{ قَالَ } استئناف مسوق للجواب عن سؤال نشأ من حكاية عدم سجوده كأنه قيل : فماذا قال الله تعالى حينئذ ؟ وبه كما قيل يظهر وجه الالتفات إلى الغيبة إذ لا وجه لتقدير السؤال على وجه المخاطبة . وفيه فائدة أخرى هي الإشعار بعدم تعلق المحكي بالمخاطبين كما في حكاية الخلق والتصوير أي قال الله تعالى لإبليس حين لم يكن من الساجدين . { مَا مَنَعَكَ أَلاَّ تَسْجُدَ } المشهور أن ( لا ) مزيدة بدليل قوله سبحانه في آية أخرى { مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ } [ ص : 75 ] وقد جاءت كذلك في قوله سبحانه : { لّئَلاَّ يَعْلَمَ أَهْلُ الكتاب } [ الحديد : 29 ] أي ليعلم ، وهي في ذلك كما قال غير واحد لتأكيد معنى الفعل الذي تدخل عليه وتحقيقه . واستشكل بأنها كيف تؤكد ثبوت الفعل مع إيهام نفيه . قال الشهاب : والذي يظهر لي أنها لا تؤكده مطلقاً بل إذا صحب نفياً مقدماً أو مؤخراً صريحاً أو غير صريح كما في { غَيْرِ المغضوب عَلَيْهِمْ وَلاَ الضالين } ( الفاتحة ؛ 7 ) وكما هنا فإنها تؤكد تعلق المنع به ، ومن هنا قالوا إنها منبهة على أن الموبخ عليه ترك السجود . وقيل : إنها غير زائدة بأن يكون المنع مجازاً عن الإلجاء والإضطرار فالمعنى ؛ ما اضطرك إلى أن لا تسجد . وجعله السكاكي مجازاً عن الحمل ولا قرينة للمجاز أي ما حملك ودعاك إلى أن لا تسجد ؟ وليس بين الجعلين كثير فرق . وجوز أن يكون ذلك من باب التضمين ، وقال الراغب : «المنع يقال في ضد العطية كرجل مانع ومناع أي بخيل ، ويقال في الحماية ومنه مكان منيع وقد منع وفلان ذو منعة أي عزيز ممتنع على من يرومه ، والمنع في الآية من الثاني أي ما حملك عن عدم السجود2 .
{ إِذْ أَمَرْتُكَ } بالسجود ، و { إِذْ } ظرف لتسجد ، وهذه الآية أحد أدلة القائلين بأن الأمر ( المطلق للوجوب و ) للفور لأنه ذم على ترك المبادرة ولولا أن الأمر للفور لم يتوجه الذم عليه وكان له أن يجيب بأنك ما أمرتني بالبدار وسوف أسجد . وأجيب بأن الفور إنما هو من قوله تعالى : { فَقَعُواْ لَهُ ساجدين } [ ص : 72 ] وليس من صيغة الأمر إلا أن بعضهم منع دلالة الفاء الجزائية على التعقيب من غير تراخ ، وقال آخرون : إن الاستدلال إنما هو بترتب اللوم على مخالفة الأمر المطلق حيث قال سبحانه : { إِذْ أَمَرْتُكَ } ولم يقل جل شأنه إذ قلت فقعوا له ساجدين فتدبر ، وفي حكاية التوبيخ ههنا بهذه العبارة وفي سورة الحجر ( 32 ) بقوله تعالى : { قَالَ يإِبْلِيسُ مَا لَكَ أَلاَّ تَكُونَ مَعَ الساجدين } وفي سورة ص ( 75 ) بقوله سبحانه : { مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَىَّ } إشارة إلى أن اللعين أدمج في معصية واحدة غير واحدة وقد وبخ على كل من ذلك لكن اقتصر عند الحكاية في كل موطن على ما ذكر فيه اكتفاء بما ذكر في موطن آخر وإشعاراً بأن كل واحدة من هاتيك المعاصي كافية في التوبيخ و ( إظهار ) بطلان ما ارتكبه ، وقد تركت حكاية التوبيخ رأساً في سورة البقرة وسورة بني إسرائيل وسورة الكهف وسورة طه والله تعالى أعلم بحكمة كل .
{ قَالَ } استئناف كما تقدم مبني على سؤال نشأ من حكاية التوبيخ كأنه قيل : فماذا قال اللعين عند ذلك ؟ فقيل : قال : { أَنَاْ خَيْرٌ مّنْهُ } هو من الأسلوب الأحمق فإن الجواب المطابق للسؤال منعني كذا وهذا جواب عن أيكما خير ؟ وفيه دعوى شيء بين الاستلزام للمقصود بزعمه ومشعر بأن من هذا شأنه لا يحسن أن يسجد لمن دونه فكيف يحسن أن يؤمر به ؟ فاللعين أول من أسس بنيان التكبر واخترع القول بالحسن والقبح العقليين .
وقوله تعالى حكاية عنه : { خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ } تعليل لما ادعاه عليه اللعنة من فضله عليه عليه السلام ، وحاصله أني مخلوق من عنصر أشرف من عنصره لأن عنصري علوي نير قوي التأثير مناسب لمادة الحياة وعنصره بضد ذلك والمخلوق من الأشرف أشرف لأن شرف الأصل يوجب شرف الفرع فأنا كذلك والأشرف لا يليق به الانقياد لمن هو دونه ، وقد أخطأ اللعين فإن كون النار أشرف من التراب ممنوع فإن كل عنصر من العناصر الأربع يختص بفوائد ليست لغيره وكل منها ضروري في هذه النشأة ولكل فضيلة في مقامه وحاله فترجيح بعضها على بعض تطويل بلا طائل ، على أن من نظر إلى أن الأرض أكثر منافع للخلق لأنها مستقرهم وفيها معايشهم وأنها متصفة بالرزانة التي هي من مقتضيات الحلم والوقار وإلى أن النار دونها في المنافع وأنها متصفة بالخفة التي هي من مقتضيات الطيش والاستكبار والترفع علم ما في كلام اللعين ، وأيضاً شرف الأصل لا يوجب شرف الفرع
. إنما الورد من الشوك ولا *** ينبت النرجس إلا من بصل
ويكفي في ذلك أنه قد يخرج الكافر من المؤمن ، وأيضاً قد خص الشرف بما هو من جهة المادة والعنصر مع أن الشيء كما يشرف بمادته وعنصره يشرف بفاعله وغايته وصورته ، وهذا الشرف في آدم عليه السلام دونه فإن الله تعالى خلقه بيديه ونفخ فيه من روحه وجعله خليفة في الأرض كما قص سبحانه لما أودعه فيه ، وأيضاً أي قبح في خدمة الفاضل للمفضول تواضعاً وإسقاطاً لحظ النفس على أن الخدمة في الحقيقة إنما كانت لله تعالى ، وإلى هذا أشار ظافر الإسكندري بقوله
: أنت المراد بنظم كل قصيدة *** بنيت على الأفهام في تبجيله كسجود أملاك السماء لآدم
ثم الظاهر أن هذا الجواب من اللعين كان مع تسليم أنه مأمور بالسجود وحينئذ فخطؤه أظهر من نار على علم إذ يعود ذلك إلى الاعتراض على المالك الحكيم .
وقال بعضهم : إنه لم يسلم أنه كان مأموراً بل أخرج نفسه من العموم بالقياس . واستدل أهل هذا القول بهذا التوبيخ على أنه لا يجوز تخصيص النص بالقياس . وأجيب بأن هذا ليس من التخصيص بل هو إبطال للنص ورفع له بالكلية وفيه تأمل . وأخرج أبو نعيم في «الحلية » والديلمي عن جعفر بن محمد عن أبيه عن جده رضي الله تعالى عنهم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " أول من قاس أمر الدين برأيه إبليس قال الله تعالى له : اسجد لآدم فقال : أنا خير منه " الخ . قال جعفر : فمن قاس أمر الدين برأيه قرنه الله تعالى يوم القيامة بإبليس لأنه أتبعه بالقياس . واستدل بهذا ونحوه من منع القياس مطلقاً . وأجيب عن ذلك بأن المذموم هو القياس والرأي في مقابلة النص أو الذي يعدم فيه شرط من الشروط المعتبرة وتحقيق ذلك في محله .
وفي الآية دليل على الكون والفساد لدلالتها على خلق آدم عليه السلام وإبليس عليه اللعنة وإيجادهما ، وعلى استحالة الطين والنار عما كانا عليه من الطينية والنارية لما ترتب منهما ما تركب ، وعلى أن إبليس ونحوه أجسام حادثة لا أرواح قديمة ، قيل : ولعل إضافة خلق آدم عليه السلام إلى الطين وخلقه إلى النار باعتبار الجزء الغالب ، وإلا فقد تقرر أن الأجسام من العناصر الأربعة وبعض الناس من وراء المنع .
( هذا ومن باب الإشارة ) :{ قَالَ أَنَاْ خَيْرٌ مّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ } [ الأعراف : 12 ] أراد اللعين أنه من الحضرة الروحانية وأن آدم عليه السلام ليس كذلك
جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :
هذا خبر من الله تعالى ذكره عن قيله لإبليس إذ عصاه، فلم يسجد لآدم إذ أمره بالسجود له، يقول: قالَ الله لإبليس:"ما مَنَعَكَ" أيّ شيء منعك "ألاّ تَسْجُدَ": أن تدع السجود لاَدم، "إذْ أمَرْتُكَ "أن تسجد. "قالَ أنا خَيْرٌ مِنْهُ" يقول: قال إبليس: أنا خير من آدم، "خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ"...
وأما قوله: "أنا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ" فإنه خبر من الله جلّ ثناؤه عن جواب إبليس إياه إذ سأله: ما الذي منعه من السجود لآدم، فأحوجه إلى أن لا يسجد له، واضطرّه إلى خلافه أمره به وتركه طاعته، أن المانع كان له من السجود والداعي له إلى خلافه أمر ربه في ذلك أنه أشدّ منه أيدا وأقوى منه قوّة وأفضل منه فضلاً، لفضل الجنس الذي منه خلق وهو النار، من الذي خلق منه آدم وهو الطين، فجهل عدوّ الله وجه الحقّ، وأخطأ سبيل الصواب... وهذ الذي قاله عدوّ الله ليس لما سأله عنه بجواب، وذلك أن الله تعالى ذكره قال له: ما منعك من السجود؟ فلم يجب بأن الذي منعه من السجود: أنه خلقه من نار، وخلق آدم من طين، ولكنه ابتدأ خبرا عن نفسه، فيه دليل على موضع الجواب، فقال: "أنا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي منْ نارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ".
{مَا مَنَعَكَ أَلاَّ تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ}، يدل على أن الأمر يقتضي الوجوب بنفس وروده غير محتاج إلى قرينة في إيجابه؛ لأنه علق الذم بتركه الأمر المطلق.
لطائف الإشارات للقشيري 465 هـ :
قال: {أنا خير منه} ادَّعى الخيرية، وكان الواجب عليه -لولا الشقوة- أَنْ يؤثِرَ التذلَّلَ على التكبُّر، لا سيما والخطاب الوارد عليه من الحقِّ. ثم إنه وإنْ سَلَكَ طريق القياس فلا وجه له مع النَّفس لأنه بِحَظٍّ، فلم يزِدْه قياسُه إلا في استحقاق نفيه إذ ادَّعى الخيرية بجوهره، ولم يعلم أن الخيرية بحكمه -سبحانه- وقسمته.
الكشاف عن حقائق التنزيل للزمخشري 538 هـ :
{أَلاَّ تَسْجُدَ} «لا» في {أَن لا تَسْجُدَ} صلة بدليل قوله: {مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَي} [ص: 75] ومثلها {لّئَلاَّ يَعْلَمَ أَهْلُ الكتاب} [الحديد: 29] بمعنى ليعلم: فإن قلت: ما فائدة زيادتها؟ قلت: توكيد معنى الفعل الذي تدخل عليه وتحقيقه كأنه قيل: ليتحقق علم أهل الكتاب. وما منعك أن تحقق السجود وتلزمه نفسك؟ {إِذْ أَمَرْتُكَ} لأن أمري لك بالسجود أوجبه عليك إيجاباً وأحتمه عليك حتماً لا بدّ منه، فإن قلت: لم سأله عن المانع من السجود، وقد علم ما منعه؟ قلت: للتوبيخ، ولإظهار معاندته وكفره وكبره وافتخاره بأصله وازدرائه بأصل آدم، وأنه خالف أمر ربه معتقداً أنه غير واجب عليه، لما رأى أنّ سجود الفاضل للمفضول خارج من الصواب. فإن قلت: كيف يكون قوله: {أَنَاْ خَيْرٌ مّنْهُ} جواباً لما منعك، وإنما الجواب أن يقول: منعني كذا؟ قلت: قد استأنف قصة أخبر فيها عن نفسه بالفضل على آدم، وبعلة فضله عليه، وهو أنّ أصله من نار وأصل آدم من طين، فعلم منه الجواب وزيادة عليه، وهي إنكار للأمر واستبعاد أن يكون مثله مأموراً بالسجود لمثله، كأنه يقول: من كان على هذه الصفة كان مستبعداً أن يؤمر بما أُمر به.
لما كانت الفضيلة عطية من الله ابتداء، لم يلزم من فضيلة المادة فضيلة الصورة. ألا ترى أنه يخرج الكافر من المؤمن والمؤمن من الكافر، والنور من الظلمة والظلمة من النور، وذلك يدل على أن الفضيلة لا تحصل إلا بفضل الله تعالى لا بسبب فضيلة الأصل والجوهر. وأيضا التكليف إنما يتناول الحي بعد انتهائه إلى حد كمال العقل، فالمعتبر بما انتهى إليه لا بما خلق منه، وأيضا فالفضل إنما يكون بالأعمال وما يتصل بها لا بسبب المادة. ألا ترى أن الحبشي المؤمن مفضل على القرشي الكافر.
جهود القرافي في التفسير 684 هـ :
وينبغي أن تعلم أن إبليس إنما كفر بنسبة الله تعالى إلى الجور والتصرف الذي ليس بمرضي، ظهر ذلك من فحوى قوله: {أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين}. ومراده: أن إلزام العظيم الجليل بالسجود للحقير من التصرف الرديء والجور والظلم، فهذا وجه كفره. وقد أجمع المسلمون على أن من نسب الله تعالى لذلك فقد كفر لأنه من الجرأة العظيمة. (الفروق: 4/134- 135)
تفسير القرآن العظيم لابن كثير 774 هـ :
وفي صحيح مسلم، عن عائشة، رضي الله عنها، قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"خُلِقَت الملائكة من نور، وخُلقَ إبليس من مارج من نار، وخلق آدم مما وُصِفَ لكم"
تفسير المنار لرشيد رضا 1354 هـ :
{قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلاَّ تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُك} أي قال تعالى له ما منعك من امتثال الأمر فحملك على أن لا تسجد لآدم مع الساجدين في الوقت الذي أمرتك فيه بالسجود؟...
{قَالَ أَنَاْ خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِين} أي منعني من ذلك أنني أنا خير منه لأنك خلقتني من نار وخلقته من طين، والنار خير من الطين وأشرف، ولا ينبغي للأشرف أن يكرم من دونه ويعظمه، أي وإن أمره بذلك ربه، وهذا الجواب يتضمن ضروبا من الجهل الفاضح، ما أوقع اللعين فيها إلا حسده وكبره فإنهما يعميان البصائر.
الأول: الاعتراض على ربه وخالقه كما تضمنه جوابه، ومثله في هذا كل من يعترض على كلام الله تعالى فيما لا يوافق هواه، وهذا كفر لا يقع مثله من مؤمن بالله وبكتابه، فإن المؤمن إذا خفيت عليه حقيقة أو حكمة لله في شيء من كلامه بحث عنها بالتفكر والبحث وسؤال العلماء وصبر إلى أن يهتدي إلى ما يطمئن به قلبه مكتفيا قبل ذلك بأن الله تعالى يعلم ما لا يعلم من حقائق خلقه وحكم شرعه وفوائد أمره ونهيه.
الثاني: الاحتجاج عليه بما يؤيد به اعتراضه والمؤمن المذعن لا يحتج على ربه بل يعلم أن لله الحجة البالغة.
الثالث: جعل امتثال أمر الرب تعالى مشروطا باستحسان العبد له وموافقته لرأيه وهواه، وهو رفض لطاعة الرب، وترفع عن مرتبة العبد، وتعال منه إلى وضع نفسه موضع الند، وهو في حكم الدين كفر، وفي العقل حماقة وجهل. فإن الرئيس لأية حكومة أو جيش أو جمعية أو شركة إذا كان لا يطيعه المرؤوسون له إلا فيما يوافق أهواءهم لا يلبث أمرهم أن يفسد بأن تختل الحكومة وتسقط وينكسر الجيش ويهلك وتنحل الشركة وتفلس، وهكذا يقال في كل مصلحة يقوم بإدارتها كثرة، يرجع نظامها إلى جهة واحدة، كبوارج الحرب وسفن التجارة ومعامل الصناعة، فإذا كان الصلاح والنظام في كل أمر يتوقف على طاعة الرئيس وهو ليس ربا تجب طاعته لذاته ولا لنعمه، ولا معصوما من الخطأ فيما يأمر به، فما القول في وجوب طاعة رب العالمين على عبيده؟ ويشارك إبليس في هذا الجهل وما قبله كثيرون ممن يسمون أنفسهم مؤمنين: يتركون طاعة الله تعالى فيما أمر به مما يخالف أهواءهم ويحتجون على ترك الصيام مثلا بأن لا فائدة في الجوع والعطش، أو بأن الله غني عن صيامهم على أن حكم الصيام كثيرة جلية كما بيناها مرارا في التفسير (ج 2) و في المنار...
الرابع: الاستدلال على الخيرية بالمادة التي كان منها التكوين، وهذا جهل ظاهر من وجوه: الأول: أن خيرية المواد بعضها على بعض ليس من الحقائق التي يمكن إثباتها بالبرهان، وإنما هي أمور اعتبارية تختلف فيها الآراء والأهواء. وأصول المخلوقات المختلفة التركيب عناصر بسيطة قليلة... ثانيها: أن بعض الأشياء النفيسة أصلها خسيس، فالمسك من الدم، وجوهر الألماس من الكربون الذي هو أصل الفحم، والأقذار التي تعاف من مادة الطعام الذي يشتهي ويحب، ثالثها: أن الملائكة خلقوا من النور وهو قد خلق من مارج من نار وهو اللهب المختلط بالدخان فما فوقه دخان وما تحته لهب صاف فإن مادة المرج معناها الخلط والاضطراب. ولا شك في أن النور خير من النار والنار الصافية خير من اللهب المختلط بالدخان. وقد سجد الملائكة المخلوقون من النور امتثالا لأمر الله تعالى فكان هو أولى، بل أولى بأن يقال له: أولى لك فأولى.
الخامس: إذا سلمنا جدلا أن خيرية الشيء ليست في ذاته وصفاته الخاصة التي تفصلها عن غيرها من مقومات نوعه ومشخصات نفسه وصفاته التي يمتاز بها عن غيره، وإنما هي تابعة للمادة التي هي أصل جنسه فلا نسلم أن النار خير من الطين فإن جميع الأحياء النباتية والحيوانية في هذه الأرض مخلوقة من الطين بالذات أو بالواسطة وهي خير ما فيها بكل نوع من أنواع الاعتبارات التي تعرفها العقول، وليس للنار أو لمارجها مثل هذه المزايا ولا ما يقرب منها.
السادس: أن اللعين غفل عما خص الله به آدم من خلقه بيده، والنفخ فيه من روحه، وجعل استعداده العلمي والعملي فوق استعداد غيره من خلقه، ومن تشريفه بأمر الملائكة بالسجود له، وجعله بتلك المزايا أفضل من أولئك الملائكة، وهم أفضل من إبليس بعنصر الخلقة وبالطاعة.
فهذه أصول الجهل والغباوة التي أوقع إبليس فيها حسده لآدم واستكباره عن طاعة الله بالسجود له. وأنت ترى أن أولياءه ونظراءه من شياطين الإنس مرتكسون فيها كلها والعياذ بالله تعالى. قال قتادة: حسد عدو الله إبليس آدم على ما أعطاه الله من الكرامة وقال أنا ناري وهذا طيني فكان بدء الذنوب الكبر، واستكبر عدو الله أن يسجد لآدم فأهلكه بكبره وحسده. وسيأتي تفسير الكبر والتكبر.
وهذا التفصيل مبني على كون الأمر بالسجود للتكليف وأنه وقع حوار فيه بين الرب سبحانه وبين إبليس. وأما على القول بأن الأمر للتكوين (كما سيأتي عن ابن كثير) وأن القصة بيان لغرائز البشر والملائكة والشيطان، فالمعنى أنه تعالى جعل ملائكة الأرض المدبرة بأمر الله وإذنه لأمورها بالسنن التي عليها مدار نظامها كما قال تعالى: {فالمدبرات أمرا} (النازعات 5) مسخرة لآدم وذريته إذ خلق الله هذا النوع مستعدا للانتفاع بها كلها بعلمه بسنن الله تعالى فيها، وبعمله بمقتضى هذه السنن كخواص الماء والهواء والكهرباء والنور والأرض ومعادنها ونباتها وحيوانها، وإظهاره لحكم الله تعالى وآياته فيها، ومستعدا لاصطفاء الله بعض أفراده واختصاصهم بوحيه ورسالته وإقامة من اهتدى بهم لدينه وميزان شرعه. وقد أشير إلى ذلك في سورة البقرة بقوله تعالى: {وعلم آدم الأسماء كلها} (البقرة 31) إلا أنه جعل الشيطان عاتيا متمردا على الإنسان بل عدوا له من حيث إن الإنسان بروحه وسط بين روح الملائكة المفطورين على طاعة الله وإقامة سننه في صلاح الخلق وبين روح الجن الذين يغلب على شرارهم وهم الشياطين التمرد والعصيان وقد أعطي الإنسان إرادة واختيارا من ربه في ترجيح ما به يصعد إلى أفق الملائكة وما به يهبط إلى أفق الشياطين وسيأتي تفصيل ذلك في هذا السياق...
التحرير والتنوير لابن عاشور 1393 هـ :
قوله: {قال ما منعك ألا تسجد إذ أمرتك} ابتداء المحاورة، لأنّ ترك إبليس السّجود لآدم بمنزلة جواب عن قول الله: {أسجدوا لآدم}، فكان بحيث يتوجّه إليه استفسار عن سبب تركه السّجود، وضمير: {قال} عائد إلى معلوم من المقام أي قال اللَّهُ تعالى بقرينة قوله: {ثم قلنا للملائكة اسجدوا}، وكان مقتضى الظاهر أن يقال: قُلنا، فكان العدول إلى ضمير الغائب التفاتاً، نكتته تحويل مقام الكلام، إذ كان المقامُ مقام أمرٍ للملائكة ومن في زمرتهم فصار مقام توبيخ لإبليس خاصة.
و {مَا} للاستفهام، وهو استفهام ظاهره حقيقي، ومشوب بتوبيخ، والمقصود من الاستفهام إظهار مقصد إبليس للملائكة.
و {منعك} معناه: صدّك وكفّك عن السجود فكان مقتضى الظاهر أن يقال: ما منعك أن تسجد لأنّه إنّما كفّ عن السّجود لا عن نفي السجود فقد قال تعالى في الآية الأخرى: {ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي} [ص: 75]، فلذلك كان ذكر (لا) هنا على خلاف مقتضى الظاهر، فقيل هي مزيدة للتّأكيد، ولا تفيد نفياً، لأنّ الحرف المزيد للتّأكيد لا يفيد معنى غيرَ التّأكيد. و (لاَ) من جملة الحروف التي يؤكّد بها الكلام كما في قوله تعالى: {لا أقسم بهذا البلد} [البلد: 1] وقوله {لئلا يعلم أهل الكتاب أن لا يقدرون على شيء من فضل الله} [الحديد: 29] أي ليعلم أهل الكتاب علماً محقّقاً. وقوله تعالى: {وحرام على قرية أهلكناها أنّهم لا يرجعون} [الأنبياء: 95] أي ممنوع أنّهم يرجعون منعاً محقّقاً، وهذا تأويل الكسائي، والفراء، والزّجاج، والزّمخشري، وفي توجيه معنى التّأكيد إلى الفعل مع كونن السّجود غير واقع فلا ينبغي تأكيده خفاءٌ لأنّ التّوكيد تحقيق حصول الفعل المؤكّد، فلا ينبغي التّعويل على هذا التّأويل.
...وقوله: {إذ أمرتك} ظرف ل {تسجد}، وتعليق ضميره بالأمر يقتضي أن أمر الملائكة شامل له، إمّا لأنّه صنف من الملائكة، فخلق الله إبليس أصلاً للجنّ ليجعل منه صنفاً مُتَمِّيزاً عن بقيّة الملائكة بقبوله للمعصية، وهذا هو ظاهر القرآن، وإليه ذهب كثير من الفقهاء، وقد قال الله تعالى: {إلا إبليس كانَ من الجنّ} [الكهف: 50] الآية، وإما لأنّ الجنّ نوع آخر من المجردات، وإبليس أصل ذلك النّوع، جعله الله في عداد الملائكة، فكان أمرهم شاملاً له بناء على أن الملائكة خلقوا من النّور وأنّ الجنّ خلقوا من النّار...
وفُصِل: {قال أنا خير منه} لوقوعه على طريقة المحاورات.
وبَيّن مانعه من السّجود بأنّه رأى نفسه خيراً من آدم، فلم يمتثل لأمر الله تعالى إياه بالسّجود لآدم، وهذا معصية صريحة، وقوله: {أنا خير منه} مسوق مساق التّعليل للامتناع ولذلك حذف منه اللام.
وجملة: {خلقتني من نار} بيان لجملة: {أنا خير منه} فلذلك فصلت، لأنّها بمنزلة عطف البيان من المبيّن...
والنّار هي: الحرارة البالغة لشدّتها الالتهاب الكائنة في الأجسام المصهورة بأصل الخلقة، كالنّار التي في الشّمس، وإذا بلغت الحرارة الالتهام عرضت النّارية للجسم من معدن أو نبات أو تراب مثل النّار الباقية في الرّماد...
والطّينُ: التّراب المختلط بالماء، والماءُ عنصر آخر تتوقّف عليه الحياة الحيوانيّة مع النّار والتّراب...
تفسير من و حي القرآن لحسين فضل الله 1431 هـ :
وخاطبه الله بلهجة الإنكار، {قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلاَّ تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ}؟! هل هناك غموض في طبيعة الأمر، أو هناك تصور بعدم شمول الخطاب له؟ لا شيء من هذا وذاك، لأن الأمر واضح في شموله للمجتمع كله، ولكن إبليس كان يعيش في وادٍ آخر، فقد كانت عنصريته تمنعه من أن يتنازل لعنصر آخر، وكان هاجسه ذاته لا ربه، فهي كل شيء بالنسبة إليه؛ أما علاقته بالله، فإنها تخضع لعلاقته بأنانية نفسه، فإذا ابتعدت عن تأكيد ذلك منه، ابتعد عنه؛ وهكذا كان جوابه: {أَنَاْ خَيْرٌ مِّنْهُ}، فكيف يسجد الأعلى للأسفل، والأفضل للمفضول، فعنصري أقوى من عنصره وأرفع درجة؛ {خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ} فأنا مخلوق من النار وهو مخلوق من الطين، والنار تفني الطين، فكيف أتواضع له؟!...