فتح البيان في مقاصد القرآن للقنوجي - صديق حسن خان  
{۞وَمِنۡ أَهۡلِ ٱلۡكِتَٰبِ مَنۡ إِن تَأۡمَنۡهُ بِقِنطَارٖ يُؤَدِّهِۦٓ إِلَيۡكَ وَمِنۡهُم مَّنۡ إِن تَأۡمَنۡهُ بِدِينَارٖ لَّا يُؤَدِّهِۦٓ إِلَيۡكَ إِلَّا مَا دُمۡتَ عَلَيۡهِ قَآئِمٗاۗ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمۡ قَالُواْ لَيۡسَ عَلَيۡنَا فِي ٱلۡأُمِّيِّـۧنَ سَبِيلٞ وَيَقُولُونَ عَلَى ٱللَّهِ ٱلۡكَذِبَ وَهُمۡ يَعۡلَمُونَ} (75)

( ومن أهل الكتاب من إن تامنه بقنطار يؤده إليك ومنهم من إن تأمنه بدينار لا يؤده إليك إلا مادمت عليه قائما ذلك بأنهم قالوا ليس علينا في الأميين سبيل ويقولون على الله الكذب وهم يعلمون75 بلى من أوفى بعهده واتقى فإن الله يحب المتقين76

( ومن أهل الكتاب من إن تأمنه بقنطار يؤده إليك ومنهم من إن تأمنه بدينار لا يؤده إليك ) هذا شروع في بيان خيانة اليهود في المال بعد بيان خيانتهم في الدين ، وقد تقدم تفسير القنطار ، والدينار معروف ، قالوا ولم يختلف وزنه أصلا وهو أربعة وعشرون قيراطا ، كل قيراط ثلاث شعيرات معتدلات فالمجموع اثنتان وسبعون شعيرة .

ومعنى الآية أن أهل الكتاب فيهم الأمين الذي يؤدي أمانته ، وإن كانت كثيرة{[336]} ، وفيهم الخائن الذي لا يؤدي أمانته وإن كانت حقيرة ، ومن كان أمينا في الكثير فهو في القليل أمين بالأولى ، ومن كان خائنا في القليل فهو في الكثير خائن بالأولى ، وقال عكرمة : المؤدي النصارى ، والذي لا يؤدي اليهود ( إلا ما دمت عليه قائما ) استثناء مفرغ أي لايؤده إليك في حال من الأحوال إلا مادمت مطالبا له مضيقا عليه متضايقا لرده .

( ذلك ) أي ترك الأداء المدلول عليه بقوله لا يؤده ( بأنهم قالوا ليس علينا في الأميين سبيل ) الأميون هم العرب الذين ليسوا بأهل كتاب أي ليس علينا فيما أصبنا من مال العرب سبيل ، قاله قتادة وعن السدى نحوه ، أو ليس علينا في ظلمهم حرج لمخالفتهم لنا في ديننا ، وادعوا ، لعنهم الله ، أن ذلك في كتابهم ، فرد الله سبحانه عليهم بقوله ( ويقولون على الله الكذب وهم يعلمون ) .

عن سعيد بن جبير عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : كذب أعداء الله ما من شيء كان في الجاهلية إلا وهو تحت قدمي هاتين إلا الأمانة فإنها مؤداة إلى البر والفاجر{[337]} ، أخرجه الطبراني وغيره مرسلا .


[336]:هذا من إنصاف القرآن حيث يشهد بالخير لبعض الطوائف الأخرى.
[337]:أبو داود الباب 56 من كتاب المناسك، ابن ماجه باب 76 كتاب المناسك. قال القرطبي 4/117:الأمانة عظيمة القدر في الدين، ومن عظم قدرها انها تقوم هي والرحم على جنبتي الصراط؛ كما في صحيح مسلم. فلا يمكن من الجواز إلا من حفظهما. وروى مسلم عن حذيفة قال حدثنا النبي صلى الله عليه وسلم عن رفع الأمانة، قال:"ينام الرجل النومة فتقبض الأمانة من قلبه"الحديث. وقد تقدم بكماله أول البقرة.وروى ابن ماجه حدثنا محمد ابن المصفى حدثنا محمد بن حرب عن سعيد بن سنان عن أبي الزاهرية عن أبي شجرة كثير ابن مرة عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"إن الله عز وجل إذا أراد أن يهلك عبدا نزع منه الحياء فإذا نزع منه الحياء لم تلقه إلا مقيتا ممقتا فإذا لم تلقه إلا مقيتا ممقتا نزعت منه الأمانة فإذا نزعت منه الأمانة لم تلقه إلا خائنا مخونا.