تيسير التفسير لإبراهيم القطان - إبراهيم القطان [إخفاء]  
{ثُمَّ أَنزَلَ ٱللَّهُ سَكِينَتَهُۥ عَلَىٰ رَسُولِهِۦ وَعَلَى ٱلۡمُؤۡمِنِينَ وَأَنزَلَ جُنُودٗا لَّمۡ تَرَوۡهَا وَعَذَّبَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْۚ وَذَٰلِكَ جَزَآءُ ٱلۡكَٰفِرِينَ} (26)

السكينة : الطمأنينة .

ثم أدركَتْكُم عنايةُ الله ، فأنزلَ الطمأنينةَ على رسوله وعلى المؤمنون فملأ بها قلوبهم . كما أنزلَ مع السَّكينة جنوداً لم تروْها بأبصاركم ، فثّبت أقدامَكم فانتصرتم ، وعذّب الذين كفروا بالقتل والسبي والأسر . وقد أذاقهم اللهُ مرارةَ الهزيمة ، وذلك جزاء الكافرين في الدنيا ، وجزاؤهم في الآخرة أعظم .

 
روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{ثُمَّ أَنزَلَ ٱللَّهُ سَكِينَتَهُۥ عَلَىٰ رَسُولِهِۦ وَعَلَى ٱلۡمُؤۡمِنِينَ وَأَنزَلَ جُنُودٗا لَّمۡ تَرَوۡهَا وَعَذَّبَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْۚ وَذَٰلِكَ جَزَآءُ ٱلۡكَٰفِرِينَ} (26)

{ ثُمَّ أَنزَلَ الله سَكِينَتَهُ على رَسُولِهِ } أي رحمته التي تسكن بها القلوب وتطمئن اطمئناناً كلياً مستتبعاً للنصر القريب ، وأما مطلق السكينة فقد كانت حاصلة له صلى الله عليه وسلم { وَعَلَى المؤمنين } عطف على رسوله وإعادة الجار للإيذان بالتفاوت ، والمراد بهم الذين انهزموا ، وفيه دلالة على أن الكبيرة لا تنافي الإيمان .

وعن الحسن أنهم الذين ثبتوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقيل : المراد ما يعم الطائفتين ولا يخلو عن حسن ، ولا ضير في تحقق أصل السكينة في الثابتين من قبل ، وفسر بعضهم السكينة بالأمان وهو له صلى الله عليه وسلم بمعاينة الملائكة عليهم السلام ولمن معه بظهور علامات ذلك وللمنهزمين بزوال قلقهم واضطرابهم باستحضار إن ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن أو نحو ذلك ، والظاهر أن { ثُمَّ } في محلها للتراخي بين الانهزام وإنزال السكينة على هذا الوجه .

وقيل : إذا أريد من المؤمنين المنهزمون فهي على محلها ، وإن أريد الثابتون يكون التراخي في الأخبار أو باعتبار مجموع هذا الإنزال وما عطف عليه ، وجعلها للتراخي الرتبي بعيد { وَأَنزَلَ جُنُوداً لَّمْ تَرَوْهَا } بأبصاركم كما يرى بعضكم بعضاً وهم الملائكة عليهم السلام على خيول بلق عليهم البياض ، وكون المراد لم تروا مثلها قبل ذلك خلاف الظاهر ولم نر في الآثار ما يساعده ، واختلف في عددهم فقيل : ثمانية آلاف لقوله تعالى : { إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيكُمْ أَن يُمِدَّكُمْ } مع قوله سبحانه بعد : { يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ ءالافٍ } [ آل عمران : 124 ، 125 ] وقيل : خمسة آلاف للآية الثانية والثلاثة الأولى داخلة في هذه الخمسة ، وقيل : ستة عشر ألفاً بعدد العسكرين اثنا عشر ألفاً عسكر المسلمين وأربعة آلاف عسكر المشركين ، وكذا اختلفوا في أنهم قاتلوا في هذه الوقعة أم لا ، والجمهور على أن الملائكة لم يقاتلوا إلا يوم بدر . وإنما نزلوا لتقوية قلوب المؤمنين بإلقاء الخواطر الحسنة وتأييدهم بذلك وإلقاء الرعب في قلوب المشركين . فعن سعيد بن المسيب قال حدثني رجل كان في المشركين يوم حنين قال : لما كشفنا المسلمين جعلنا نسوقهم فلما انتهينا إلى صاحب البغلة الشهباء تلقانا رجال بيض الوجوه فقالوا : شاهت الوجوه ارجعوا فرجعنا فركبوا أكنافنا .

واحتج من قال : إنهم قاتلوا بما روي أن رجلاً من المشركين قال لبعض المؤمنين بعد القتال : أين الخيل البلق والرجال عليهم ثياب بيض ؟ ما كنا نراهم فيكم إلا كهيئة الشامة وما كان قتلنا إلا بأيديهم فأخبر بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال عليه الصلاة والسلام : «تلك الملائكة » وليس له سند يعول عليه { وَعذَّبَ الذين كَفَرُواْ } بالقتل والأسر والسبي { وَذَلِكَ } أي ما فعل بهم مما ذكر { جَزَاء الكافرين } لكفرهم في الدنيا .

( ومن باب الإشارة ) :ولما رأى سبحانه ندم القوم على عجبهم بكثرتهم ردهم إلى ساحة جوده وألبسهم أنوار قربه وأمدهم بجنوده وإليه الإشارة بقوله تعالى : { ثُمَّ أَنزَلَ الله سَكِينَتَهُ على رَسُولِهِ وَعَلَى المؤمنين } [ التوبة : 26 ] الآية ، وكانت سكينته عليه الصلاة والسلام كما قال بعض العارفين من مشاهدة الذات وسكينة المؤمنين من معاينة الصفات ، ولهم في تعريف السكينة عبارات كثيرة متقاربة المعنى فقيل : هي استحكام القلب عند جريان حكم الرب بنعت الطمأنينة بخمود آثار البشرية بالكلية والرضا بالبادي من الغيب من غير معارضة واختيار ، وقيل : هي القرار على بساط الشهود وبشواهد الصحو والتأدب بإقامة صفاء العبودية من غير لحوق مشقة ولا تحرك عرق بمعارضة حكمد وقيل : هي المقام مع الله تعالى بفناء الحظوظ . والحنود روادف آثار قوة تجلي الحق سبحانه ، ويقال : هي وفود اليقين وزوائد الاستبصار .

 
الجامع التاريخي لبيان القرآن الكريم - مركز مبدع [إخفاء]  
{ثُمَّ أَنزَلَ ٱللَّهُ سَكِينَتَهُۥ عَلَىٰ رَسُولِهِۦ وَعَلَى ٱلۡمُؤۡمِنِينَ وَأَنزَلَ جُنُودٗا لَّمۡ تَرَوۡهَا وَعَذَّبَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْۚ وَذَٰلِكَ جَزَآءُ ٱلۡكَٰفِرِينَ} (26)

تفسير مقاتل بن سليمان 150 هـ :

قوله: {ثم أنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين وأنزل جنودا لم تروها}، يعني الملائكة، {وعذب الذين كفروا} بالقتل والهزيمة، {وذلك} العذاب {جزاء الكافرين}.

جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :

يقول تعالى ذكره: ثم من بعد ما ضاقت عليكم الأرض بما رَحُبت وتَوْليَتِكم الأعداء أدباركم، كشف الله نازل البلاء عنكم، بإنزاله السكينة وهي الأمنة والطمأنينة عليكم. وقد بيّنا أنها فعيلة من السكون فيما مضى من كتابنا هذا قبل بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع.

"وأنْزَلَ جُنُودا لَمْ تَرَوْها" وهي الملائكة التي ذُكِرت في الأخبار التي قد مضى ذكرها. "وَعَذّبَ الّذِينَ كَفَرُوا" يقول: وعذّب الله الذين جحدوا وحدانيته ورسالة رسوله محمد صلى الله عليه وسلم بالقتل وسبي الأهلين والذراري وسلب الأموال والذلة. "وذلكَ جزاءُ الكافرينَ" يقول: هذا الذي فعلنا بهم من القتل والسبي جزاء الكافرين، يقول: هو ثواب أهل جحود وحدانيته ورسالة رسوله...

لطائف الإشارات للقشيري 465 هـ :

السكينةُ: ثَلَجُ القلب عند جريان حُكْم الربِّ بنعت الطمأنينة، وخمودُ آثار البشرية بالكلية، والرضاءُ بالبادي من الغيب من غير معارضةِ اختيارٍ. والسكينة المنزلةُ على {المُؤْمِنِينَ} خمودُهم تحت جريان ما وَرَدَ من الغَيْبِ من غير كراهةِ بنوازع البشرية.

الوجيز في تفسير الكتاب العزيز للواحدي 468 هـ :

{ثم أنزل الله سكينته} وهو ما يسكن إليه القلب من لطف الله ورحمته...

الجامع لأحكام القرآن للقرطبي 671 هـ :

" أي أنزل عليهم ما يسكنهم ويذهب خوفهم، حتى اجترأوا على قتال المشركين بعد أن ولوا.

لباب التأويل في معاني التنزيل للخازن 741 هـ :

إنما كان إنزال السكينة على المؤمنين لأن الرسول صلى الله عليه وسلم ساكن القلب ليس عنده اضطراب كما حصل للمؤمنين من الهزيمة واضطراب في هذه الواقعة ثم من الله عليهم بإنزال السكينة عليهم حتى رجعوا إلى قتال عدوهم بعد الهزيمة ورسول الله صلى الله عليه وسلم ثابت لم يفر {وأنزل جنوداً لم تروها} يعني الملائكة لتثبيت المؤمنين وتشجيعهم وتخذيل المشركين وتجبينهم لا للقتال لأن الملائكة لم تقاتل إلا يوم بدر...

تفسير المنار لرشيد رضا 1354 هـ :

{ثم أنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين} السكينة اسم للحالة والهيأة النفسية الحاصلة من السكون والطمأنينة، وهي ضد الاضطراب والانزعاج، وتطلق كما في المصباح على الرزانة والمهابة والوقار. والمعنى أن الله تعالى أفرغ من سماء عزته وقدرته سكينته اللدنية على رسوله بعد أن عرض له ما عرض من الأسف والحزن على أصحابه عند وقوع الهزيمة لهم، على أنه ثبت كالطود الراسي نفسا، ولم يزدد إلا شجاعة وإقداما وبأسا، وعلى المؤمنين الذين ثبتوا معه وأحاطوا ببغلته- وقليل ما هم في ذلك الجيش اللهام- كما يعلم هذا وذاك من الروايات الصحيحة الآتية، ثم على سائر المؤمنين الصادقين فأذهب روعهم، وأزال حيرتهم واضطرابهم، وعاد إليهم ما كان زال أو زلزل من ثباتهم وشجاعتهم، ولا سيما عند ما سمعوا نداءه صلى الله عليه وسلم ونداء العباس يدعوهم إلى نبيهم بأمره كما يأتي، وإنما قال: (وعلى المؤمنين) ولم يقل وعليكم لأن الخطاب للجماعة، وفيهم بقية من المنافقين وضعفاء الإيمان كما تقدم، وستأتي شواهده في الروايات الصحيحة. فيا لله العجب من هذه الدقة في بلاغة القرآن.

{وأنزل جنودا لم تروها} أي وأنزل مع هذه السكينة جنودا روحانية من الملائكة لم تروها بأبصاركم، وإنما وجدتم أثرها في قلوبكم، بما عاد إليها من ثبات الجأش، وشدة البأس.

{وعذّب الذين كفروا} بالقتل والأسر والسبي، وذلك منتهى الغلب والخزي.

{وذلك جزاء الكافرين} في الدنيا بكفرهم ما داموا يستحبون الكفر على الإيمان ويعادون أهله ويقاتلونهم عليه، كما وعدكم فيمن بقي منهم بقوله من هذا السياق أو البلاغ {قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم ويخزهم وينصركم عليهم} [التوبة:14] الآية. ويدخل في هذا الجزاء من كان حاله مثل حال أولئك الكافرين في قتال من كان على هدي أولئك المؤمنين إلى يوم الدين.

في ظلال القرآن لسيد قطب 1387 هـ :

وكأنما السكينة رداء ينزل فيثبت القلوب الطائرة ويهدئ الانفعالات الثائرة. (وأنزل جنودا لم تروها).. فلا نعلم ماهيتها وطبيعتها.. وما يعلم جنود ربك إلا هو.

التحرير والتنوير لابن عاشور 1393 هـ :

عطف على قوله: {ويوم حنين إذ أعجبتكم كثرتكم} [التوبة: 25].

و {ثم} دالّة على التراخي الرتبي فإنّ نزول السكينة ونزول الملائكة أعظم من النصر الأول يوم حنين، على أنّ التراخي الزمني مراد؛ تنزيلاً لعظم الشدة وهول المصيبة منزلة طول مدّتها، فإن أزمان الشدّة تخيّل طويلة وإن قَصُرت.

والسكينة: الثبات واطمئنان النفس وقد تقدّم بيانها عند قوله تعالى: {أن يأتيكم التابوت فيه سكينة من ربكم} في سورة البقرة (248)، وتعليقها بإنزال الله، وإضافتها إلى ضميره: تنويه بشأنها وبركتها، وإشارة إلى أنّها سكينة خارقة للعادة ليست لها أسباب ومقدّمات ظاهرة، وإنّما حصلت بمحض تقدير الله وتكوينه أُنُفاً كرامةً لنبيئه وإجابة لندائِه الناسَ، ولذلك قدّم ذكر الرسول قبل ذكر المؤمنين.

وإعادة حرف {على} بعد حرف العطف: تنبيه على تجديد تعليق الفعل بالمجرور الثاني للإيماء إلى التفاوت بين السكينتين: فسكينة الرسول عليه الصلاة والسلام سكينة اطمئنان على المسلمين الذين معه وثقة بالنصر، وسكينة المؤمنين سكينة ثبات وشجاعة بعد الجزع والخوف.

والجنود جمع جند. والجند اسم جَمع لا واحد له من لفظه، وهو الجماعة المهيّئة للحرب، وواحدهُ بياء النسب: جُندي، وقد تقدّم عند قوله تعالى: {فلما فصل طالوت بالجنود} في سورة البقرة (249). وقد يطلق الجند على الأمّة العظيمة ذات القوة، كما في قوله تعالى: {هل أتاك حديث الجنود فرعون وثمود} في سورة البروج (17، 18) والمراد بالجنود هنا جماعات من الملائكة موكّلون بهزيمة المشركين كما دلّ عليه فعل أنزل، أي أرسلها الله لنصرة المؤمنين وإلقاء الرعب في قلوب المشركين، ولذلك قال: {لم تروها} ولكون الملائكة ملائكةَ النصر أطلق عليها اسم الجنود.

وتعذيبه الذين كفروا: هو تعذيب القتل والأسر والسبي.

والإشارة ب {وذلك جزاء الكافرين} إلى العذاب المأخوذ من {عَذَّب.