تيسير التفسير لإبراهيم القطان - إبراهيم القطان [إخفاء]  
{قَالَ فَبِمَآ أَغۡوَيۡتَنِي لَأَقۡعُدَنَّ لَهُمۡ صِرَٰطَكَ ٱلۡمُسۡتَقِيمَ} (16)

أغويتني : حكمت عليَّ بالغواية وهي الضلال .

مذءوماً : مذموماً معيبا مدحورا : مطرودا .

أي : أنني بسبب حكمك عليَّ بالغواية والضلال ، أُقسم أن أقعد لأبناء آدم هذا على صراطك المستقيم ، كي أصرفَهم عنه مُتّخِذاً في ذلك كل وسيلة ممكنة .

 
روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{قَالَ فَبِمَآ أَغۡوَيۡتَنِي لَأَقۡعُدَنَّ لَهُمۡ صِرَٰطَكَ ٱلۡمُسۡتَقِيمَ} (16)

{ قَالَ } استئناف كنظائره { فَبِمَا أَغْوَيْتَنِى } الفاء لترتيب مضمون الجملة التي بعد على الإنظار ، والباء إما للقسم أو للسببية ، و ( ما ) على التقديرين مصدرية ، والجار والمجرور متعلق بأقسم ؛ وقيل : إنه على تقدير السببية متعلق بما بعد اللام ، وفيه أن لها الصدر على الصحيح فلا يعمل ما بعدها فيما قبلها ، وجوز بعضهم كون ( ما ) استفهامية لم يحذف ألفها وأن الجار متعلق بأغويتني ولا يخفى ضعفه . والإغواء خلق الغي وأصل الغي الفساد ومنه غوى الفصيل وغوى إذا بشم وفسدت معدته ، وجاء بمعنى الجهل من اعتقاد فاسد كما في قوله سبحانه : { مَا ضَلَّ صاحبكم وَمَا غوى } [ النجم : 2 ] وبمعنى الخيبة كما في قوله

: فمن يلق خيراً يحمد الناس أمره *** ومن يغو لا يعدم على الغي لائماً

ومنه قوله تعالى : { وعصى * ءادَم * رَبَّهُ فغوى } [ طه : 121 ] واستعمل بمعنى العذاب مجازاً بعلاقة السببية ومنه قوله تعالى : { فَسَوْفَ يَلْقُونَ غَيّاً } [ مريم : 59 ] .

ولا مانع عند أهل السنة أن يراد بالإغواء هنا خلق الغي بمعنى الضلال أي بما أضللتني وهو المروي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما ، ونسبة الإغواء بهذا المعنى إلى الله عز وجل مما يقتضيه عموم قوله سبحانه : { خالق كُلّ شَىْء } [ الأنعام : 102 ] والمعتزلة يأبون نسبة مثل ذلك إليه سبحانه وقالوا في هذا تارة : إنه قول الشيطان فليس بحجة ، وأولوه أخرى بأن الإغواء النسبة إلى الغي كأكفره إذا نسبه إلى الكفر أو إنه بمعنى إحداث سبب الغي وإيقاعه وهو الأمر بالسجود . وقال بعضهم : إن الغي هنا بمعنى الخيبة أي بما خيبته من رحمتك أو الهلاك أي بما أهلكته بلعنك إياه وطردك له ، والذي دعاهم إلى هذا كله عدم قولهم بأن الله تعالى خالق كل شيء وأنه سبحان لا خالق غيره ولم يكفهم ذلك حتى طعنوا بأهل السنة القائلين بذلك . وما الظن بطائفة ترضى لنفسها من خفايا الشرك بما لم يسبق به إبليس عليه اللعنة نعوذ بالله سبحانه وتعالى من التعرض لسخطه . نعم الإغواء بمعنى الترغيب بما فيه الغواية والأمر به كما هو مراد اللعين من قوله : { لاَغْوِيَنَّهُمْ } [ ص : 82 ] مما لا يجوز من الله تعالى شأنه كما لا يخفى ، ثم إن كانت الباء للقسم يكون المقسم به صفة من صفات الأفعال وهو مما يقسم به في العرف وإن لم تجر الفقهاء به أحكام اليمين . ولعل القسم وقع من اللعين بهما جميعاً فحكى تارة قسمه بأحدهما وأخرى بالآخر ، وإن كانت سببية فالقسم بالعزة أي فبسبب إغوائك إياي لأجلهم أقسم بعزتك .

{ لاقْعُدَنَّ لَهُمْ } أي لآدم عليه السلام وذريته ترصداً بهم كما يقعد القطاع للسابلة { صراطك المستقيم } الموصل إلى الجنة وهو الحق الذي فيه رضاك .

أخرج أحمد والنسائي وابن حبان والطبراني والبيهقي في «شعب الإيمان » عن سبرة بن الفاكه قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " إن الشيطان قعد لابن آدم في طرقه فقعد له بطريق الإسلام فقال أتسلم وتذر دينك ودين آبائك ؟ فعصاه فأسلم ثم قعد له بطريق الهجرة فقال : أتهاجر وتذر أرضك وسمائك وإنما مثل المهاجر كالفرس في طوله ؟ فعصاه فهاجر ثم قعد له بطريق الجهاد فقال : هو جهد النفس والمال فتقاتل فتقتل فتنكح المرأة ويقسم المال فعصاه فجاهد ثم قال صلى الله عليه وسلم : «فمن فعل ذلك منهم فمات أو وقصته دابته فمات كان حقاً على الله تعالى أن يدخله الجنة " ولعل الاقتصار منه صلى الله عليه وسلم على هذه المذكورات للاعتناء بشأنها والتنبيه على عظم قدرها لما أن المقام قد اقتضى ذلك لا للحصر . ونظير ذلك ما روي عن ابن عباس وابن مسعود رضي الله تعالى عنهما وغيرهما من تفسير الصراط المستقيم بطريق مكة والكلام من باب الكناية أو التمثيل ، ونصب ( الصراط ) إما على أنه مفعول به بتضمين { *أقعدن } معنى ألزمن أو على نزع الخافض أي على صراطك كقولك ضرب زيد الظهر والبطن أو على الظرفين وجاء نصب ظرف المكان المختص عليها قليلاً ، ومن ذلك في المشهور قوله

: لدن بهز الكف يعسل متنه *** فيه كما عسل الطريق الثعلب

( هذا ومن باب الإشارة ) :{ قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِى } قسم بما هو من صفات الأفعال ولم يكن محجوباً عنها بل كان محجوباً عن الذات الأحدية { لأقعدن لَهُمْ صراطك المستقيم } [ الأعراف : 16 ] وهو طريق التوحيد

 
الجامع التاريخي لبيان القرآن الكريم - مركز مبدع [إخفاء]  
{قَالَ فَبِمَآ أَغۡوَيۡتَنِي لَأَقۡعُدَنَّ لَهُمۡ صِرَٰطَكَ ٱلۡمُسۡتَقِيمَ} (16)

تفسير مقاتل بن سليمان 150 هـ :

{قال فبما أغويتني} قال: أما إذ أضللتني. {لأقعدن لهم صراطك المستقيم} يعني لأصدنهم عن دينك المستقيم، يعني الإسلام.

جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :

يقول جلّ ثناؤه: قال إبليس لربه:"فَبِما أغْوَيْتَنِي" يقول: فبما أضللتني... وكان بعضهم يتأوّل قوله: "فَبِما أغْوَيْتَنِي": بما أهلكتني، من قولهم: غَوِيَ الفصيل يَغْوَى غَوًى، وذلك إذا فقد اللبن فمات... وأصل الإغواء في كلام العرب: تزيين الرجل للرجل الشيء حتى يحسنه عنده غارّا له... وكان بعضهم يتأوّل ذلك أنه بمعنى القسم، كأن معناه عنده: فبإغوائك إياي لأقعدنّ لهم صراطك المستقيم، كما يقال: بالله لأفعلن كذا. وكان بعضهم يتأوّل ذلك بمعنى المجازاة، كأن معناه عنده: فلأنك أغويتني، أو فبأنك أغويتني لأقعدنّ لهم صراطك المستقيم...

وأما قوله: "لأَقْعُدَنّ لَهُمْ صرَاطَكَ المُسْتَقِيمَ "فإنه يقول: لأجلسنّ لبني آدم "صراطك المستقيم"، يعني: طريقك القويم، وذلك دين الله الحقّ، وهو الإسلام وشرائعه.

وإنما معنى الكلام: لأصدنّ بني آدم عن عبادتك وطاعتك، ولأغوينهم كما أغويتني، ولأُضِلّنهم كما أضَللْتَني. وذلك كما رُوي عن سَبْرة بن الفاكه أنه سمع النبيّ صلى الله عليه وسلم يقول: «إن الشّيْطانَ قَعَد لاِبْنِ آدَمَ بأطْرَقَةٍ، فَقَعَدَ لَهُ بِطَرِيقِ الإسْلام، فَقالَ: أتُسْلَمُ وَتَذَرُ دِينَكَ وَدينَ آبائِك؟ فَعَصَاهُ فَأسْلَم. ثُمّ قَعَدَ لَهُ بِطَرِيق الهجْرَةِ، فَقالَ: أتهاجِرُ وَتَذَرُ أرْضَكَ وَسَماءَكَ، وإنمَا مَثَلُ المُهاجرِ كالفَرَسِ فِي الطّوَلِ؟ فَعَصَاه وَهاجَرَ. ثُمّ قَعَدَ لَهُ بِطَرِيقِ الجِهادِ، وَهُوَ جَهْدُ النّفْسِ والمَالِ، فقالَ: أتُقاتلُ فتُقْتَلَ فَتُنْكَحُ المَرأةُ ويُقَسّمُ المَالُ؟ قالَ: فَعَصَاهُ فَجاهَدَ»...

تأويلات أهل السنة للماتريدي 333 هـ :

وقوله تعالى: {لأقعدنّ لهم} ليس على حقيقة القعود، ولكن على المنع عن السلوك في الطريق، أو على التلبيس عليهم الطريق المستقيم والستر عليهم؛ لأن من قعد في الطريق منع الناس عن السلوك فيه.

الوجيز في تفسير الكتاب العزيز للواحدي 468 هـ :

{لأقعدن لهم صراطك المستقيم} على الطريق المستقيم الذي يسلكونه إلى الجنة بأن أزين لهم الباطل...

جهود الإمام الغزالي في التفسير 505 هـ :

{لأقعدن لهم صراطك المستقيم} قيل: هو طريق الشكر.

مفاتيح الغيب للرازي 606 هـ :

الإغواء إيقاع الغي في القلب، والغي هو الاعتقاد الباطل.

قوله: {لأقعدن لهم صراطك المستقيم} فيه أبحاث. البحث الأول: المراد منه أنه يواظب على الإفساد مواظبة لا يفتر عنها، ولهذا المعنى ذكر القعود لأن من أراد أن يبالغ في تكميل أمر من الأمور قعد حتى يصير فارغ البال فيمكنه إتمام المقصود. ومواظبته على الإفساد هي مواظبته على الوسوسة حتى لا يفتر عنها.

والبحث الثاني: إن هذه الآية تدل على أنه كان عالما بالدين الحق والمنهج الصحيح، لأنه قال: {لأقعدن لهم صراطك المستقيم} وصراط الله المستقيم هو دينه الحق.

البحث الثالث: الآية تدل على أن إبليس كان عالما بأن الذي هو عليه من المذهب والاعتقاد هو محض الغواية والضلال، لأنه لو لم يكن كذلك لما قال: {فبما أغويتني}...

نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي 885 هـ :

لما كان قد حكم عليه بالشقاء، قابل نعمة الإمهال وإطالة العمر بالتمادي في الكفر وأخبر عن نفسه بذلك بأن {قال} مسبباً عن إيقاعه في المعصية بسبب نوع الآدميين {فبما أغويتني} أي فبسبب إغوائك لي، وهو إيجاد الغي و اعتقاد الباطل في قلبي من أجلهم، والله {لأقعدن لهم} أي أفعل في قطعهم عن الخير فعل المتمكن المقبل بكليته المتأني الذي لا شغل له غير ما أقبل عليه في مدة إمهالك لي بقطعهم عنك بمنعهم من فعل ما أمرتهم به، وحملهم على فعل ما نهيتهم عنه، كما يقعد قاطع الطريق على السابلة للخطف {صراطك} أي في جميع صراطك، بما دل عليه نزع الخافض {المستقيم} وهو الإسلام بجميع شعبه...

تفسير المنار لرشيد رضا 1354 هـ :

الإغواء: الإيقاع في الغواية وهي ضد الرشاد لأنها في أصل اللغة بمعنى الفساد المردي، وصراط الله المستقيم هو الطريق الذي يصل سالكه إلى السعادة التي أعدها سبحانه لمن تتزكى نفسه بهداية الدين الحق وتكميل الفطرة...

التحرير والتنوير لابن عاشور 1393 هـ :

وهذا الكلام يدلّ على أنّ إبليس عَلِم أنّ الله خلق البشر للصّلاح والنّفعِ، وأنّه أودع فيهم معرفة الكمال، وأعانهم على بلوغه بالإرشاد، فلذلك سُمِّيت أعمال الخير، في حكاية كلام إبليس، صراطاً مستقيماً، وأضافه إلى ضمير الجلالة، لأنّ الله دعا إليه وأراد من النّاس سلوكه، ولذلك أيضاً ألزم {لأقعدن لهم صراطك المستقيم ثم لأتيناهم من بين أيديهم ومن خلفهم}. وبهذا الاعتبار كان إبليس عدواً لبني آدم، لأنّه يطلب منهم ما لم يُخلقوا لأجله وما هو منافٍ للفطرة التي فطر الله عليها البشر، فالعداوة متأصّلة وجبليّة بين طبع الشّيطان وفطرة الإنسان السّالمة من التّغيير، وذلك ما أفصح عنه الجَعل الإلهي المشار إليه بقوله: {بعضكم لبعض عدو} [البقرة: 36]، وبه سيتّضح كيف انقلبت العداوة ولاية بين الشّياطين وبين البشر الذين استحبُّوا الضّلال والكفر على الإيمان والصّلاح.