الهداية إلى بلوغ النهاية لمكي بن ابي طالب - مكي ابن أبي طالب  
{۞وَمِنۡ أَهۡلِ ٱلۡكِتَٰبِ مَنۡ إِن تَأۡمَنۡهُ بِقِنطَارٖ يُؤَدِّهِۦٓ إِلَيۡكَ وَمِنۡهُم مَّنۡ إِن تَأۡمَنۡهُ بِدِينَارٖ لَّا يُؤَدِّهِۦٓ إِلَيۡكَ إِلَّا مَا دُمۡتَ عَلَيۡهِ قَآئِمٗاۗ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمۡ قَالُواْ لَيۡسَ عَلَيۡنَا فِي ٱلۡأُمِّيِّـۧنَ سَبِيلٞ وَيَقُولُونَ عَلَى ٱللَّهِ ٱلۡكَذِبَ وَهُمۡ يَعۡلَمُونَ} (75)

قوله : ( وَمِنَ اَهْلِ الْكِتَابِ مَنِ اِن تَامَنْهُ بِقِنْطَارٍ ) الآية [ 75 ] .

وجه من قرأ بالإسكان في يؤده( {[10231]} ) وشبهه أنها لغة العرب يسكنون الهاء كما يسكنون الميم في أنتم ، ورأيتم ، وأنشد الفراء : " فيصلح اليوم ويفسده غداً " ( {[10232]} ) وأنشد الأخفش وغيره :

بيت لدى البيت العتيق أخيله ومطواي مشتقاقان له ارقان( {[10233]} ) .

وبعض النحويين( {[10234]} ) لا يجيزه إلا في الشعر ، وبعضهم يمنعهم البتة( {[10235]} ) . وعد المبرد إسكان الهاء لحناً( {[10236]} ) .

وقيل : اسكنت( {[10237]} ) الهاء على التوهم أن الجزم عليها وقع( {[10238]} ) .

وقد روي عن أبي عمرو : الاختلاس( {[10239]} ) ، وهو اختيار أهل النظر .

ومعنى الآية أن الله أخبر أن من أهل الكتاب المؤتمن ومنهم الخائن ، والناس لا يميزون الخائن منهم ، فصارت الفائدة أنها تحذير من الله للمؤمنين أن يأتمنوهم لأن منهم الخائن وغيره ، وهم لا يميزون ذلك فاجتنابهم أخلص( {[10240]} ) .

ومعنى ( إِلاَّ مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِماً ) : إلا أن تلح عليه بالتقاضي والمطالبة .

والباء في بقنطار " و " بدينار بمعنى على ، وهما يتعاقبان في مثل هذا( {[10241]} ) .

وقيل : معنى ( إِلاَّ مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِماً ) أي : يقر بالأمانة ما دمت قائماً على رأسه في وقت عطائها ، فإذا ذهب ثم جئت تطلبها كابرك( {[10242]} ) وجحدك( {[10243]} ) .

وقيل : قائماً بمعنى ثابتاً لازماً له( {[10244]} ) ، حكى سيبويه : قام بمعنى ثبت( {[10245]} ) .

قوله [ ذلك ]( {[10246]} ) لأنهم قالوا : أي : فعلهم ذلك ( و )( {[10247]} ) أمرهم ذلك ومعناه ، فعلوا ذلك لأنهم يقولون : لا حرج علينا فيما أصبنا من أموال العرب لأنهم على غير حق ، قال ذلك قتادة .

وقال ابن جريج : كان لرجل( {[10248]} ) من المسلمين على اليهود( {[10249]} ) ديون داينهم بها قبل أن يسلموا ، فلما أسلموا طالبوهم بها فقال اليهود : ليس لكم علينا أمانة( {[10250]} ) ، ولا قضاء لأنكم تركتم دينكم الذي ( كنتم )( {[10251]} ) عليه ، وإنما كان( {[10252]} ) حقوقكم واجبة علينا في الأمانة( {[10253]} ) ، وغيرها قبل أن ترجعوا عن دينكم ، فلما تركتم دينكم ورجعتم إلى الإسلام لم تلزمنا لكم حقوق ولا أداء أمانة ، وادعوا أنهم يجدون ذلك في كتابهم ، فرد الله عليه قولهم بقوله عقب الآية : ( وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ )( {[10254]} ) .

وعنوا بالأميين العرب ، نسبوا إلى ما عليه الأمة قبل أن يتعلموا الكتابة .

وقيل : نسبوا إلى الأم لأنها لا تعرف( {[10255]} ) تكتب( {[10256]} ) .

وقيل : نسبوا إلى أم القرى ، وهي مكة .


[10231]:- في يؤده اليك "خمس قراءات". (أ): يؤديهي إليك هي قراءة الجمهور ونافع وابن كثير والكسائي، (ب): يؤده اليك بكسر الهاء ومن غير ياء هي قراءة يزيد بن القعاع. (ج): يؤدهو إليك بضم الهاء والواو وهي قراءة مجاهد وقتادة وحميد، (د): يؤده بضم الدال من غير واو وهي قراءة ابن المنذر والزهري، (هـ): يؤده إليك بسكون الهاء وهي قراءة حمزة وعاصم والأعمش وأبي عمرو، بالوقف على الهاء. انظر: معاني الفراء 1/223 ومعاني الزجاج 1/431، والسبعة 207، وإعراب النحاس 1/344، وحجة القراءات 166، والكشف 1/349، والعنوان 80.
[10232]:- استشهد الفراء بهذا الرجز عند شرح قوله تعالى (أَرْجِهِ وَأَخَاهُ) الأعراف 111، على أن من العرب من يسكنون الهاء ويقفون عليها إذا حرك ما قبلها، ولم يعرف لهذا الرجز قائل. انظر: معاني الفراء 1/380.
[10233]:- البيت من البحر الطويل من قصيدة مطلعها: "ألا ليت حاجاتي اللواتي" وهي للشاعر يعلى ابن مسلم بن أبي قيس اليشكري الأزدي توفي 90 هـ، شاعر أموي اشتهر بقصيدته هاته والتي قالها وهو محبوس في مكة من قبل نافع بن علقمة في خلافة مروان، وفي الأغاني أنه كان خليعاً فانكاً، انظر: الأغاني 22/143، والأعلام 8/204، والشاهد في البيت هو تسكين هاء الإضمار في أخيله جعلها ابن السراج من قبل الضرورة، وقيل هي لغة أزد الشراة. انظر: معاني الأخفش 179، واللسان 15/287، وخزانة الأدب 2/401.
[10234]:- منهم ابن السراج. انظر: إعراب النحاس 1/345.
[10235]:- (د): البين.
[10236]:- انظر: المقتضب 1/39-267.
[10237]:- (د): وقيل إن سكنت.
[10238]:- هي قراءة أبي عمرو وعاصم وحمزة والأعمش. انظر: معاني الفراء 1/223، وانظر: معاني الزجاج 1/231.
[10239]:- الاختلاس لغة، الاستلاب، وفي عرف القراء هو الإتيان بالحركة دون مد. انظر: الحجة 111 واللسان 6/65 واستبعد الزجاج والنحاس أن يصدر ذلك عن أبي عمرو وهو غلط. انظر: معاني الزجاج 1/432 وإعراب النحاس 1/345. وصحح أبو حيان الغلط بأن قراءة أبي عمرو هي من القراءات السبع، وهي متواترة ويكفي أنها منقولة عن إمام البصريين، ولم يكن ليذهب عنه جواز مثل هذا، انظر: البحر 2/394.
[10240]:- انظر: جامع البيان 3/317.
[10241]:- مذهب الكوفيين يجيز إنابة الحروف بعضها عن بعض. انظر: معاني الأخفش 1/411، والفرق بين أن نقول بقنطار أو على قنطار أن معنى الباء إلصاق الأمانة، ومعنى على استعلاء الأمانة وهما يتعاقبان في هذا الموضع لتقارب المعنى. انظر: المغني لابن هشام 154.
[10242]:- (د): وتجدك.
[10243]:- انظر: جامع البيان 3/317.
[10244]:- أراد بالقيام إدامة المطالبة والملازمة والاقتضاء، انظر: تأويل المشكل 181، والعمدة 104 والجامع للأحكام 4/111، واللسان (قام) 12/497.
[10245]:- يجيء القيام بمعنى الوقوف والثبات يقال ثبت فلان في المكان إذا قام به، انظر: المفردات 432 واللسان (ثبت) 2/12 و12/497.
[10246]:- ساقط من (أ) (ج).
[10247]:- ساقط من (ب) (د).
[10248]:- (د): الرجال.
[10249]:- (د): اليهوديون ديونهم.
[10250]:- (د): إمامة.
[10251]:- ساقط من (ج).
[10252]:- كذا في كل النسخ وهو خطأ صوابه كانت حقوقكم.
[10253]:- (د): الإمامة.
[10254]:- جامع البيان 3/319 والدر المنثور 2/244.
[10255]:- (أ): تعارف وهو خطأ.
[10256]:- كذا في كل النسخ.