثبت لهم في أمورهم، وأقوم لهم عليها. وذلك أن المنافق يعمل على شكّ، فعمله يذهب باطلاً، وغناؤه يضمحلّ فيصير هباء، وهو بشكه يعمل على وناء وضعف، ولو عمل على بصيرة لاكتسب بعمله أجرا ولكان له عند الله ذخرا وكان على عمله الذي يعمل أقوى لنفسه وأشدّ تثبيتا لإيمانه بوعد الله على طاعته وعمله الذي يعمله. ولذلك قال من قال: معنى قوله: {وأشَدّ تَثْبِيتا}: تصديقا.

التبيان في تفسير القرآن للطوسي 460 هـ :

قال البلخي: معنى الآية أنه لو فرض الله عليهم قتل أنفسهم كما فرض على قوم موسى عندما التمسوا أن يتوب عليهم أو الخروج من ديارهم ما فعلوه. فإذا لم يفرض عليهم ذلك، فليفعلوا ما أمروا به مما هو أسهل عليهم منه، فإن ذلك خير لهم وأشد تثبيتا لهم على الإيمان.

الكشاف عن حقائق التنزيل للزمخشري 538 هـ :

{وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقتلوا أَنفُسَكُمْ} أي لو أوجبنا عليهم مثل ما أوجبنا على بني إسرائيل من قتلهم أنفسهم، أو خروجهم من ديارهم حين استتيبوا من عبادة العجل {مَّا فَعَلُوهُ إِلاَّ} ناس {قَلِيلٌ مّنْهُمْ} وهذا توبيخ عظيم...

مفاتيح الغيب للرازي 606 هـ :

اعلم أن هذه الآية متصلة بما تقدم من أمر المنافقين وترغيبهم في الإخلاص وترك النفاق، والمعنى أنا لو شددنا التكليف على الناس، نحو أن نأمرهم بالقتل والخروج عن الأوطان لصعب ذلك عليهم ولما فعله إلا الأقلون، وحينئذ يظهر كفرهم وعنادهم، فلما لم نفعل ذلك رحمة منا على عبادنا بل اكتفينا بتكليفهم في الأمور السهلة، فليقبلوها بالإخلاص وليتركوا التمرد والعناد حتى ينالوا خير الدارين،... اعلم أن المراد من قوله: {ولو أنهم فعلوا ما يوعظون به} أنهم لو فعلوا ما كلفوا به وأمروا به، وإنما سمي هذا التكليف والأمر وعظا لأن تكاليف الله تعالى مقرونة بالوعد والوعيد، والترغيب والترهيب، والثواب والعقاب، وما كان كذلك فإنه يسمى وعظا...

ثم إنه تعالى بين أنهم لو التزموا هذه التكاليف لحصلت لهم أنواع من المنافع: فالنوع الأول: قوله: {لكان خيرا لهم} فيحتمل أن يكون المعنى أنه يحصل لهم خير الدنيا والآخرة، ويحتمل أن يكون المعنى المبالغة والترجيح، وهو أن ذلك أنفع لهم وأفضل من غيره، لأن قولنا: «خير» يستعمل على الوجهين جميعا.

النوع الثاني: قوله: {وأشد تثبيتا} وفيه وجوه:

الأول: أن المراد أن هذا أقرب إلى ثباتهم عليه واستمرارهم، لأن الطاعة تدعو إلى أمثالها، والواقع منها في وقت يدعو إلى المواظبة عليه.

الثاني: أن يكون أثبت وأبقى لأنه حق والحق ثابت باق، والباطل زائل.

الثالث: أن الإنسان يطلب أولا تحصيل الخير، فإذا حصله فإنه يطلب أن يصير ذلك الحاصل باقيا ثابتا، فقوله: {لكان خيرا لهم} إشارة إلى الحالة الأولى، وقوله: {وأشد تثبيتا} إشارة إلى الحالة الثانية...

نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي 885 هـ :

لما كان التقدير: فقد كتبنا عليهم طاعتك والتسيم لك في هذه الحنيفية السمحة التي دعوتهم إليها وحملتهم عليها، عطف عليه قوله: {ولو أنا كتبنا عليهم} أي هذا المخاصم للزبير رضي الله تعالى عنه وأشباه هذا المخاصم ممن ضعف إيمانه كتابة مفروضة {إن اقتلوا أنفسكم} أي كما كان في التوراة في كفارة بعض الذنوب مباشرة حقيقة، وكما فعل المهاجرون بتعريض أنفسهم لذلك ثلاث عشرة سنة، هم فيها عند أعداء الله مضغة لحم بين يدي نسور يتخاطفونها {أو اخرجوا} كما فعل المهاجرون -رضي الله تعالى عنهم- الذين الزبير من رؤوسهم {من دياركم} أي التي هي لأشباحكم كأشباحكم لأرواحكم -توبة لربكم {ما فعلوه} أي لقصور إيمانهم وضعف إيقانهم، ولو كتبناه عليهم ولم يرضوا به كفروا، فاستحقوا القتل.

ولما كان كل كدر لا يخلو عن خلاصه، قال: {إلا قليل منهم} أي وهم العالمون بأن الله سبحانه وتعالى خير لهم من أنفسهم، وأن حياتهم إنما هي في طاعته؛ روي أن من هؤلاء ثابت بن قيس بن شماس رضي الله تعالى عنه، قال: أما والله! إن الله ليعلم مني الصدق، لو أمرني محمد أن أقتل نفسي لقتلها! وكذا قال ابن مسعود وعمار ابن ياسر رضي الله عنهما، وروي عن عمر رضي الله عنه أنه قال: والله لو أمرنا ربنا لفعلنا! والحمد الله الذي لم يفعل بنا ذلك. ولا ريب في أن التقدير: ولكنا لم نكتب عليهم فليشكروا لنا ويستمسكوا بهذه الحنيفية السمحة.

ولما كان مبنى السورة على الائتلاف وكان السياق للاستعطاف، قال مرغباً: {ولو أنهم} أي هؤلاء المنافقين {فعلوا ما يوعظون} أي يجدد لهم الوعظ في كل حين {به لكان} أي فعلهم ذلك {خيراً لهم} أي مما اختاروه لأنفسهم {وأشد تثبيتاً} أي مما ثبتوا به أنفسهم بالأيمان الحانثة.

تفسير المنار لرشيد رضا 1354 هـ :

الكلام متصل بما سبق والسياق لم ينته، والمروي عن ابن عباس ومجاهد أن قوله تعالى: {ولو أنا كتبنا عليهم أن اقتلوا أنفسكم أو اخرجوا من دياركم} عائد للمنافقين الذين سبق القول فيهم ومن كان مثلهم فله حكمهم، إذ الأحكام ليست منوطة بذوات المكلفين وشخوصهم بل بصفاتهم وأعمالهم، أي لو أمرناهم بقتل أنفسهم أي بتعريضها للقتل المحقق أو المظنون ظنا راجحا، وقيل قتلها هو الانتحار كما قيل مثل هذا في أمر بني إسرائيل بقتل أنفسهم توبة إلى ربهم من عبادة العجل. أو قلنا لهم اخرجوا من دياركم أي أوطانكم وهاجروا إلى بلاد أخرى {ما فعلوه} أي المأمور به من القتل والهجرة من الوطن {إلا قليل منهم}... بين الله تعالى لنا أن المؤمن الصادق هو من يطيع الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم في المنشط والمكره والسهل والشاق، ولو قتل النفس والخروج من الدار، وهما متقاربان لأن الجسم دار الروح والوطن دار الجسم، وأن المنافق هو من يعبد الله على حرف واحد وهو ما يوافق هواه وغرضه فإن أصابه خير اطمأن به وإن أصابته فتنة انقلب على وجهه خسر الدنيا والآخرة، وأنه قلما يوجد في أولئك المنافقين من يصبر على نار الفتنة رياء وتقية فيطيع فيما يكتب عليه ولو كان التعرض للقتل، والجلاء عن الوطن والأهل...

والوطن دار الجسم، وأن المنافق هو من يعبد الله على حرف واحد وهو ما يوافق هواه وغرضه فإن أصابه خير اطمأن به وإن أصابته فتنة انقلب على وجهه خسر الدنيا والآخرة، وأنه قلما يوجد في أولئك المنافقين من يصبر على نار الفتنة رياء وتقية فيطيع فيما يكتب عليه ولو كان التعرض للقتل، والجلاء عن الوطن والأهل. وقيل إن الكلام في جملة المكلفين من الناس، والمعنى أن الإنسان خلق ضعيفا كما تقدم في آية (27) من هذه السورة، فلو كتبنا عليهم ما يشق احتماله كقتل الأنفس والخروج من الوطن لعصى الكثير منهم، ولم يطع إلا القليل وهم أصحاب العزائم القوية الذين يؤثرون رضوان الله على حظوظهم وشهواتهم، ولكننا لم نكتب عليهم ذلك كما كتبناه على بني إسرائيل من قبلهم، بل أرسلنا خاتم رسلنا بالحنيفية السمحة، التي تجمع لهم بين حسنة الدنيا وحسنة الآخرة، فلا عذر لهم بالضعف البشري إن عصوا الرسول، واتبعوا الطاغوت، وإنما ظلموا بذلك أنفسهم.

{ولو أنهم فعلوا ما يوعظون به} من الأوامر والنواهي المقرونة بحكمها وبيان فائدتها، والوعد والوعيد لمن عمل بها ومن صد عنها، {لكان خيرا لهم} في حفظ مصالحهم، واعتزاز أنفسهم بارتقاء أمتهم، وفي عاقبة أمرهم وآخرتهم، {وأشد تثبيتا} لهم في أمر دينهم. التثبيت: التقوية بجعل الشيء ثابتا راسخا، وإنما كان العمل وإتيان الأمور الموعوظ بها في الدين يزيد العامل قوة وثباتا لأن الأعمال هي التي يكون بها العلم الإجمالي المبهم تفصيليا جليا، وهي التي تطبع الأخلاق والملكات في نفس العامل، وتبدد المخاوف والأوهام من نفسه، مثال ذلك: أن بذل المال في سبيل الله تعالى بأعمال البر آية من أقوى آيات الإيمان، وقربة من أكبر أسباب السعادة والرضوان، فمن آمن بذلك ولم يعمل به لا يكون علمه بمنافعه وفوائده له وللأمة والملة إلا ناقصا، وكلما اعتنّ له سبب من أسباب البذل، تحداه في نفسه طائفة من أسباب الإمساك والبخل، كالخوف من الفقر والإملاق، أو نقصان ماله عن مال بعض الأقران، أو تعليل النفس بادخار ما احتيج إلى بذله الآن، ليوضع فيما هو خير وأنفع في مستقبل الزمان، فإذا هو اعتاد البذل صار السخاء خلقا له، لا يثنيه عنه وسواس ولا خوف، واتسعت معرفته بطرق منافعه، ووضع المال في خير مواضعه...

وقيل إن الكلام في جملة المكلفين من الناس، والمعنى أن الإنسان خلق ضعيفا كما تقدم في آية (27) من هذه السورة، فلو كتبنا عليهم ما يشق احتماله كقتل الأنفس والخروج من الوطن لعصى الكثير منهم، ولم يطع إلا القليل وهم أصحاب العزائم القوية الذين يؤثرون رضوان الله على حظوظهم وشهواتهم، ولكننا لم نكتب عليهم ذلك كما كتبناه على بني إسرائيل من قبلهم، بل أرسلنا خاتم رسلنا بالحنيفية السمحة، التي تجمع لهم بين حسنة الدنيا وحسنة الآخرة، فلا عذر لهم بالضعف البشري إن عصوا الرسول، واتبعوا الطاغوت، وإنما ظلموا بذلك أنفسهم...

تيسير الكريم المنان في تفسير القرآن لابن سعدي 1376 هـ :

يخبر تعالى أنه لو كتب على عباده الأوامر الشاقة على النفوس من قتل النفوس والخروج من الديار لم يفعله إلا القليل منهم والنادر، فليحمدوا ربهم وليشكروه على تيسير ما أمرهم به من الأوامر التي تسهل على كل أحد، ولا يشق فعلها، وفي هذا إشارة إلى أنه ينبغي أن يلحظ العبد ضد ما هو فيه من المكروهات، لتخف عليه العبادات، ويزداد حمدًا وشكرًا لربه...

في ظلال القرآن لسيد قطب 1387 هـ :

وبعد أن يقرر أن لا إيمان قبل تحكيم رسول الله صلى الله عليه وسلم وقبل الرضى والتسليم بقضائه، يعود ليقول: إن هذا المنهج الذي يدعون إليه؛ وهذه الشريعة التي يقال لهم: تحاكموا إليها -لا لسواها- وهذا القضاء الذي يتحتم عليهم قبوله والرضاء به... إنه منهج ميسر، وشريعة سمحة، وقضاء رحيم.. إنه لا يكلفهم شيئا فوق طاقتهم؛ ولا يكلفهم عنتا يشق عليهم؛ ولا يكلفهم التضحية بعزيز عليهم.. فالله يعلم ضعف الإنسان؛ ويرحم هذا الضعف. والله يعلم أنهم لو كلفوا تكاليف شاقة، ما أداها إلا قليل منهم.. وهو لا يريد لهم العنت، ولا يريد لهم أن يقعوا في المعصية.. ومن ثم لم يكتب عليهم ما يشق، وما يدعو الكثيرين منهم للتقصير والمعصية. ولو أنهم استجابوا للتكاليف اليسيرة التي كتبها الله عليهم؛ واستمعوا للموعظة التي يعظهم الله بها؛ لنالوا خيرا عظيما في الدنيا والآخرة؛ ولأعانهم الله بالهدى، كما يعين كل من يجاهد للهدى بالعزم والقصد والعمل والإرادة، في حدود الطاقة: (ولو أنا كتبنا عليهم أن اقتلوا أنفسكم، أو اخرجوا من دياركم ما فعلوه -إلا قليل منهم- ولو أنهم فعلوا ما يوعظون به، لكان خيرا لهم وأشد تثبيتا؛ وإذا لآتيناهم من لدنا أجرا عظيما؛ ولهديناهم صراطا مستقيمًا)...

.