تيسير التفسير لإبراهيم القطان - إبراهيم القطان [إخفاء]  
{قَالَ فَٱهۡبِطۡ مِنۡهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَن تَتَكَبَّرَ فِيهَا فَٱخۡرُجۡ إِنَّكَ مِنَ ٱلصَّـٰغِرِينَ} (13)

الهبوط : الانحدار . اهبط منها : اخرج منها ، كأنه انحدر من أعلى إلى أسفل .

التكبر : الاستعلاء وتقدير الإنسان نفسَه أكثر من اللازم .

الصغار : الذلة .

فجزاه الله على عناده وكيده بطرِده من دار كرامته ، وقال له : اهبط منها بعد أن كنتَ في منزلة عالية .

{ فَمَا يَكُونُ لَكَ أَن تَتَكَبَّرَ فِيهَا } ، أي ليس ينبغي أن تتكبر في هذا المكان المعَدَّ للكرامة والتعظيم ، ثم تعصي ربك فيه . { فاخرج إِنَّكَ مِنَ الصاغرين } أي المحكوم عليهم بالذلة والهوان .

 
روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{قَالَ فَٱهۡبِطۡ مِنۡهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَن تَتَكَبَّرَ فِيهَا فَٱخۡرُجۡ إِنَّكَ مِنَ ٱلصَّـٰغِرِينَ} (13)

{ قَالَ } استئناف كما سلف ، والفاء في قوله تعالى : { فاهبط مِنْهَا } لترتيب الأمر على ما ظهر منه من الباطل ، وضمير { مِنْهَا } قيل للجنة ، وكونه من سكانها مشهور ، والمراد بها عند بعض الجنة التي يسكنها المؤمنون يوم القيامة . وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنها روضة بعدن وفيها خلق آدم عليه السلام وكانت على نشز من الأرض في قول . «وأصل الهبوط الانحدار على سبيل القهر كما في هبوط الحجر . وإذا استعمل في الإنسان ونحوه فعلى سبيل الاستخفاف » كما قال الراغب . ولم يشترط بعضهم فيه سوى الانتقال من شريف إلى ما دونه لقوله تعالى : { اهبطوا مِصْرًا } [ البقرة : 61 ] والأمر عليه واضح وإن لم نقل : إن تلك الجنة كانت على نشز ، وقيل : الضمير لزمرة الملائكة أي اخرج من زمرة الملائكة المعززين ، فإن الخروج من زمرتهم هبوط وأي هبوط . وفي سورة الحجر ( 43 ) { فاخرج مِنْهَا } وقيل : الضمير للسماء ، وإليه ذهب جماعة . ورد بأن وسوسته لآدم عليه السلام كانت بعد هذا الطرد فلا بد أن يحمل على أحد الوجهين السابقين قطعاً ، ويكون وسوسته على الوجه الأول بطريق النداء من باب الجنة كما روي عن الحسن البصري . وأجيب بأنه يحتمل أن يكون المراد من ذلك الجنة أو زمرة الملائكة أيضاً بناء على أن الأولى ومعظم الثانية في السماء أو يقال : إن القصة وقعت في الأرض وكانت الجنة فيها وبعد العصيان حجب اللعين من السماء التي هي مقره ومعبده ، ومعني أمره بالخروج منها أمره بقطع علائقه عنها واتخاذها مأوى له بعد . وهذا كما تقول لمن غصب دارك مثلاً عند نحو القاضي : أخرج من داري مع أنه إذ ذاك ليس فيها تريد لا تدخلها واقطع علائقك عنها .

وقيل : الضمير للأرض . فقد روي أنه أخرج منها إلى الجزائر وأمر أن لا يدخلها إلا خفية ، ويبعده أنه لا يظهر للتخصيص في قوله تعالى : { فَمَا يَكُونُ لَكَ } أي فما يصح ولا يستقيم ولا يليق بشأنك { أَن تَتَكَبَّرَ فِيهَا } على هذا وجه إلا على بعد . وأما على الأوجه السابقة فالوجه ظاهر وهو مزيد شرافة المخرج منه وعلو شأنه وتقدس ساحته . ومن هنا يعلم أنه لا دلالة في الآية على جواز التكبر في غير ذلك عند القائلين بالمفهوم ، والجملة تعليل للأمر بالهبوط ولايخفى لطافة التعبير به دون الخروج في مقابلة قوله : { أَنَاْ خَيْرٌ مّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ } [ الأعراف : 12 ] المشير إلى ارتفاع عنصره وعلو محله ، والتكبر على ما قيل كالكبر وهو الحالة التي يختص بها الشخص من إعجابه بنفسه . وذلك أن يرى نفسه أكبر من غيره وأعظم ، والمراد بالتكبر ههنا إما التكبر على الله تعالى وهو أعظم التكبر ويكون بالامتناع من قبول الحق والإذعان له بالعبادة .

وفسره بعضهم بالمعصية . وإما التكبر على آدم عليه السلام بزعمه أنه خير منه وأكبر قدراً . وقيل : المراد ما هو أعم منه ومن التكبر على الملائكة حيث زعم أن له خصوصية ميزته عليهم وأخرجته من عمومهم وفيه تأمل . وزعم البعض أن في الآية تنبيهاً على أن التكبر لا يليق بأهل الجنة فكما يمنع من القرار فيها يمنع من دخولها بعد ذلك وأنه تعالى إنما طرده لتكبره لا لمجرد عصيانه ، وهو ظاهر على أحد الاحتمالات كما لا يخفى . والظرف إما متعلق بما عنده أو بمحذوف وقع حالاً .

وقوله تعالى : { فاخرج } تأكيد للأمر بالهبوط متفرع عليه . وقوله سبحانه : { إِنَّكَ مِنَ الصاغرين } تعليل للأمر بالخروج مشعر بأنه لتكبره أي إنك من أهل الصغار والهوان على الله تعالى وعلى أوليائه لتكبرك . أخرج البيهقي في «شعب الايمان » عن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " من تواضع لله رفعه الله تعالى ، ومن تكبر وضعه الله عز وجل " ومن حديثه رضي الله تعالى عنه " من تواضع لله تعالى رفع الله تعالى حكمته وقال : انتعش نعشك الله ومن تكبر وعدا طوره وهصه الله تعالى إلى الأرض " وقيل : المراد من الأذلاء في الدنيا بالذم واللعن وفي الآخرة بالعذاب بسبب ما ارتكبه من المعصية والتكبر ، وإذلال الله تعالى المتكبرين يوم القيامة مما نطقت به الأخبار . أخرج الترمذي عن عمرو بن شعيب عن جده أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " يحشر المتكبرون يوم القيامة أمثال الذر في صور الرجال يغشاهم الذل من كل مكان يساقون إلى سجن في جهنم يقال له : بولس يسقون من طينة الخبال عصارة أهل النار " وفسر بعضهم الصاغر بالراضي بالذل كما هو المشهور فيه . والمراد وصفه بأنه خسيس الطبع دنيء وأنه رأى نفسه أكبر من غيره وليس بالكبير . ولقد أبدع أبو نواس بقوله خطاباً له :

سوأة بالعين أنت اختلست الن *** اس غيظاً عليهم أجمعينا

تهت لما أمرت في سالف الده *** ر وفارقت زمرة الساجدينا

عند ما قلت لا أطيق سجودا *** لمثال خلقته رب طينا

حسداً إذ خلقت من مارج الن *** ار لما كان مبتدأ العالمينا

ثم صيرت في القيادة تسعى *** يا مجير الزناة واللائطينا

وله أيضاً من أبيات فيه :

تاه على آدم في سجدة *** وصار قواداً لذريته

( هذا ومن باب الإشارة ) :{ قَالَ فاهبط مِنْهَا } أي من تلك الحضرة { فَمَا يَكُونُ لَكَ أَن تَتَكَبَّرَ فِيهَا } لأن الكبر ينافيها { فاخرج إِنَّكَ مِنَ الصاغرين }

[ الأعراف : 13 ] الأذلاء بالميل إلى مقتضيات النفس

 
الجامع التاريخي لبيان القرآن الكريم - مركز مبدع [إخفاء]  
{قَالَ فَٱهۡبِطۡ مِنۡهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَن تَتَكَبَّرَ فِيهَا فَٱخۡرُجۡ إِنَّكَ مِنَ ٱلصَّـٰغِرِينَ} (13)

جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :

...قال الله لإبليس عند ذلك:"فاهْبِطْ مِنْها" وقد بيّنا معنى الهبوط فيما مضى قبل بما أغنى عن إعادته. "فَمَا يَكُونُ لَكَ أنْ تَتَكَبّرَ فِيها "يقول تعالى ذكره: فقال الله له: اهبط منها يعني: من الجنة، "فما يكون لك"، يقول: فليس لك أن تستكبر في الجنة عن طاعتي وأمري.

فإن قال قائل: هل لأحد أن يتكبر في الجنة؟ قيل: إن معنى ذلك بخلاف ما إليه ذهبتَ، وإنما معنى ذلك: فاهبط من الجنة، فإنه لا يسكن الجنة متكبر عن أمر الله، فأما غيرها فإنه قد يسكنها المستكبر عن أمر الله والمستكين لطاعته.

وقوله: "فاخْرُجْ إنّكَ مِنَ الصّاغِرِينَ" يقول: فاخرج من الجنة إنك من الذين قد نالهم من الله الصغار والذلّ والمهانة...

تأويلات أهل السنة للماتريدي 333 هـ :

{قال فاهبط منها} يعني من السماء؛ لأنه، لعنه الله، كان في السماء، فأمر بالهبوط منها لما جعل السماء معدنا ومكانا للخاضعين المتواضعين، فأمر بالهبوط منها إلى مكان؛ جعل ذلك المكان مكان الخاضعين والمتكبرين جميعا، وهي الأرض؛ إذ الأرض معدن الفريقين جميعا.

{فاخرج إنك من الصاغرين} وجه صغاره أنه ما من أحد ذكره إلا وقد لعنه، ودعا عليه باللعن، فذلك صغاره. وأمكن أن يكون صغاره لما صيّره بحال يغيب عن الأبصار، ولا يقع عليه البصر، أو لما طرده عن رحمة الله.

النكت و العيون للماوردي 450 هـ :

أنه أهبط من المنزلة الرفيعة التي استحقها بطاعة الله إلى المنزلة الدِنيةِ التي استوجبها لمعصيته،

{إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ} فيه وجهان: أحدهما: بالمعصية في الدنيا لأن العاصي ذليل عند من عصاه. والثاني: بالعذاب في الآخرة لأن المعذب ذليل بالعذاب.

التبيان في تفسير القرآن للطوسي 460 هـ :

الهبوط والنزول واحد، وفرق بينهما بأن النزول يقتضي تنزله إلى جهة السفل بمنزلة بعد منزلة، وليس كذلك الهبوط، لأنه كالانحدار في المرور إلى جهة السفل، وكأن الانحدار دفعة واحدة،...

وقوله "فما يكون لك أن تتكبر فيها "معناه ليس لك أن تتكبر فيها، والتكبر: إظهار كبر النفس على جميع الاشياء، فهو في صفة العباد ذم، وفي صفة الله مدح، كما قال تعالى "الجبار المتكبر"، فالجبار القاهر لجميع الاشياء، والمتكبر: الدال بذاته على أنه أكبر من جميع الاشياء...

الكشاف عن حقائق التنزيل للزمخشري 538 هـ :

{إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ}: وذلك أنه لما أظهر الاستكبار ألبِس الصغار.

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز لابن عطية 542 هـ :

وقوله {فما يكون لك} معناه: فما يصح لك ولا يتم، وليس يقتضي هذا اللفظ أن التكبر له في غيرها على ما ذهب إليه بعض المعترضين، تضمنت الآية أن الله أخبر إبليس أن الكبرياء لا يتم له ولا يصح في الجنة مع نهيه له ولغيره عن الكبرياء في كل موضع...

وقوله: {إنك من الصاغرين} حكم عليه بضد المعصية التي عصى بها وهي الكبرياء فعوقب بالحمل عليه بخلاف شهوته وأمله، والصغار الذل، قاله السدي...

نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي 885 هـ :

لما كان هذا أمراً ظاهراً، وكان مجرد التكبر على الله كفراً على أيّ وجه كان، أعرض عن جوابه بغير الطرد الذي معناه نزوله المنزلة الذي موضع ما طلب من علوها فاستأنف قوله {قال} مسبباً عن إبائه قوله: {فاهبط منها} مضمراً للدار التي كان فيها وهي الجنة. فإنها لا تقبل عاصياً، وعبر بالهبوط الذي يلزم منه سقوط المنزلة دون الخروج، لأن مقصود هذه السورة الإنذار وهو أدل عليه، وسبب عن أمره بالهبوط الذي معناه النزول والحدور والانحطاط والنقصان والوقوع في شيء منه... {فما يكون} أي يصح ويتوجه بوجه من الوجوه {لك أن تتكبر} أي تتعمد الكبر وهو الرفعة في الشرف والعظمة والتجبر، ولا مفهوم لقوله {لك} ولا لقوله {فيها} لوجود الصرائح بالمنع من الكبر مطلقاً {إنه لا يحب المستكبرين}، {كذلك يطبع الله على قلب كل متكبر}، {قال الذين استكبروا إنا كل فيها}، وإنما قيد بذلك تهويلاً للأمر، فكأنه قيل: لا ينبغي التكبر إلا لنا، وكلما قرب الشخص من محل القدس الذي هو مكان المطيعين المتواضعين، جل تحريم الكبر عليه "لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال حبة خردل من كبر "رواه مسلم وغيره عن ابن مسعود رضي الله عنه،...

تفسير المنار لرشيد رضا 1354 هـ :

{قَالَ فَاهْبِطْ مِنْهَا} الهبوط الانحدار والسقوط من مكان إلى ما دونه، أو من مكانة ومنزلة إلى ما دونها، فهو حسي ومعنوي، والفاء لترتيب هذا الجزاء على ما ذكر من الذنب قبله...

{فَمَا يَكُونُ لَكَ أَن تَتَكَبَّرَ فِيهَا} أي فما ينبغي لك وليس مما تعطاه من التصرف أن تتكبر في هذا المكان المعد للكرامة، أو في هذه المكانة التي هي منزلة الملائكة لأنها مكانة الامتثال والطاعة. والكبر اسم للتكبر وهو مصدر تكبر أي تكلف أن يجعل نفسه أكبر مما عليه أو أكبر ممن هي في ذاتها أصغر منه، وقد ورد في الحديث الصحيح تفسير الكبر بأنه غمط الحق، أو بطر الحق واحتقار الناس. وهو تفسير له بمظهره العملي الذي يترتب عليه الجزاء وهو أن لا يذعن للحق إذ ظهر له بل يدفعه أو ينكره تجبرا وترفعا، وأن يحتقر غيره بقول أو عمل يدل على عدم الاعتراف له بمزيته وفضله، أو بتنقيص تلك المزية بادعاء أن ما دونها هو فوقها سواء ادعى ذلك لنفسه فرفعها على غيرها بالباطل أو ادعاه لغيره بأن يفضل بعض الناس على بعض بقصد احتقار المفضل عليه وتنقيص قدره.

{فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِين} هذا تأكيد للأمر بالهبوط متفرع عليه. أي فاخرج من هذا المكان أو المكانة. وعلل ذلك بقوله على طريق الاستئناف البياني: {إنك من الصاغرين} أي أولي الذلة والصغار أظهر حقيقتك الامتحان والاختبار الذي يميز بين الأخيار والأشرار، بإظهاره لما كان كامنا في نفسك من عصيان الاستكبار. {ما كان الله ليذر المؤمنين على ما أنتم عليه حتى يميز الخبيث من الطيب} (آل عمران 179) وقال بعضهم إنه تعالى جازاه بضد مراده إذ أراد أن يرفع نفسه عن منزلتها التي كانت فيها، فجوزي بهبوطها منها إلى ما دونها، كما ورد في بعض الأخبار من أن الله تعالى يحشر المتكبرين يوم القيامة بصورة حقيرة يطأهم فيها الناس بأرجلهم، كما أنه يبغضهم إلى الناس في الدنيا فيحتقرونهم ولو في أنفسهم وهذا التوجيه أليق بقول من جعل الأمر للتكليف...

في ظلال القرآن لسيد قطب 1387 هـ :

إن علمه بالله لم ينفعه، واعتقاده بوجوده وصفاته لم ينفعه.. وكذلك كل من يتلقى أمر الله؛ ثم يجعل لنفسه نظراً في هذا الأمر يترتب عليه قبوله أو رفضه؛ وحاكمية في قضية قضى الله فيها من قبل؛ يرد بها قضاء الله في هذه القضية.. إنه الكفر إذن مع العلم ومع الاعتقاد. فإبليس لم يكن ينقصه العلم؛ ولم يكن ينقصه الاعتقاد!

تفسير الشعراوي 1419 هـ :

والهبوط يستدعي الانتقال من منزلة عالية إلى منزلة أقل... {قَالَ فَاهْبِطْ مِنْهَا}: وهذا تنزيل من المكانة لأنه لم يعد أهلا لأن يكون في محضر الملائكة؛ فقد كان في محضر الملائكة؛ لأنه ألزم نفسه بالطاعة، وهو مخلوق على أن يكون مختارا أن يطيع أو أن يعصى، فلما تخلت عنه هذه الصفة لم يعد أهلا لأن يكون في هذا المقام، وذلك أن الملائكة لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون. {قَالَ فَاهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَن تَتَكَبَّرَ.. 13} [سورة الأعراف]: أي ينبغي لك أن تتكبر فيها.

إن امتناعك عن أمر من المعبود وقد وجهه لك وأنت العابد هو لون من الكبرياء على الآمر، والملائكة جماعة لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون، فما دمت أنت أهل استكبار واستعلاء على هذه المكانة فلست أهلا لها، فكأن العمل هو الذي أهّله أن يكون في العلو، فلما زايله وفارقه كان أهلا لأن يكون في الدنو، وهكذا لم يكن الأمر متعلقا بالذاتية، وفي هذا هبوط لقيمة كلامه في أنه من نار وآدم من طين؛ لأن المقياس الذي توزن به الأمور هو مقياس أداء العمل... إذن فالحق يوضح للمخلوقين من العناصر: إياكم أن تفهموا أن تميزكم بعناصركم، إنني أقدر بطلاقة قدرتي أن أجعل الأدنى يتحكم في الأعلى؛ لأنها إرادة من عَنْصر العناصر. {قَالَ فَاهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَن تَتَكَبَّرَ فِيهَا فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ 13} (سورة الأعراف): وكلمة {فاهبط} تشير وتدل على أن الهبوط أمر معنوي، أي أنك لست أهلا لهذه المنزلة ولا لتلك المكانة. هذا ما تدل عليه كلمة {فاهبط}، ثم جاء الأمر بعد ذلك بالخروج من المكان.

والصّغَار هو الذل والهوان؛ لأنه قابل الأمر باستكبار، فلابد أن يجازي بالصّغَار. وبذلك يكون قد عومل بضد مقصده، والمعاملة بضد المقصد لون من التأديب والتهذيب والتعليم...