تيسير التفسير لإبراهيم القطان - إبراهيم القطان [إخفاء]  
{۞وَمِنۡ أَهۡلِ ٱلۡكِتَٰبِ مَنۡ إِن تَأۡمَنۡهُ بِقِنطَارٖ يُؤَدِّهِۦٓ إِلَيۡكَ وَمِنۡهُم مَّنۡ إِن تَأۡمَنۡهُ بِدِينَارٖ لَّا يُؤَدِّهِۦٓ إِلَيۡكَ إِلَّا مَا دُمۡتَ عَلَيۡهِ قَآئِمٗاۗ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمۡ قَالُواْ لَيۡسَ عَلَيۡنَا فِي ٱلۡأُمِّيِّـۧنَ سَبِيلٞ وَيَقُولُونَ عَلَى ٱللَّهِ ٱلۡكَذِبَ وَهُمۡ يَعۡلَمُونَ} (75)

القنطار : مائة رطل والمراد هنا العدد الكثير .

الأميون : غير اليهود ، وهنا العرب . ليس علينا في الأميين سبيل : لا مؤاخذة علينا مهما اغتصبنا من حقوقهم .

بعد أن بيّن الله سلوك أهل الكتاب في الاعتقاد ، بيّن لنا هنا سلوكهم في المال والمعاملات ، فقال : إن منهم طائفة تشاكس المسلمين وتكيد لهم ليرجعوا عن دينهم ، وأخرى تستحلّ أكل أموالهم . وهي تزعم أن توراتهم لم تنههم إلا عن خيانة بني إسرائيل وحدهم . لكن ذلك ليس عاماً ، فمنهم أفراد كعبد الله ابن سلام ، استودعه قرشيّ ألفا ومائتي أوقية من الذهب فأداها إليه . ومع هذا فإن أغلب اليهود يستحلّون مال كل من لم يكن يهودياً . ينطلقون في ذلك من زعم أن غيرهم من العرب محتقر ، فلا حقوق لهم ، وليس على اليهود ذنب في أي إجرام يأتونه ضدهم . وهذه حال إسرائيل في الوقت الحاضر . ومعها النصارى المتهّودون في أمريكا ، وعملاؤهم من الحكام في دول أخرى .

روى ابن جرير في التفسير ، قال : «بايع اليهودَ رجال من المسلمين في الجاهلية ، فلما أسلموا تقاضَوهم ثمن بضاعتهم ، فقالوا : ليس لكم علينا أمانة ، ولا قضاء لكم عندنا ، لأنكم غيّرتم دينكم الذي كنتم عليه . وادّعوا أنهم وجدوا ذلك في كتابهم » .

روي عن سعيد بن جبير أن النبي صلى الله عليه وسلم لما نزلت هذه الآية قال : «كذب أعداءُ الله : ما من شيء كان في الجاهلية إلا وهو تحت قدميّ إلا الأمانة فإنها مؤداة إلى البر والفاجر » .

ويقولون على الله الكذب متعمّدين في ذلك ، لأن ما جاء من عند الله فهو في كتابهم التوراة ، وهي بين أيديهم ، وليس فيها خيانة غير اليهود ولا أكل أموالهم بالباطل . بل إن في كتابهم «عليكم في الأميين سبيل » ، وعليكم الوفاء بعقودكم المؤجلة والأمانات . والقرآن لا يظلم اليهود بهذا القول ، فإن التلمود عندهم مقدّس أكثر من التوراة ، وفيه جاءت هذه النصوص .

يقول الدكتور روهلنج في كتابه «الكنز المرصود في قواعد التلمود » ترجمة الدكتور يوسف نصر الله : «لم يكتفِ اليهود بما جاء في توراتهم من تعاليم خبيثة تبيح الغدر والمكر وسفك الدماء ، فأخذ الربيّون والحاخامات يفسرون التوراة حسب أهوائهم وبالشكل الذي يرضي غرائزهم الشريرة ونزوعَهم إلى عمل المنكرات واستعلاءهم على بقية أجناس البشر . . . الخ . . . » .

ويقدّس اليهود التلمود ويعتبرونه أهم من التوراة . وهم يرون أن من احتقر أقوال الحاخامات استحق الموت ، وأنه لا خلاص لمن ترك تعاليم التلمود واشتغل بالتوراة وحدها ، لأن أقوال علماء التلمود أفضل مما جاء في شريعة موسى .

وقد أورد الدكتور روهلنج في كتابه المذكور نخبة من تعاليم التلمود تفضح اليهود وتبين فساد عقيدتهم ، ومنها ما معناه «ليس علينا في الأميّين سبيل » هذه .

ومن النصوص التي أوردها الدكتور روهلنج ما يأتي : «الإسرائيلي عند الله أرفع من الملائكة ، فإذا ضرب أميّ إسرائيلياً فكأنه ضرب العزة الإلَهية ، ويستحق الموت . ولو لم يُخلق اليهود لانعدمت البركة من الأرض ولما خُلقت الأمطار والشمس . والفرق بين درجة الإنسان والحيوان كالفرق بين اليهودي وباقي الشعوب » . وهذا ما يطبقه النصارى المتهّودون في أوروبا وأمريكا في الوقت الحاضر . أما نصارى العرب فمواطنون لنا ، لهم ما لنا ، وعليهم ما علينا .

وهناك نصوص كثيرة تقشعر منها الأبدان ، فمن أراد الزيادة فليرجع إلى كتاب «الكنز المرصود » وأمثاله .

قراءات :

قرأ حمزة وأبو بكر وأبو عمرو «يؤده » و «لا يؤده » بإسكان الهاء ، وقرأ قالون باختلاس كسرة الهاء فيهما . وكذا روي عن حفص . وقرأ الباقون بإشباع الكسرة في الهاء .

 
روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{۞وَمِنۡ أَهۡلِ ٱلۡكِتَٰبِ مَنۡ إِن تَأۡمَنۡهُ بِقِنطَارٖ يُؤَدِّهِۦٓ إِلَيۡكَ وَمِنۡهُم مَّنۡ إِن تَأۡمَنۡهُ بِدِينَارٖ لَّا يُؤَدِّهِۦٓ إِلَيۡكَ إِلَّا مَا دُمۡتَ عَلَيۡهِ قَآئِمٗاۗ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمۡ قَالُواْ لَيۡسَ عَلَيۡنَا فِي ٱلۡأُمِّيِّـۧنَ سَبِيلٞ وَيَقُولُونَ عَلَى ٱللَّهِ ٱلۡكَذِبَ وَهُمۡ يَعۡلَمُونَ} (75)

{ وَمِنْ أَهْلِ الكتاب مَنْ إِن تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدّهِ إِلَيْكَ } شروع في بيان نوع آخر من معايبهم ، و { تَأْمَنْهُ } من أمنته بمعنى ائتمنته والباء قيل : بمعنى على ، وقيل : بمعنى في أي في حفظ قنطار والقنطار ، تقدم قنطارمن الكلام فيه ، يروى أن عبد الله بن سلام استودعه قرشي ألفاً ومائتي أوقية ذهباً فأداه إليه . { وَمِنْهُمْ مَّنْ إِن تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لاَّ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ } كفنحاص بن عازوراء فإنه يروى أنه استودعه قرشي آخر ديناراً فجحده ، وقيل : المأمون على الكثير النصارى ؛ إذ الغالب فيهم الأمانة ، والخائنون في القليل اليهود ؛ إذ الغالب عليهم الخيانة ، وروي هذا عن عكرمة ، و الدينار لفظ أعجمي وياؤه بدل عن نون وأصله دنار فأبدل أول المثلين ياءاً لوقوعه بعد كسرة ، ويدل على الأصل جمعه على دنانير فإن الجمع يردّ الشيء إلى أصله ، وهو في المشهور أربعة وعشرون قيراطاً والقيراط ثلاث حبات من وسط الشعير فمجموعه اثنتان وسبعون حبة قالوا : ولم يختلف جاهلية ولا إسلاماً ، ومن الغريب ما أخرجه ابن أبي حاتم عن مالك بن دينار أنه قال : إنما سمي الدينار ديناراً لأنه دين ونار ومعناه أن من أخذه بحقه فهو دينه ، ومن أخذه بغير حقه فله النار ، ولعله إبداء إشارة من هذا اللفظ لا أنه في نفس الأمر كذلك كما لا يخفى على مالك درهم من عقل فضلاً عن مالك دينار وقرىء { يُؤَدّهِ } بكسر الهاء مع وصلها بياء في اللفظ وبالكسر من غير ياء ، وبالإسكان إجراءاً للوصل مجرى الوقف وبضم الهاء ووصلها بواو في اللفظ وبضمها من غير واو .

{ إِلاَّ مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا } استثناء من أعم الأحوال أو الأوقات أي : لا يؤده إليك في حال من الأحوال ، أو في وقت من الأوقات إلا في حال دوام قيامك ، أو في وقت دوام قيامك ، والقيام مجاز عن المبالغة في المطالبة ، وفسره ابن عباس رضي الله تعالى عنهما بالإلحاح ، والسدي بالملازمة والاجتماع معه ، والحسن بالملازمة والتقاضي ، والجمهور على ضم دال دمت فهو عندهم كقلت ، وقرىء بكسر الدال فهو حينئذٍ على وزان خفت وهو لغة ، والمضارع على اللغة الأولى : يدوم كيقوم ، وعلى الثانية : يدام كيخاف { ذلك } أي ترك الأداء المدلول عليه بقوله سبحانه وتعالى : { لاَّ يُؤَدِّهِ } . { بِأَنَّهُمْ قَالُواْ } ضمير الجمع عائد على { مِنْ } في { مَّنْ إِن تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ } وجمع حملاً على المعنى والباء للسببية أي بسبب قولهم { لَيْسَ عَلَيْنَا في الاميين سَبِيلٌ } أي ليس علينا فيما أصبناه من أموال العرب عتاب وذم . / أخرج ابن جرير عن ابن جريج قال : بايع اليهود رجالا من المسلمين في الجاهلية فلما أسلموا تقاضوهم عن بيوعهم فقالوا : ليس علينا أمانة ولا قضاء لكم عندنا ؛ لأنكم تركتم دينكم الذي كنتم عليه وادعوا أنهم وجدوا ذلك في كتابهم فقال الله تعالى : { وَيَقُولُونَ عَلَى الله الكذب وَهُمْ يَعْلَمُونَ } أي أنهم كاذبون ، وقال الكلبي : قالت اليهود : الأموال كلها كانت لنا فما في أيدي العرب منها فهو لنا وأنهم ظلمونا وغصبونا فلا إثم علينا في أخذ أموالنا منهم ، وأخرج ابن المنذر وغيره عن سعيد بن جبير قال : «لما نزلت { وَمِنْ أَهْلِ الكتاب } إلى قوله سبحانه : { ذلك بِأَنَّهُمْ قَالُواْ لَيْسَ عَلَيْنَا في الاميين سَبِيلٌ } قال النبي صلى الله عليه وسلم :

«كذب أعداء الله ما من شيء كان في الجاهلية إلا وهو تحت قدمي هاتين إلا الأمانة فإنها مؤداة إلى البر والفاجر » والجار والمجرور متعلق بيقولون ، والمراد يفترون ، ويجوز أن يكون حالاً من الكذب مقدماً عليه ، ولم يجوز أبو البقاء تعلقه به ؛ لأن الصلة لا تتقدم على الموصول ، وأجازه غيره لأنه كالظرف يتوسع فيه ما لا يتوسع في غيره .

 
تيسير الكريم المنان في تفسير القرآن لابن سعدي - ابن سعدي [إخفاء]  
{۞وَمِنۡ أَهۡلِ ٱلۡكِتَٰبِ مَنۡ إِن تَأۡمَنۡهُ بِقِنطَارٖ يُؤَدِّهِۦٓ إِلَيۡكَ وَمِنۡهُم مَّنۡ إِن تَأۡمَنۡهُ بِدِينَارٖ لَّا يُؤَدِّهِۦٓ إِلَيۡكَ إِلَّا مَا دُمۡتَ عَلَيۡهِ قَآئِمٗاۗ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمۡ قَالُواْ لَيۡسَ عَلَيۡنَا فِي ٱلۡأُمِّيِّـۧنَ سَبِيلٞ وَيَقُولُونَ عَلَى ٱللَّهِ ٱلۡكَذِبَ وَهُمۡ يَعۡلَمُونَ} (75)

{ وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لَا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ * بَلَى مَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ وَاتَّقَى فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ * إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ }

يخبر تعالى عن حال أهل الكتاب في الوفاء والخيانة في الأموال ، لما ذكر خيانتهم في الدين ومكرهم وكتمهم الحق ، فأخبر أن منهم الخائن والأمين ، وأن منهم { من إن تأمنه بقنطار } وهو المال الكثير { يؤده } وهو على أداء ما دونه من باب أولى ، ومنهم { من إن تأمنه بدينار لا يؤده إليك } وهو على عدم أداء ما فوقه من باب أولى وأحرى ، والذي أوجب لهم الخيانة وعدم الوفاء إليكم بأنهم زعموا أنه { ليس } عليهم { في الأميين سبيل } أي : ليس عليهم إثم في عدم أداء أموالهم إليهم ، لأنهم بزعمهم الفاسد ورأيهم الكاسد قد احتقروهم غاية الاحتقار ، ورأوا أنفسهم في غاية العظمة ، وهم الأذلاء الأحقرون ، فلم يجعلوا للأميين حرمة ، وأجازوا ذلك ، فجمعوا بين أكل الحرام واعتقاد حله وكان هذا كذبا على الله ، لأن العالم الذي يحلل الأشياء المحرمة قد كان عند الناس معلوم أنه يخبر عن حكم الله ليس يخبر عن نفسه ، وذلك هو الكذب ، فلهذا قال

{ ويقولون على الله الكذب وهم يعلمون } وهذا أعظم إثما من القول على الله بلا علم .