تيسير التفسير لإبراهيم القطان - إبراهيم القطان [إخفاء]  
{وَإِذۡ قَالَ عِيسَى ٱبۡنُ مَرۡيَمَ يَٰبَنِيٓ إِسۡرَـٰٓءِيلَ إِنِّي رَسُولُ ٱللَّهِ إِلَيۡكُم مُّصَدِّقٗا لِّمَا بَيۡنَ يَدَيَّ مِنَ ٱلتَّوۡرَىٰةِ وَمُبَشِّرَۢا بِرَسُولٖ يَأۡتِي مِنۢ بَعۡدِي ٱسۡمُهُۥٓ أَحۡمَدُۖ فَلَمَّا جَآءَهُم بِٱلۡبَيِّنَٰتِ قَالُواْ هَٰذَا سِحۡرٞ مُّبِينٞ} (6)

وأتى بمثلٍ آخر يشبه حالَهم ، وهو بنو إسرائيل حين قال لهم عيسى : إني رسولُ الله وإني مصدّقٌ بالتوراة ، وجاءهم بالبينات والمعجزات الدالة على صدقه ، وإني مبشِّر برسولٍ سيأتي من بعدي اسمه أحمد ، وقد جاء هذا التبشير صريحا في التوراة والإنجيل .

{ فَلَمَّا جَاءَهُم بالبينات قَالُواْ هذا سِحْرٌ مُّبِينٌ } ، فلمّا جاء الرسولُ الكريم أحمدُ ، عليه صلوات الله وسلامه ، بالأدلة الواضحة والمعجزات الباهرة ، كذّبوه وقالوا : هذا الذي جئتنا به سحرٌ مبين .

ومثلُ هذه الآية قوله تعالى : { الذين يَتَّبِعُونَ الرسول النبي الأمي الذي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِندَهُمْ فِي التوراة والإنجيل } [ الأعراف : 157 ] .

وفي هذا تسلية لرسوله الكريم على ما أصابه من قومه ومن غيرهم من الجاحدين ، وأن الأنبياء مِن قبله نالهم الأذى وكذّبهم أقوامهم . وفيه أيضا تهذيبٌ وتربية للمؤمنين بأن لا يؤذوا النبي بل يُخلِصوا في إيمانهم .

 
روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{وَإِذۡ قَالَ عِيسَى ٱبۡنُ مَرۡيَمَ يَٰبَنِيٓ إِسۡرَـٰٓءِيلَ إِنِّي رَسُولُ ٱللَّهِ إِلَيۡكُم مُّصَدِّقٗا لِّمَا بَيۡنَ يَدَيَّ مِنَ ٱلتَّوۡرَىٰةِ وَمُبَشِّرَۢا بِرَسُولٖ يَأۡتِي مِنۢ بَعۡدِي ٱسۡمُهُۥٓ أَحۡمَدُۖ فَلَمَّا جَآءَهُم بِٱلۡبَيِّنَٰتِ قَالُواْ هَٰذَا سِحۡرٞ مُّبِينٞ} (6)

{ وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابن مَرْيَمَ } إما معطوف على { إذ } [ الصف : 5 ] الأولى معمول لعاملها ، وإما معمول لمضمر معطوف على عاملها { يا بَنِي إسرائيل } ولعله عليه السلام لم يقل { إِنَّ قَوْمِى } كما قال موسى عليه السلام بل قال : { مَعِي بَنِي إسرائيل } لأنه ليس له النسب المعتاد وهو ما كان من قبل الأب فيهم ، أو إشارة إلى أنه عامل بالتوراة وأنه مثلهم في أنه من قوم موسى عليه السلام هضماً لنفسه بأنه لا أتباع له ولا قوم ، وفيه من الاستعطاف ما فيه ، وقيل : إن الاستعطاف بما ذكر لما فيه من التعظيم ، وقد كانوا يفتخرون بنسبتهم إلى إسرائيل عليه السلام .

{ إِنّي رَسُولُ الله إِلَيْكُم مُّصَدّقاً لّمَا بَيْنَ يَدَي مِنَ التوراة } أي مرسل منه تعالى إليكم حال كوني مصدقاً ، فنصب { بيحيى مُصَدّقاً } على الحال من الضمير المستتر في { رَّسُولٍ } وهو العامل فيه ، و { إِلَيْكُمْ } متعلق به ، وهو ظرف لغو لا ضمير فيه ليكون صاحب حال ، وذكر هذا الحال لأنه من أقوى الدواعي إلى تصديقهم إياه عليه السلام ، وقوله تعالى : { وَمُبَشّراً بِرَسُولٍ يَأْتِي مِن بَعْدِي } معطوف على { مُصَدّقاً } ، وهو داع أيضاً إلى تصديقه عليه السلام من حيث أن البشارة بهذا الرسول صلى الله عليه وسلم واقعة في التوراة كقوله تعالى في الفصل العشرين من السفر الخامس : منها أقبل الله من سينا وتجلى من ساعير وظهر من جبال فاران معه الربوات الأطهار عن يمينه ، وقوله سبحانه في الفصل الحادي عشر من هذا السفر : يا موسى إني سأقيم لبني إسرائيل نبياً من إخوتهم مثلك أجعل كلامي في فيه ، ويقول لهم ما آمره فيه ، والذي لا يقبل قول ذلك النبي الذي يتكلم باسمى أنا أنتقم منه ومن سبطه إلى غير ذلك ، ويتضمن كلامه عليه السلام أن دينه التصديق بكتب الله تعالى وأنبيائه عليهم السلام جيمعاً من تقدم ومن تأخر ، وجملة { يَأْتِيَ } الخ في موضع الصفة لرسول وكذا جملة قوله تعالى : { اسمه أَحْمَدُ } وهذا الاسم الجليل علم لنبينا محمد صلى الله عليه وسلم ، وعليه قول حسان

: صلى الإله ومن يحف بعرشه *** والطيبون على المبارك أحمد

وصح من رواية مالك . والبخاري . ومسلم . والدارمي ، والترمذي . والنسائي عن جبير بن مطعم قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «إن لي أسماء أنا محمد . وأنا أحمد . وأنا الحاشر الذي يحشر الناس على قدمي . وأنا الماحي الذي يمحو الله بي الكفر . وأنا العاقب » والعاقب الذي ليس بعده نبى وهو منقول من المضارع للمتكلم . أو من أفعل التفضيل من الحامدية ، وجوز أن يكون من المحمودية بناءاً على أنه قد سمع أحمد اسم تفضيل منها نحو العود أحمد ، وإلا فأفعل من المبني للمفعول ليس بقياسي ، وقرئ { مِن بَعْدِي } بفتح الياء ، هذا وبشارته عليه السلام بنبينا صلى الله عليه وسلم مما نطق به القرآن المعجز ، فإنكار النصارى ذلك ضرب من الهذيان ، وقولهم : لو وقعت لذكرت في الانجيل الملازمة فيه ممنوعة ، وإذا سلمت قلنا : بوقوعها في الإنجيل إلا أن جامعيه بعد رفع عيسى عليه السلام أهملوها اكتفاءً بما في التوراة .

ومزامير داود عليه السلام . وكتب شعياء . وحبقوق . وأرمياء . وغيرهم من الأنبياء عليهم السلام .

ويجوز أن يكونوا قد ذكروها إلا أن علماء النصارى بعد حباً لدينهم أو لأمر ما غير ذلك أسقطوها كذا قيل ، وأنا أقول : الأناجيل التي عند النصارى أربعة : إنجيل متى من الاثنى عشر الحواريين جمعه باللغة السريانية بأرض فلسطين بعد رفع عيسى عليه السلام بثماني سنين وعدة إصحاحاته ثمانية وستون إصحاحا ، وإنجيل مرقص وهو من السبعين جمعه باللغة الفرنجية بمدينة رومية بعد الرفع باثنتي عشرة سنة وعدة إصحاحاته ثمانية وأربعون إصحاحاً ، وإنجيل لوقا وهو من السبعين أيضاً جمعه بالاسكندرية باللغة اليونانية وعدة إصحاحاته ثلاثة وثمانون إصحاحاً ، وإنجيل يوحنا وهو حبيب المسيح جمعه بمدينة إفسس من بلاد رومية بعد الرفع بثلاثين سنة وعدة إصحاحاته في النسخ القبطية ثلاثة وثلاثون إصحاحاً وهي مختلفة ، وفيها ما يشهد الانصاف بأنه ليس كلام الله عز وجل ولا كلام عيسى عليه السلام كقصة صلبه الذي يزعمونه ودفنه ورفعه من قبره إلى السماء فما هي إلا كتواريخ وتراجم فيها شرح بعض أحوال عيسى عليه السلام ولادة ورفعاً ونحو ذلك ، وبعض كلمات له عليه السلام على نحو بعض الكتب المؤلفة في بعض الأكابر والصالحين فلا يضر إهمالها بعض الأحوال ، والكلمات التي نطق القرآن العظيم بها ككلامه عليه السلام في المهد وبشارته بنبينا صلى الله عليه وسلم على أن في إنجيل يوحنا ما هو بشارة بذلك عند من أنصف وسلك الصراط السوى وما تعسفا ، ففي الفصل الحامس عشر منه قال يسوع المسيح : إن الفار قليط روح الحق الذي يرسله أبي يعلمكم كل شيء ، وقال يوحنا أيضاً : قال المسيح : من يحبني يحفظ كلمتي وأبي بحيه وإليه يأتي وعنده يتخذ المنزلة كلمتكم بهذا لأني لست عندكم بمقيم ، والفار قليط روح القدس الذي يرسله أبي هو يعلمكم كل شيء وهو يذكركم كل ما قلت لكم أستودعكم سلامي لا تقلق قلوبكم ولا تجزع فإني منطلق وعائد إليكم لو كنتم تحبوني كنتم تفرحون بمضيي إلى الأب ، وقال أيضاً : إن خيراً لكم أن أنطلق لأبي إن لم أذهب لم يأتكم الفار قليط فإذا انطلقت أرسلته إليكم فإذا جاء فهو يوبخ العالم على الخطيئة وإن لي كلاماً كثيراً أريد قوله ولكنكم لا تستطيعون حمله لكن إذا جاء روح الحق ذاك الذي يرشدكم إلى جميع الحق لأنه ليس ينطق من عنده بل يتكلم بما يسمع ويخبركم بكل ما يأتي ويعرفكم جميع ما للأب ، وقال أيضاً : إن كنتم تحبوني فاحفظوا وصاياي وأنا أطلب من الأب أن يعطيكم فار قليطاً آخر يثبت معكم إلى الأبد روح الحق الذي لم يطق العالم أن يقبلوه لأنهم لم يعرفوه ولست أدعكم أيتاماً لأني سآتيكم من قريب ، والفار قليط لفظ يؤذن بالحمد ، وتعين إرادته صلى الله عليه وسلم من كلامه عليه السلام مما لا غبار عليه لمن كشف الله تعالى غشاوة التعصب عن عينيه ، وقد فسره بعض النصارى بالحماد ، وبعضهم بالحامد فيكون في مدلوله إشارة إلى اسمه عليه الصلاة والسلام أحمد ، وفسره بعضهم بالمخلص لقوله عيسى عليه السلام : فالله يرسل مخلصاً آخر فلا يكون ما ذكر بشارة به صلى الله عليه وسلم بعنوان الحمد لكنه بشارة به صلى الله عليه وسلم بعنوان التخليص ، فيستدل به على ثبوت رسالته صلى الله عليه وسلم ، وإن لم يستدل به على ما في الآية هنا ، وزعم بعضهم أن الفار قليط إشارة إلى ألسن نارية نزلت من السماء على التلاميذ ففعلوا الآيات والعجائب ، ولا يخفي أن وصفه بآخر يأبى ذلك إذ لم يتقدم لهم غيره { فَلَمَّا جَاءَهُمْ } أي عيسى عليه السلام { بالبَيِّنَات } أي بالمعجزات الظاهرة .

{ قَالُوا هَذَا سحْرٌ مُّبينٌ } مشيرين إلى ما جاء به عليه السلام ، فالتذكير بهذا الاعتبار ، وقيل : مشيرين إليه عليه السلام وتسميته سحراً للمبالغة ، ويؤيده قراءة عبد الله . وطلحة . والأعمش . وابن وثاب هذا ساحر وكون فاعل { جاءهم } ضمير عيسى عليه السلام هو الظاهر لأنه المحدث عنه ، وقيل : هو ضمير { أحمد } عليه الصلاة والسلام لما فرغ من كلام عيسى تطرق إلى الإخبار عن أحمد صلى الله عليه وسلم أي فلما جاء أحمد هؤلاء الكفار بالبينات { قالوا } الخ .

 
التفسير الوسيط للقرآن الكريم لسيد طنطاوي - سيد طنطاوي [إخفاء]  
{وَإِذۡ قَالَ عِيسَى ٱبۡنُ مَرۡيَمَ يَٰبَنِيٓ إِسۡرَـٰٓءِيلَ إِنِّي رَسُولُ ٱللَّهِ إِلَيۡكُم مُّصَدِّقٗا لِّمَا بَيۡنَ يَدَيَّ مِنَ ٱلتَّوۡرَىٰةِ وَمُبَشِّرَۢا بِرَسُولٖ يَأۡتِي مِنۢ بَعۡدِي ٱسۡمُهُۥٓ أَحۡمَدُۖ فَلَمَّا جَآءَهُم بِٱلۡبَيِّنَٰتِ قَالُواْ هَٰذَا سِحۡرٞ مُّبِينٞ} (6)

ثم ذكر - سبحانه - جانبا مما قاله عيسى - عليه السلام - لبنى إسرائيل ، فقال - تعالى - : { وَإِذْ قَالَ عِيسَى . . . } .

أي : واذكر - أيضا - أيها الرسول الكريم - وذكِّر الناس ليعتبروا ويتعظوا ، وقت أن قال عيسى ابن مريم ، مخاطبا من أرسله الله إليهم بقوله : { يابني إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ الله إِلَيْكُم } لكى أخرجكم من ظلمات الكفر والشرك ، إلى نور الإيمان والتوحيد .

ولم يقل لهم يا قوم - كما قال لهم - موسى - عليه السلام - بل قال : { يابني إِسْرَائِيلَ } لأنه لا أب له فيهم ، وإن كانت أمه منهم ، والأنساب إنما تكون من جهة الآباء ، لا من جهة الأمهات .

وفى قوله : { إِنِّي رَسُولُ الله إِلَيْكُم } إخبار صريح منه لهم ، بأنه ليس إلها وليس ابن إله - كما زعموا وإنما هو عبد الله ورسوله .

وقوله { مُّصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التوراة } جملة حالية لإثبات حقيقة رسالته ، وحضهم على تأييده وتصديقه والإيمان به .

أي : إنى رسول الله - تعالى - إليكم بالكتاب الذى أنزله الله علىَّ وهو الإنجيل ، حال كونى مصدقا للكتاب الذى أنزله الله - تعالى - على نبيه موسى - عليه السلام - وهذا الكتاب هو التوراة ، وما دام الأمر كذلك فمن حقى عليكم ، أن تؤمنوا به ، وأن تتبعونى ، لأنى لم آتكم بشىء يخالف التوراة ، بل هى مشتملة على ما يدل على صدقى ، فكيف تعرضون عن دعوتى .

وقوله : { مُّصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيَّ } فيه نوع مجاز ، لأن ما بين يدى الإنسان هو ما أمامه ، فسمى ما مضى كذلك لغاية ظهوره واشتهاره . واللام فى " لما " لتقوية العامل ، نحوه قوله - تعالى - { فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ } وقوله - سبحاه - : { وَمُبَشِّراً بِرَسُولٍ يَأْتِي مِن بَعْدِي اسمه أَحْمَدُ } معطوف على ما قبله .

والتبشير : الإخبار بما يسر النفس ويبهجها ، بحيث يظهر أثر ذلك على بشرة الإنسان ، وكان إخباره بأن نبيا سيأتى من بعده اسمه تبشيرا ، لأنه سيأتيهم بما يسعدهم ، ويرفع الأغلال عنهم ، كما قال - تعالى - : { وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ والأغلال التي كَانَتْ عَلَيْهِمْ } ولفظ { أَحْمَدُ } اسم من أسماء نبينا - صلى الله عليه وسلم - وهو علم منقول من الصفة ، وهذه الصفة يصح أن تكون مبالغة من الفاعل . فيكون معناها : أنه - صلى الله عليه وسلم - أكثر حمدا لله - تعالى - من غيره .

ويصح أن تكون من المفعول ، فيكون معناها أنه يحمده الناس لأجل ما فيه من خصال الخير ، أكثر مما يحمدوه غيره .

قال الآلوسى : وهذا الاسم الجليل ، علم لنبينا محمد - صلى الله عليه وسلم - وصح من رواية مالك ، والبخارى ، ومسلم . . . عن جبير بن مطعم قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " إن لى أسماء ؛ أنا محمد ، وأنا أحمد ، وأنا الحاشر الذى يحشر الناس على قدمى ، وأنا الماحى الذى يمحو الله بى الكفر ، وأنا العاقب " .

وبشارة عيسى - عليه السلام - بنبينا محمد - صلى الله عليه وسلم - ثابتة ثبوتا قطعيا بهذه الآية الكريمة ، وإذا كانت بعض الأناجيل قد خلت من هذه البشارة ، فبسبب ما اعتراها من تحريف وتبديل على أيدى علماء أهل الكتاب .

ومع ذلك فقد وجدت هذه البشارة فى بعض الأناجيل ، كإنجيل يوحنا ، فى الباب الرابع عشر ، قال الإمام الرازى : فى الإصحاح الرابع عشر من إنجيل يوحنا هكذا : وأنا أطلب لكم إلى أبى ، حتى يمنحكم ويعطيكم الفارقليط حتى يكون معكم إلى الأبد .

والفارقليط هو روح الحق واليقين .

ومنهم من يرى أن لفظ فارقليط معناه باليونانية : أحمد أو محمد .

ومن أصرح الأدلة على أن صفات الرسول - صلى الله عليه وسلم - موجودة فى التوراة والإنجيل ، قوله - تعالى - { الذين يَتَّبِعُونَ الرسول النبي الأمي الذي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِندَهُمْ فِي التوراة والإنجيل } وقوله - سبحانه - : { فَلَمَّا جَاءَهُم بالبينات قَالُواْ هذا سِحْرٌ مُّبِينٌ } بيان لموقف بنى إسرائيل الجحودى من أنبياء الله - تعالى - .

والضمير فى قوله : { جَاءَهُم } يرى بعضهم أنه يعود لعيسى ، ويرى آخرون أنه يعود لمحمد - صلى الله عليه وسلم - أى : فلما جاء عيسى - عليه السلام - أو محمد - صلى الله عليه وسلم - إلى بنى إسرئيل بالآيات البينات الدالة على صدقه ، قالوا على سبيل العناد والجحود : هذا سحر واضح فى بابه . لا يخفى على أى ناظر أو متأمل .

ومن المعروف أن بنى إسرائيل قد كذبوا عيسى - عليه السلام - وكفروابه ، ونسبوا إلى أمه الطاهرة ، ما هى بريئة منه ، ومنزهة عنه .

كما كذبوا محمدا - صلى الله عليه وسلم - وكفروا به ، وصدق الله إذ يقول : { فَلَمَّا جَآءَهُمْ مَّا عَرَفُواْ كَفَرُواْ بِهِ فَلَعْنَةُ الله عَلَى الكافرين } ووصفوا ما جاء به بأنه سحر مبين ، على سبيل المبالغة فكأنهم يقولون إن ما جاء به هو السحر بعينه ، مع أنهم يعرفون أن ما جاء به هو الحق كما يعرفون أبناءهم ، ولكن ما جلبوا عليه من جحود وعناد ، حال بينهم وبين النطق بكلمة الحق .

 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{وَإِذۡ قَالَ عِيسَى ٱبۡنُ مَرۡيَمَ يَٰبَنِيٓ إِسۡرَـٰٓءِيلَ إِنِّي رَسُولُ ٱللَّهِ إِلَيۡكُم مُّصَدِّقٗا لِّمَا بَيۡنَ يَدَيَّ مِنَ ٱلتَّوۡرَىٰةِ وَمُبَشِّرَۢا بِرَسُولٖ يَأۡتِي مِنۢ بَعۡدِي ٱسۡمُهُۥٓ أَحۡمَدُۖ فَلَمَّا جَآءَهُم بِٱلۡبَيِّنَٰتِ قَالُواْ هَٰذَا سِحۡرٞ مُّبِينٞ} (6)

قوله : { وإذ قال عيسى ابن مريم يابني إسرائيل إني رسول الله إليكم } يعني واذكر قول عيسى ابن مريم لبني إسرائيل : إني مرسل إليكم من ربي أبلغكم دين الحق وأنهاكم عن الشرك والباطل وأتلو عليكم الإنجيل ، { مصدقا لما بين يديّ من التوراة } أي جئت مصدقا لكتاب الله التوراة الذي أنزله الله من قبلي على رسوله موسى ، { ومبشرا برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد } أي وأحمل لكم البشرى بالنبي العربي الأمي من بعدي واسمه أحمد . فقد كان عيسى ( عليه الصلاة والسلام ) خاتم النبيين من بني إسرائيل . وقد قام في بني إسرائيل مبشرا برسول الله محمد ، وهو أحمد صلى الله عليه وسلم وهو خاتم النبيين والمرسلين . وأحمد اسم تفضيل ومعناه أحمد الحامدين لرب العالمين وأكثر النبيين والمرسلين حمدا لله .

ونبوته صلى الله عليه وسلم حقيقة لا شك فيها . إنها حقيقة ساطعة بلجة استيقنتها قلوب أهل الكتاب أنفسهم فما يجحدها الجاحدون منهم إلا استكبارا وحسدا ونفورا من الحق واليقين ورغبة في الضلال والشر ، وإذعانا للهوى الذي يركب النفس المريضة .

قوله : { فلما جاءهم بالبينات قالوا هذا سحر مبين } لما جاء أحمد صلى الله عليه وسلم قومه بالدلالات الظاهرة والحجج الباهرة بادروه التكذيب وقالوا : إن ما جاءهم به إن هو إلا سحر ظاهر . ذلك قولهم بألسنتهم التي تصطنع الكذب والجحود اصطناعا ، وهم موقنون أن ما جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم حق ويقين ، ليس بالعبث ولا باللغو أو الهزل . فهم لا يكذبون إلا عتوّا ومكابرة وظلما{[4526]} .


[4526]:تفسير ابن كثير جـ 4 ص 360 وتفسير القرطبي جـ 18 ص 83، 84.