تيسير التفسير لإبراهيم القطان - إبراهيم القطان [إخفاء]  
{الٓمٓصٓ} (1)

مقدمة السورة:

سورة الأعراف

عدد آياتها ست ومائتان –وهي مكية . وقد روي أنها نزلت دفعة واحدة مثل سورة الأنعام ، لكن سورة الأنعام أجمع لما اشتركت فيه السورتان ، وهو أصول العقائد وكليات الدين التي قدمنا القول فيها . وسورة الأعراف بمثابة الشرح والبيان لما أوجز في سورة الأنعام ، ولا سيما عموم بعثة النبي صلى الله عليه وسلم ، وقصص الرسل قبله وأحوال أقوامهم . وقد اشتملت سورة الأنعام على بيان الخلق : { هو الذي خلقكم من طين } وبيان القرون : { كم أهلكنا من قبلهم من قرن } وعلى ذكر المرسلين وتعداد الكثير منهم . وجاءت سورة الأعراف مفصلة لذلك ، فبسطت قصة آدم ، وفصلت قصص المرسلين وأممهم وكيفية هلاكها .

الأعراف هي السورة السابعة في الترتيب المصحفي ، وهي إحدى السور التي بدئت ببعض حروف الهجاء " المص " ولم يتقدم عليها من هذا النوع سوى ثلاث سور هي " ن . ق . ص . " . ويبلغ عدد السور التي بدئت بحروف التهجي تسعا وعشرين سورة . والأعراف أول سورة طويلة نزلت من القرآن الكريم ، وأطول سورة في المكي ، وأول سورة عرضت لتفصيل قصص الأنبياء مع أممهم .

وتقصد سورة الأعراف ما تقصده كل السور المكية ، وهو تقرير أصول الدعوة الدينية : توحيد الله في العبادة والتشريع ، وتقرير البعث والجزاء ، وتقرير الوحي والرسالة بوجه عام ، وتأكيد رسالة محمد صلى الله عليه وسلم بوجه خاص . . وتلك هي أصول الدعوة الدينية التي كانت لأجلها جميع الرسالات الإلهية .

وقد أجملت السورة إلى هذه الأصول ، وإلى كل ما تضمنه القرآن الكريم في آية واحدة جاءت في أولها ، ووجه فيها الخطاب إلى كل من يصلح للخطاب ، وهي قوله تعالى : { اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم ، ولا تتبعوا من دونه أولياء } .

طلبت اتباعهم ما نزل إليهم ممن تولى تربيتهم خلقا وتنمية ، وإرشادا وهداية .

هذا مجمل الدعوة . وقد مهدت السورة لهذا الإجمال بالإرشاد إلى عظمة هذا الكتاب الذي احتواها ، وإلى الغاية التي لأجلها أنزل ، وإلى ما يجب على الرسول أن يتذرع به ليقوم بالمهمة التي ألقيت عليه كما أراد الله .

{ كتاب أنزل إليك فلا يكن في صدرك حرج منه لتنذر به وذكرى للمؤمنين } .

وقد كان المشركون يرمونه صلى الله عليه وسلم بأنه ساحر مجنون ، وأن له تابعا من الجن يحدثه بما يسميه القرآن ، ويزعم أنه من عند الله ، فأنزل الله كثيرا من الآيات يقرر بها أن القرآن وحي من عنده ، ولا يمكن أن يكون من صنع الشياطين : { وما تنزلت به الشياطين ، وما ينبغي لهم وما يستطيعون ، إنهم عن السمع لمعزولون } ، فهو تنزيل من الله الجامع لصفات الجلال والجمال من الربوبية والرحمة ، والعزة والعلم والحكمة ، { وإنه لتنزيل رب العالمين نزل به الروح الأمين على قلبك لتكون من المنذرين } إلى عدد من الآيات . والقصد منها تقوية قلبه صلى الله عليه وسلم بأن الذي أنزله إليه هو ربه ، فعليه ألا يكترث بما يقولون ، ولا بإعراضهم عنه .

ومرمى ذلك أن الداعي إلى الله ، والقائم على نشر دينه وأحكامه يجب أن يكون قوي القلب في تحمل مهمته ، مطمئن البال على حسن عاقبته ، لا يتأثر بالمخالفة ، ولا يضيق صدره بالإنكار . كما يجب على أتباعه أن يوفروا له هدوء النفس ، كي ينشط في الدعوة ، ويسير في القيادة .

وقد سلكت سورة الأعراف –بعد تحديد الدعوة على هذا الوجه- في تركيزها وحمل الناس عليها ، سبيل التذكير بالنعم ، والتخويف بالعذاب . وهما أسلوبان يكثر استخدام القرآن لهما في الدعوة ، وقلما ينفرد فيه أحدهما عن الآخر . وذلك تمشيا مع طبيعة الإنسان التي قضت أن تكتنفه عاطفة الرغبة فيما يحب ، والخوف مما يكره .

وسورة الأعراف أطول من سورة الأنعام ، ومكملة لها . ويأتي أولها صالحا لمتابعة آخر آية من سورة الأنعام ، تفصيلا لقوله تعالى : { وهو جعلكم خلائف الأرض } في آخر سورة الأنعام . لهذا صدر السورة بخلق آدم الذي جعله خليفة في الأرض ، ثم قال في قصة عاد { جعلكم خلفاء من بعد قوم نوح } وفي قصة ثمود { جعلكم خلفاء من بعد عاد } الخ . . .

ويمكن اعتبار أوجه ارتباط أول هذه السورة بآخر سورة الأنعام أنه تقدم قوله تعالى : { وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه } وقوله : { وهذا كتاب أنزلناه مبارك فاتبعوه } . فافتتح سورة الأعراف بالأمر باتباع الكتاب . { المص . كتاب أنزل إليك فلا يكن في صدرك حرج منه لتنذر به وذكرى للمؤمنين ، اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم ، ولا تتبعوا من دونه أولياء قليلا ما تذكرون } الخ . . . وسميت سورة الأعراف بقوله تعالى : { وعلى الأعراف رجال يعرفون كلا بسيماهم . . . الآية } . وسيأتي شرحها إن شاء الله .

وقد اشتملت هذه السورة على بدء الخليفة الإنسانية ، فذكرت قصة خلق آدم وحواء وخروجهما من الجنة ، وبيان شيء من الوسوسة المستمرة للإنسان في اللباس والطعام . ثم تعرضت كغيرها من سور القرآن ، إلى النظر في السماوات والأرض وما فيهما من نظام بديع .

كما تعرضت بعد ذلك لقصص النبيين : نوح وهود مع قومه عاد ، ثم لقصة صالح مع قومه ثمود الذين كانوا يتسمون بالقوة ، ولقصة لوط مع قومه ، وذكر ما كانوا يأتونه من منكرات ، ولقصة شعيب مع أهل مدين . وقد ساق الله تعالى بعد ذلك قصة موسى وما كان من أمر فرعون .

وختمت السورة بتصوير من يعطى الهداية ثم ينسلخ منها بتضليل الشيطان ، وما يكون منه ، ثم ببيان الدعوة إلى الحق التي جاء بها سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم .

بسم الله الرحمان الرحيم

المص : هذه حروف تكتب بصورة كلمة واحدة ، ولكن نقرؤها بأسماء حروفها ، فنقول : ألف . لام . ميم . صاد . هكذا .

وحكمة افتتاح هذه السورة وأمثالها بأسماء الحروف التي ليس لها معنى مفهومٌ غير مسمّاها الذي تدل عليه ، وهي تنبيهُ السامع إلى ما سيُلقى إليه بعد هذا الصوت من الكلام ، حتى لا يفوتَه منه شيء . فكأنه أداةُ استفتاحٍ بمنزلة ألا ، وهاء التنبيه .

والسوَر التي بدئت بالأحرف وبذكر الكتاب ، هي التي نزلت بمكة لدعوة المشركين إلى الإسلام ، وإثبات النبوة والوحي . أما ما نزل منها بالمدينة البقرة وآل عمران ، فالدعوة فيه موجَّهة إلى أهل الكتاب . وهكذا الحال في سورة مريم والعنكبوت والروم ، و( ص ) ، ( ن ) فإن ما فيها يتعلق بإثبات النبوّة والكتاب كالفتنة في الدين بإيذاء الضعفاء لإرجاعهم عن دينهم بالقوة القاهرة ، وكالإنباء بقصص فارسَ والروم ونصرِ الله للمؤمنين على المشركين وكان هذا من أظهر المعجزات الدالة على نبوّة محمد صلى الله عليه وسلم .

 
روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{الٓمٓصٓ} (1)

مقدمة السورة:

سورة الأعراف

بسم الله الرحمن الرحيم أخرج أبو الشيخ وابن حبان عن قتادة قال : هي مكية إلا آية { واسألهم عن القرية } وقال غيره : إن هذه إلا { وإذ أخذ ربك } مدني : وأخرج غير واحد عن ابن عباس وابن الزبير أنها مكية ولم يستثنيا شيئا وهي مائتان وخمس آيات في البصري والشامي وست في المدني والكوفي فالمص وبدأكم تعودون كوفي { ومخلصين له الدين } بصري وشامي { وضعفا في النار والحسنى على بني إسرائيل } مدني وكلها محكم وقيل : إلا موضعين الأول { وأملي لهم } فانه نسخ بآية السيف والثاني { خذ العفو } فانه نسخ بها أيضا عند ابن زيد وادعى أيضا أن { وأعرض عن الجاهلين } كذلك وفيما ذكر نظر وسيأتي الكلام فيه إنشاء الله تعالى ومناسبتها لما قبلها على ما قاله الجلال السيوطي عليه الرحمة أن سورة الأنعام لما كانت لبيان الخلق وفيها { هو الذي خلقكم من طين } وقال سبحانه في بيان القرون { كم أهلكنا من قبلهم من قرن } وأشير إلى ذكر المرسلين وتعداد الكثير منهم وكان ما ذكر على وجه الأجمال جيء بهذه السورة بعدها مشتملة على شرحه وتفصيله فبسط فيها قصة آدم وفصلت قصص المرسلين وأممهم وكيفية هلاكهم أكمل تفصيل ويصلح هذا أن يكون تفصيلا لقوله تعالى وهو الذي جعلكم خلائف في الأرض ولهذا صدر السورة بخلق آدم الذي جعله في الأرض خليفة وقال سبحانه في قصة عاد : { جعلناكم خلفاء من بعد قوم نوح } وفي قصة ثمود جعلناكم خلفاء من بعد عاد وأيضا فقد قال سبحانه فيما تقدم : كتب على نفسه الرحمة وهو كلام موجز وبسط سبحانه هنا بقوله تعالى : ورحمتي وسعت كل شيء فسأكتبها للذين يتقون الخ وأما وجه ارتباط أول هذه السورة بآخر الأولى فهو أنه قد تقدم وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه هذا كتاب أنزلناه مبارك فاتبعوهوأفتتح هذا الامر باتباع الكتاب وأيضا لما تقدم ثم ينبئهم بما كانوا يفعلون ثم إلى ربكم مرجعكم فينبئكم بما كنتم فيه تختلفون قال جل شأنه في مفتتح هذه : فلنسألن الذين أرسل اليهمالخ وذلك في شرح التنبئة المذ : ورة وأيضا لما قال سبحانه من جاء بالحسنة اةية وذلك لا يظهر إلا في الميران افتتح هذه بذكر الوزن فقال عز من قائل : { والوزن يومئذ الحق } ثم من ثقلت موازينه وهو من زادت حسناته على سيآته ثم من خفت وهو على العكس ثم ذكر سبحانه بعد أصحاب الأعراف وهم في أحد الأقوال من استوت حسناتهم وسيآتهم .

{ المص } سبق الكلام في مثله وبيان ما فيه فلا حاجة إلى الإعادة خلا أنه قيل هنا : إن معنى ذلك المصور وروي ذلك عن السدي ، وأخرج البيهقي وغيره عن ابن عباس أن المعنى أنا الله أعلم وأفصل ، واختاره الزجاج وروي عن ابن جبير ، وفي رواية أخرى عن الحبر أنه وكذا نظائره قسم أقسم الله تعالى به وهو من أسمائه سبحانه . وعن الضحاك أن معناه أنا الله الصادق ، وعن محمد بن كعب القرظي أن الألف واللام من الله والميم من الرحمن والصاد من الصمد ؛ وقيل : المراد به ألم نشرح لك صدرك . وذكر بعضهم أنه ما من سورة افتتحت بألم إلا وهي مشتملة على ثلاثة أمور بدء الخلق والنهاية التي هي المعاد والوسط الذي هو المعاش وإليها الإشارة بالاشتمال على المخارج الثلاثة الحلق واللسان والشفتين ، وزيد في هذه السورة على ذلك الصاد لما فيها مع ما ذكر من شرح القصص وهو كما ترى والله تعالى أعلم بمراده .

( هذا ومن باب الإشارة ) : في الآيات : { المص } [ الأعراف : 1 ] الألف إشارة إلى الذات الأحدية واللام إلى الذات مع صفة العلم والميم إلى معنى محمد وهي حقيقته والصاد إلى صورته عليه الصلاة والسلام . وقد يقال : الألف إشارة إلى التوحيد والميم إلى الملك واللام بينهما واسطة لتكون بينهما رابطة والصاد لكونه حرفاً كري الشكل قابلاً لجميع الأشكال كما قال الشيخ الأكبر قدس سره : فيه إشارة إلى أن الأمر وإن ظهر بالأشكال المختلفة والصور المتعددة أوله وآخره سواء ، ولا يخفى لطف افتتاح هذه السورة بهذه الأحرف بناء على ما ذكره الشيخ قدس سره في «فتوحاته » من أن لكل منها ما عدا الألف الأعراف وأما الألف فقد ذكر نفعنا الله تعالى ببركات علومه أنه ليس من الحروف عند من شم رائحة من الحقائق لكن قد سمته العامة حرفاً فإذا قال المحقق ذلك فإنما هو على سبيل التجوز في العبادة والله تعالى أعلم بحقيقة الحال

 
التفسير الوسيط للقرآن الكريم لسيد طنطاوي - سيد طنطاوي [إخفاء]  
{الٓمٓصٓ} (1)

مقدمة السورة:

سورة الأعراف

بسم الله الرحمن الرحيم

مقدمة

الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على أفضل المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه وأتباعه ومن دعا بدعوته إلى يوم الدين .

وبعد : فهذا تفسير تحليلي لسورة الأعراف ، توخينا فيه أن نبرز ما اشتملت عليه السورة الكريمة من توجيهات سامية ، وآداب عالية ، وهدايات شاملة ، وحكم جليلة .

والله نسأل أن يجعل هذا العمل خالصاً لوجهه ، ونافعاً لعباده إنه أكرم مسئول وأعظم مأمول .

[ ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا ، ربنا ولا تحمل علينا إصراً كما حملته على الذين من قبلنا ، ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به ، واعف عنا واغفر لنا وارحمنا ، أنت مولانا فانصرنا على القوم الكافرين ] .

وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم .

د . محمد سيد طنطاوي .

القاهرة – مدينة نصر .

14/02/1405ه - 7/12/1984م .

تمهيد بين يدي السورة

1- سورة الأعراف هي السورة السابعة في الترتيب المصحفي ، وهي أطول سورة مكية في القرآن الكريم ، وعدد آياتها ست ومائتا آية .

والرأي الراجح عند العلماء أنها جميعها مكية ، وقيل إن الآيات من 163-170 مدنية ، وكان نزولها بعد سورة " ص " .

2- ومناسبتها لسورة الأنعام التي قبلها أن سورة الأعراف تعتبر كالتفصيل لها ، فإن سورة الأنعام قد تكلمت عن أصول العقائد وكليات الدين كلاما إجمالياً ، ثم جاءت سورة الأعراف فكانت كالشرح والتفصيل لذلك الإجمال ، خصوصاً فيما يتعلق بقصص الأنبياء مع أقوامهم وبعثة النبي صلى الله عليه وسلم .

3- مقاصدها ومميزاتها : وقد اشتملت سورة الأعراف على المقاصد الإجمالية التي اشتملت عليها السور المكية ، كإقامة الأدلة على وحدانية الله ، وعلى صدق محمد صلى الله عليه وسلم وعلى أن يوم القيامة حق . . . إلخ .

والذي يتأمل هذه السورة الكريمة يراها تهتم بعرض الحقائق في أسلوبين بارزين فيها ، أحدهما أسلوب التذكير بالنعم ، والآخر أسلوب التخويف من العذاب والنقم .

أما أسلوب التذكير بالنعم فتراه واضحا في لفتها لأنظار الناس إلى ما يلمسونه ويحسونه من نعمة تمكينهم في الأرض ، ونعمة خلقهم وتصويرهم في أحسن تقويم ، ونعمة تمتع الإنسان بما في هذا الكون من خيرات سخرها الله له .

وأما أسلوب التخويف بالعذاب فالسورة الكريمة زاخرة به ، نلمس ذلك في قصص نوح ، وهود ، وصالح . ولوط ، وشعيب ، وموسى –عليهم السلام- مع أقوامهم .

وقد استغرق هذا القصص أكثر من نصفها ، وقد ساقت لنا السورة الكريمة ما دار بين الأنبياء وبين أقوامهم ، وما آل إليه أمر أولئك الأقوام الذين لم يستجيبوا لنصائح المرسلين إليهم .

4- عرض إجمالي لها : ونحن عندما نستعرض سورة الأعراف نراها في الربع الأول منها تطالعنا بالحديث عن عظمة القرآن وتأمرنا باتباعه ، وتحذرنا من مخالفته ، وتحثنا على المسارعة إلى العمل الصالح الذي تثقل به موازيننا يوم القيامة .

قال تعالى : [ كتاب أنزل إليك فلا يكن في صدرك حرج منه لتنذر به وذكرى للمؤمنين* اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم ولا تتبعوا من دونه أولياء قليلا ما تذكرون ] .

ثم ساقت لنا بأسلوب منطقي بليغ قصة آدم مع إبليس ، وكيف أن إبليس قد خدعه بأن أغراه بالأكل من الشجرة المحرمة ، فلما أكل منها هو وزوجته .

[ بدت لهما سوءاتهما وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة ] .

ثم وجهت إلى بني آدم نداء في أواخر هذا الربع نهتهم فيه عن الاستجابة لوسوسة الشيطان .

قال تعالى : [ يا بني آدم لا يفتننكم الشيطان كما أخرج أبويكم من الجنة ينزع عنهما لباسهما ليريهما سوءاتهما ، إنه يراكم هو وقبيله من حيث لا ترونهم إنا جعلنا الشياطين أولياء للذين لا يؤمنون ] .

وفي الربع الثاني منها نراها تأمرنا بأن نأخذ زينتنا عند كل مسجد ، وتخبرنا بأن الله –تعالى- ، قد أباح لنا أن نتمتع بالطيبات التي أحلها لنا ، وتبشرنا بحسن العاقبة متى اتبعنا الرسل الذين أرسلهم الله لهدايتنا ، ثم تسوق لنا في بضع آيات عاقبة المكذبين لرسل الله ، وكيف أن كل أمة من أمم الكفر عندما تقف بين يدي الله للحساب تلعن أختها .

قال تعالى : [ كلما دخلت أمة لعنت أختها ، حتى إذا اداركوا فيها جميعاً قالت أخراهم لأولاهم ربنا هؤلاء أضلونا فآتهم عذاباً ضعفاً من النار ، قال لكل ضعف ولكن لا تعلمون* وقالت أولاهم لأخراهم فما كان لكم علينا من فضل فذوقوا العذاب بما كنتم تكسبون ] .

ثم تبين السورة بعد ذلك عاقبة المؤمنين فتقول : [ والذين آمنوا وعملوا الصالحات لا نكلف نفسا إلا وسعها أولئك أصحاب الجنة هم فيها خالدون ] .

وفي أواخر هذا الربع وفي أوائل الربع الثالث منها نراها تسوق لنا تلك المحاورات التي تدور بين أصحاب الجنة وأصحاب النار ، وتحكي لنا ما يحصل بينهم من نداءات ومجادلات ، تنتهي بأن يقول أصحاب النار لأصحاب الجنة على سبيل التذلل والتوسل : [ أفيضوا علينا من الماء أو مما رزقكم الله ] .

فيجيبهم أصحاب الجنة : [ إن الله حرمهما على الكافرين . الذين اتخذوا دينهم لهوا ولعباً وغرتهم الحياة الدنيا ] .

ثم تسوق لنا السورة بعد ذلك جانبا من مظاهر نعم الله على خلقه ، وتدعونا إلى شكره عليها لكي يزيدنا من فضله .

وفي الربع الرابع منها وكذلك في أواخر الثالث ، تحدثنا السورة الكريمة عن قصة نوح مع قومه ، ثم عن قصة هود مع قومه ، ثم عن قصة صالح مع قومه ، ثم عن قصة لوط مع قومه ، ثم عن قصة شعيب مع قومه . ولقد ساقت لنا خلال حديثها عن هؤلاء الأنبياء مع أقوامهم من العبر والعظات ما يهدي القلوب ، ويشفي الصدور ويحمل العقلاء على الاستجابة لهدي الأنبياء والمرسلين .

أما في الربع الخامس منها فقد بينت لنا سنن الله في خلقه ، ومن مظاهر هذه –السنن أنه –سبحانه- لا يعاقب قوما إلا بعد الابتلاء والاختبار ، وأن الناس لو آمنوا لفتح –سبحانه- عليهم بركات من السماء والأرض وأن الذين يأمنون مكر خالقهم هم القوم الخاسرون .

قال تعالى : [ تلك القرى نقص عليك من أنبائها ولقد جاءتهم رسلهم بالبينات فما كانوا ليؤمنوا بما كذبوا من قبل ، كذلك يطبع الله على قلوب الكافرين* وما وجدنا لأكثرهم من عهد ، وإن وجدنا أكثرهم لفاسقين ] .

ثم عقب على ذلك ببيان أن الله –تعالى- قد ساق قصص السابقين للعظة والاعتبار .

ثم أسهبت السورة في الحديث عن قصة موسى –عليه السلام- فقصت علينا في زهاء سبعين آية –استغرقت الربع السادس والسابع والثامن- ما دار بينه وبين فرعون من محاورات ومناقشات ، وما حصل بينه وبين السحرة من مجادلات ومساجلات انتهت بأن قال السحرة : [ آمنا برب العالمين رب موسى وهارون ] .

ثم حكت لنا ما لقيه موسى من قومه بني إسرائيل من تكذيب وجهالات ، مما يدل على أصالتهم في التمرد والعصيان ، وعراقتهم في الكفر والطغيان .

وفي الربع التاسع منها حدثتنا عن العهد الذي أخذه الله على البشر بأن يعبدوه ولا يشركوا به شيئاً ، ثم حضتنا على التفكر والتدبر في ملكوت السموات والأرض ، وبينت لنا أن موعد قيام الساعة لا يعلمه سوى علام الغيوب ، وأن الرسل الكرام وظيفتهم تبليغ رسالات الله ، ثم هم بعد ذلك لا يملكون لأنفسهم نفعاً ولا ضراً .

أما في الربع العاشر والأخير فقد اهتمت السورة الكريمة بإقامة الأدلة على وحدانية الله ، ووبخت المشركين على شركهم ، ودعت الناس إلى مكارم الأخلاق ومحاسن الشيم [ خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين ] وأمرتهم بأن يكثروا من التضرع والدعاء .

[ واذكر ربك في نفسك تضرعاً وخيفة ودون الجهر من القول بالغدو والآصال ولا تكن من الغافلين* إن الذين عند ربك لا يستكبرون عن عبادته ويسبحونه وله يسجدون ] .

وبعد : فهذا عرض سريع لما اشتملت عليه سورة الأعراف من توجيهات حكيمة ، وآداب عالية ، وعظات سامية ، ولعلنا بذلك نكون قد أعطينا القارئ الكريم فكرة مجملة عنها قبل أن نفسرها تفسيراً تحليلياً مفصلا . والله نسأل أن يلهمنا جميعاً الرشد والسداد فيما نقول ونعمل .

وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم .

سورة الأعراف من السور التي ابتدأت ببعض حروف التهجى " ألمص " ولم يسبقها في النزول من هذا النوع من السور سوى ثلاثة وهى سور : ( ن ، ق ، ص ) ويبلغ عدد السور القرآنية التي ابتدئت بالحروف المقطعة تسعاً وعشرين سورة .

هذا ، وقد وقع خلاف بين العلماء في المعنى المقصود من حروف التهجى التي افتتحت بها بعض السور القرآنية ، ويمكن إجمال اختلافهم في رأيين :

الرأى الأول : أن المعنى المقصود منها غير معروف ، فهى من المتشابه الذي استأثر الله بعلمه وإلى هذا الرأى ذهب ابن عباس - في إحدى الروايات عنه - كما ذهب إليه الشعبى ، وسفيان الثورى ، وغيرهما من العلماء ؛ فقد أخرج ابن المنذر وغيره عن الشعبى أنه سئل عن فواتح السور فقال : " إن لكل كتاب سرّا ، وإن سر هذا القرآن فواتح السور " وروى عن ابن عباس أنه قال : " عجزت العلماء عن إدراكها " وعن على - رضى الله عنه - أنه قال : " إن لكل كتاب صفوة ، وصفوة هذا الكتاب حروف التهجى " وفى رواية أخرى للشعبى أنه قال : " سر الله فلا تطلبوه " .

ومن الاعتراضات التي وجهت إلى هذا الرأى أنه إذا كان الخطاب بهذه الفواتح غير مفهوم للناس لأنه من المتشابه فإنه يترتب على ذلك أنه كالخطاب بالمهمل ، أو مثل ذلك كمثل التكلم بلغة أعجمية مع أناس عرب لا يفهمونها .

وقد أجيب عن ذلك بأن هذه الألفاظ لم ينتف الإفهام عنها عند لك الناس فالرسول - صلى الله عليه وسلم - كان يفهم المراد منها ، وكذلك بعض أصحابه المقربين . ولكن الذي ننفيه أن يكون الناس جميعاً فاهمين لمعنى هذه الحروف المقطعة في أوائل بعض السور . وهناك مناقشات للعلماء حول هذا الرأى لا مجال لذكرها هنا .

أما الرأى الثانى : فيرى أصحابه أن المعنى المقصود منها معلوم ، وأنها ليست من المتشابه الذي استأثر الله بعلمه ، وأصحاب هذا الرأى قد اختلفوا فيما بينهم في تعيين هذا المعنى المقصود على أقوال كثيرة من أهمها ما يأتى :

1 - أن هذه الحروف أسماء للسور ، بدليل قول النبى صلى الله عليه وسلم : " من قرأ حم السجدة ، حفظ إلى أن يصبح " ، وبدليل اشتهار بعض السور بالتسمية بها ، كسورة " ص " وسورة " يس " إلخ .

ولا يخلو هذا القول من الضعف ، لأن كثيرا من السور قد افتتحت بلفظ واحد من هذه الفواتح ، فلو كانت أسماء للسور لم تتكر لمعان مختلفة ؛ لأن الغرض من التسمية رفع الاشتباه . وأيضا فالتسمية بها أمر عارض لا يتنافى مع المراد منها في ذاتها .

2 - وقيل إن هذه الحروف قد جاءت هكذا فاصلة للدلالة على انقضاء سورة وابتداء أخرى .

3 - وقيل إنها حروف مقطعة بعضها من أسماء الله تعالى ، وبعضها من صفاته ، فمثلا : " ألم " أصلها أنا الله أعلم .

4 - وقيل إنها اسم الله الأعظم ، إلى غير ذلك من الأقوال التي لا تخلو من مقال ، والتى أوصلها الإمام السيوطى في كتابه " الإتقان " ، إلى أكثر من عشرين قولا .

5 - ولعل أقرب الأقوال إلى الصواب أن هذه الحروف المقطعة قد وردت في بعض سور القرآن على سبيل الإيقاظ والتنبيه للذين تحداهم القرآن ، فكأن الله - تعالى - يقول لأولئك العارضين في أن القرآن من عند الله : هاكم القرآن ترونه مؤلفا من كلام هو جنس ما تؤلفون منه كلامكم . ومنوما من حروف هى من جنس الحروف الهجائية التي تنظمون منها حروفكم ، فإن كنتم في شك من كونه منزلا من عند الله فهاتوا مثله ، أو ادعوا من شئتم من الخلق لكى يعاونوكم في ذلك .

ومما يشهد بصحة هذا الرأى أن الآيات التي تلى هذه الأحرف المقطعة تتحدث عن الكتاب المنزل معجزة للرسول صلى الله عليه وسلم وكثيراً ما تبدأ هذه الآيات باسم الإشارة صراحة ، مثل قوله تعالى : { الاما ذَلِكَ الكتاب لاَ رَيْبَ فِيهِ } أو ضمنا مثل قوله - تعالى - : في أول سورة الأعراف { الاماصا كِتَابٌ أُنزِلَ إِلَيْكَ فَلاَ يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِّنْهُ لِتُنذِرَ بِهِ } وأيضا فإن هذه السور تجعل هدفها الأول منذ بدئها إلى نهايتها اثبات الرسالة عن طريق هذا الكتاب المنزل .

هذه خلاصة موجزة لآراء العلماء في الحروف المقطعة التي افتتحت بها بعض السور القرآنية ، ومن أراد مزيدا لذلك فليردع - مثلا - إلى كتاب " البرهان " للزركشى ، وإلى كتاب " الإتقان " للسيوطى .