تيسير التفسير لإبراهيم القطان - إبراهيم القطان [إخفاء]  
{وَهُوَ ٱلَّذِي يُرۡسِلُ ٱلرِّيَٰحَ بُشۡرَۢا بَيۡنَ يَدَيۡ رَحۡمَتِهِۦۖ حَتَّىٰٓ إِذَآ أَقَلَّتۡ سَحَابٗا ثِقَالٗا سُقۡنَٰهُ لِبَلَدٖ مَّيِّتٖ فَأَنزَلۡنَا بِهِ ٱلۡمَآءَ فَأَخۡرَجۡنَا بِهِۦ مِن كُلِّ ٱلثَّمَرَٰتِۚ كَذَٰلِكَ نُخۡرِجُ ٱلۡمَوۡتَىٰ لَعَلَّكُمۡ تَذَكَّرُونَ} (57)

الريح : الهواء إذا تحرك .

قال الراغب : كلُّ موضع ذكَر الله فيه إرسال الريح بلفظ الواحد كان للعذاب ، وكل موضع ذكَر فيه الريحَ بلفظ الجمع كان للرحمة . وأظن أن هذا في الغالب ، لأن الله تعالى يقول : { وَجَرَيْنَ بِهِم بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ } وفي سورة يوسف : { إِنِّي لأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ } سورة [ يوسف : 94 ] .

بُشرا : مبشرة .

بين يدي رحمته : قدّام رحمته .

أقلّت : حملت .

سحابا ثقالا : غيما مثقلا بالمياه .

البلد : يطلق على البلدة ، وعلى الموضع .

لبلدٍ ميت : أرض لا نبات فيها .

الثمرات : كل ما تحمله الأشجار من جميع الأنواع .

إن الله سبحانه تعالى وحده هو الذي يُطلِق الرياح مبشرة برحمته «وهي هنا الأمطار التي تُنبت الزرعَ وتسقي الغرس ) فتحمل هذه الرياحُ سحاباً محمَّلاً بالماء ، يسوقه الله إلى بلد ميتٍ لا نبات فيه فينزل الماء ، وبه يُنبت الله أنواعاً من كل الثمرات تدل على قدرة الله وعلمه ورحمته وفضله .

وبعد أن ذكَّرهم بهد الآيات والنعم قفّى على ذلك ما يزيل إنكارهم للبعث فقال : { كذلك نُخْرِجُ الموتى } ، بمثل ذلك الإحياء للأرضِ بالإنبات نُخرج الموتى فنجعلهم أحياء .

{ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ } ، أي : تفطنون لهذا الشبه فيزول استبعادُكم للبعث ، وبذلك تتذكّرون قدرة الله وتؤمنون به .

قراءات :

قرأ ابن كثير وحمزة والكسائي «الرّيح » بالإفراد . وقرأ ابن عامر : نُشْراً جمع نشور ، وقرأ حمزة الكسائي : نَشْراً بفتح النون وقرأ عاصم كما هو بالمصحف «بُشْراً » وقرأ نافع : نُشُراً بضم النون والشين .

 
روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{وَهُوَ ٱلَّذِي يُرۡسِلُ ٱلرِّيَٰحَ بُشۡرَۢا بَيۡنَ يَدَيۡ رَحۡمَتِهِۦۖ حَتَّىٰٓ إِذَآ أَقَلَّتۡ سَحَابٗا ثِقَالٗا سُقۡنَٰهُ لِبَلَدٖ مَّيِّتٖ فَأَنزَلۡنَا بِهِ ٱلۡمَآءَ فَأَخۡرَجۡنَا بِهِۦ مِن كُلِّ ٱلثَّمَرَٰتِۚ كَذَٰلِكَ نُخۡرِجُ ٱلۡمَوۡتَىٰ لَعَلَّكُمۡ تَذَكَّرُونَ} (57)

{ وَهُوَ الذى يُرْسِلُ الرياح } عطف على الجملة السابقة أو على حديث خلق السموات والأرض . وقرأ ابن كثير وحمزة والكسائي { الريح } على الوحدة وهو متحمل لمعنى الجنسية فيطلق على الكثير . وخبر «اللهم اجعلها رياحاً ولا تجعلها ريحاً » مخرج على قراءة الأكثرين { بَشَرًا } بضم الموحدة وسكون الشين مخفف بشراً بضمتين جمع بشير كنذر ونذير أي مبشرات وهي قراءة عاصم . وروي عنه أيضاً { بَشَرًا } على الأصل . وقرىء بفتح الباء على أنه مصدر بشره بالتخفيف بمعنى بشره المشدد . والمراد باشرات أو للبشارة . وقرىء { بُشْرىً } كحبلى وهو مصدر أيضاً من البشارة . وقرأ أهل المدينة والبصرة { نَشْراً } بضم النون والشين جمع نشور بفتح النون بمعنى ناشر ، وفعول بمعنى فاعل يطرد جمعه كذلك كصبور وصبر ، ولم يجعل جمع ناشر كبازل وبزل لأن جمع فاعل على فعل شاذ . / واختلف في معنى ناشر ففي «الحواشي الشهابية » قيل : هو على النسب إما إلى النشر ضد الطي وإما إلى النشور بمعنى الإحياء لأن الريح توصف بالموت والحياة كقوله :

إني لأرجو أن تموت الريح

فاقعد اليوم واستريح *** كما يصفها المتأخرون بالعلة والمرض . ومما يحكى النسيم من ذلك قول بعضهم في شدة الحر

: أظن نسيم الروض مات لأنه *** له زمن في الروض وهو عليل

وقيل : هو فاعل من نشر مطاوع أنشر الله تعالى الميت فنشر وهو ناشر كقوله

: حتى يقول الناس مما رأوا *** يا عجباً للميت الناشر

قيل : ناشر بمعنى منشر أي محيي ، وقيل : فعول هنا بمعنى مفعول كرسول ورسل وقد جوز ذلك أبو البقاء إلا أنه نادر مفرده وجمعه . وقرأ ابن عامر { نَشْراً } بضم النون وسكون الشين حيث وقع ، والتخفيف في فعل مطرد ، وقرأ حمزة والكسائي { نَشْراً } بفتح النون حيث وقع على أنه مصدر في موقع الحال بمعنى ناشرات أو مفعول مطلق فإن الإرسال والنشر متقاربان .

{ بَيْنَ يَدَىْ رَحْمَتِهِ } أي قدام رحمته وهو من المجاز كما نقل عن أبي بكر الأنباري ، والمراد بالرحمة كما ذهب إليه غالب المفسرين المطر ، وسمي رحمة لما يترتب عليه بحسب جري العادة من المنافع . ولا يخفى أن الرحمة في المشهور عامة فإطلاقها على ذلك إن كان من حيث خصوصه مجاز لكونه استعمال اللفظ في غير ما وضع له إذ اللفظ لم يوضع لذلك الخاص بخصوصه وإن كان إطلاقها عليه لا بخصوصه بل باعتبار عمومه . وكونه فرداً من أفراد ذلك العام فهو حقيقة لأنه استعمال اللفظ فيما وضع له على ما بين في «شرح التلخيص » وغيره . وادعى الشهاب إثبات بعض أهل اللغة كون المطر من معاني الرحمة ، وقول ابن هشام في «رسالته » التي ألفها في بيان وجه تذكير { قَرِيبٌ } المار عن قريب : إنا لا نجد أهل اللغة حيث يتكلمون على الرحمة يقولون : ومن معانيها المطر فلو كانت موضوعة له لذكروه ، قصارى ما فيه عدم الوجدان وهو لا يستدعي عدم الوجود ، ومما اشتهر أن المثبت مقدم على النافي ومن حفظ حجة على من لم يحفظ ، والمقام ظاهر في إرادة هذا المعنى ، وبيان كون الرياح مرسلة أمام ذلك ما قيل : إن الصبا تثير السحاب والشمال تجمعه والجنوب تدره والدبور تفرقه وهذه أحد أنواع الريح المشهورة عند العرب ، وعن ابن عمر رضي الله عنهما أن الرياح ثمانية أربع منها عذاب وهي القاصف والعاصف والصرصر والعقيم وأربع منها رحمة وهي الناشرات والمبشرات والمرسلات والذاريات .

والريح من أعظم منن الله تعالى على عباده ، وعن كعب الأحبار لو حبس الله تعالى الريح عن عباده ثلاثة أيام لأنتن أكثر أهل الأرض ، وفي بعض الآثار أن الله تعالى خلق العالم وملأه هواء ولو أمسك الهواء ساعة لأنتن ما بين السماء والأرض ، وذكر غير واحد من العلماء أنه يكره سب الريح ، فقد روى الشافعي عن أبي هريرة قال : أخذت الناس ريح بطريق مكة وعمر رضي الله تعالى عنه حاج فاشتدت فقال عمر لمن حوله : ما بلغكم في الريح ؟ فلم يرجعوا إليه شيئاً وبلغني الذي سأل عمر عنه من أمر الريح فاستحثثت راحلتي حتى أدركت عمر وكنت مؤخر الناس فقلت : يا أمير المؤمنين أخبرت أنك سألت عن الريح فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : «الريح من روح الله تعالى تأتي بالرحمة وتأتي بالعذاب فإذا رأيتموها فلا تسبوها واسألوا الله تعالى من خيرها واستعيذوا بالله سبحانه من شرها » ولا منافاة بين الآية وهذا الخبر إذ ليس فيها أنه سبحانه لا يرسلها إلا بين يدي الرحمة ولئن سلم فهو خارج مجرى الغالب فإن العذاب بالريح نادر ، وقيل : ما في الخبر إنما هو الإيتاء بالرحمة والإيتاء بالعذاب لا الإرسال بين يدي كل .

{ حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ } غاية لقوله سبحانه { يُرْسِلُ } والإقلال كما في مجمع البيان حمل الشيء بأسره واشتقاقه من القلة وحقيقة أقله كما قال بعض المحققين جعله قليلاً أو وجده قليلاً ، والمراد ظنه كذلك كأكذبه إذا جعله كاذباً في زعمه ثم استعمل بمعنى حمله لأن الحامل يستقل ما يحمله أي يعده قليلاً ، ومن ذلك قولهم : جهد المقل أي الحامل { سَحَابًا } أي غيماً سمي بذلك لانسحابه في الهواء وهو اسم جنس جمعي يفرق بينه وبين واحده بالتاء كتمر وتمرة وهو يذكر ويؤنث ويفرد وصفه ويجمع . وأهل اللغة كالجوهري وغيره تسميه جمعاً فلذا روعي فيه الوجهان في وصفه وضميره ، وجاء في الجمع سحب وسحائب { ثِقَالاً } من الثقل كعنب ضد الخفة يقال : ثقل ككرم ثقلاً وثقالة فهو ثقيل ، وثقل السحاب بما فيه من الماء { سقناه لِبَلَدٍ مَّيّتٍ } أي لأجله ومنفعته أو لإحيائه أو لسقيه كما قيل .

وفي «البحر » أن اللام للتبليغ كما في قلت لك ، وفرق بين سقت لك مالاً وسقت لأجلك مالاً بأن الأول : معناه أوصلت لك ذلك وأبلغتكه . والثاني : لا يلزم منه وصوله إليه ، والبلد كما قال الليث كل موضع من الأرض عامر أو غير عامر خال أو مسكون والطائفة منه بلدة والجمع بلاد ، وتطلق البلدة على المفازة ومنه قول الأعشى

: وبلدة مثل ظهر الترس موحشة *** للجن بالليل في حافاتها زجل

{ فَأَنزَلْنَا بِهِ الماء } أي بالبلد أو السحاب كما قال الزجاج وابن الأنباري أو بالسوق أو الرياح كما قيل ، والتذكير بتأويل المذكور وكذلك قوله تعالى : { فَأَخْرَجْنَا بِهِ } ويحتمل أن يعود الضمير إلى الماء وهو الظاهر لقربه لفظاً ومعنى ، ومطابقة النظائر وانفكاك الضمائر لا بأس به إذا قام الدليل عليه وحسن الملاءمة . وإذا كان للبلد فالباء للظرفية في الثاني وللإلصاق في الأول لأن الإنزال ليس في البلد بل المنزل ، وجوز الظرفية أيضاً كما في رميت الصيد في الحرم على ما علمت فيما مر ، وإذا كان لغيره فهي للسببية وتشمل القريبة والبعيدة . { مِن كُلّ الثمرات } أي من كل أنواعها لأن الاستغراق غير مراد ولا واقع ، وهذا أبلغ في إظهار القدرة المراد ، وقيل : إن الاستغراق عرفي والظاهر أن المراد التكثير ، وجوز بعضهم أن تكون { مِنْ } للتبعيض وأن تكون لتبيين الجنس .

{ كذلك نُخْرِجُ الموتى } إشارة إلى إخراج الثمرات أو إلى إحياء البلد الميت أي كما نحييه بإحداث القوى النامية فيه وتطريتها بأنواع النبات والثمرات نخرج الموتى من الأرض ونحييها برد النفوس إلى مواد أبدانها بعد جمعها وتطريتها بالقوى والحواس كذا قالوا ، وهو إشارة كما قيل إلى طريقي القائلين بالمعاد الجسماني وهما إيجاد البدن بعد عدمه ثم إحياؤه وضم بعض أجزائه إلى بعض على النمط السابق بعد تفرقها ثم إحياؤه . واستظهر الأول بأن المتبادر من الآية كون التشبيه بين الإخراجين من كتم العدم ، والثاني يحتاج إلى تمحل تقدير الإحياء واعتبار جمع الأجزاء مع أنه غير معتبر في جانب المشبه به ، وجوز أن يرجع ما في الشق الثاني من الإحياء برد النفوس الخ إلى الأول ، وأنت تعلم أنه لا مانع من الإخراج من كتم العدم ، وأدلة استحالة ذلك مما لا تقوم على ساق وقدم إلا أن الأدلة النقلية على كل من الطريقين متجاذبة ، وإذا صح القول بالمعاد الجسماني فلا بأس بالقول بأي كان منهما ، وكون إخراج الثمرات من كتم العدم قد لا يسلم فإن لها أصلاً في الجملة على أن إخراج الموتى عند القائلين بالطريق الأول إعادة وليس إخراج الثمرات كذلك إذ لم يكن لها وجود قبل ، نعم كون الأظهر أن التشبيه بين الإخراجين مما لا مرية فيه ، وفي «الخازن » اختلفوا في وجه التشبيه فقيل : إن الله تعالى كما يخلق النبات بواسطة إنزال المطر كذلك يحيي الموتى بواسطة إنزال المطر أيضاً ، فقد روي عن أبي هريرة وابن عباس رضي الله تعالى عنهم أن الناس إذا ماتوا في النفخة الأولى أمطر عليهم ماء من تحت العرش يدعى ماء الحياة أربعين سنة فينبتون كما ينبت الزرع من الماء .

وفي رواية أربعين يوماً فينبتون في قبورهم نبات الزرع حتى إذا استكملت أجسادهم تنفخ فيهم الروح ثم يلقى عليهم النوم فينامون في قبورهم فإذا نفخ في الصور النفخة الثانية عاشوا ثم يحشرون من قبورهم ويجدون طعم النوم في رؤوسهم وأعينهم كما يجد النائم حين يستيقظ من نومه فعند ذلك يقولون : { قَالُواْ ياويلنا مَن بَعَثَنَا مِن مَّرْقَدِنَا } ؟ فيناديهم المنادي { هَذَا مَا وَعَدَ الرحمن وَصَدَقَ المرسلون } [ يس : 52 ] . وأخرج غير واحد عن مجاهد أنه إذا أراد الله تعالى أن يخرج الموتى أمطر السماء حتى تشقق عنهم الأرض ثم يرسل سبحانه الأرواح فتعود كل روح إلى جسدها ، فكذلك يحيي الله تعالى الموتى بالمطر كإحيائه الأرض . وقيل : إنما وقع التشبيه بأصل الإحياء من غير اعتبار كيفية فيجب الإيمان به ولا يلزمنا البحث عن الكيفية ويفعل الله سبحانه ما يشاء { لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ } فتعلمون أن من قدر على ذلك فهو قادر على هذا من غير شبهة . والأصل تتذكرون فطرحت إحدى التاءين ، والخطاب قيل : للنظار مطلقاً ، وقيل : لمنكري البعث .

ومن باب الإشارة :{ وهو الذي يرسل الرياح } أي رياح العناية { بين يدي رحمته } أي تجلياته { حتى إذا أقلت حملت سحابا ثقالا } بأمطار المحبة { سقناه لبلد } قلب { ميت فأنزلنا به الماء } ماء المحبة { فأخرجنا به من كل الثمرات } من المشاهدات والمكاشفات { كذلك نخرج الموتى } القلوب الميتة من قبور الصدور { لعلكم تذكرون } [ الأعراف : 57 ] أيام حياتكم في عالم الأرواح حيث كنتم في رياض القدس وحياض الأنس

 
التفسير الوسيط للقرآن الكريم لسيد طنطاوي - سيد طنطاوي [إخفاء]  
{وَهُوَ ٱلَّذِي يُرۡسِلُ ٱلرِّيَٰحَ بُشۡرَۢا بَيۡنَ يَدَيۡ رَحۡمَتِهِۦۖ حَتَّىٰٓ إِذَآ أَقَلَّتۡ سَحَابٗا ثِقَالٗا سُقۡنَٰهُ لِبَلَدٖ مَّيِّتٖ فَأَنزَلۡنَا بِهِ ٱلۡمَآءَ فَأَخۡرَجۡنَا بِهِۦ مِن كُلِّ ٱلثَّمَرَٰتِۚ كَذَٰلِكَ نُخۡرِجُ ٱلۡمَوۡتَىٰ لَعَلَّكُمۡ تَذَكَّرُونَ} (57)

بعد كل ذلك تحدث - سبحانه - عن بعض مظاهر رحمته التي تتجلى في إرسال الرياح ، وإنزال المطر ، وعن بعض مظاهر قدرته التي تتجلى في بعث الموتى للحساب ، وفى هداية من يريد هدايته وإضلال من يريد ضلالته فقال - تعالى - : { وَهُوَ الذي يُرْسِلُ . . . } .

قوله - تعالى - : { وَهُوَ الذي يُرْسِلُ الرياح بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ } معطوف على ما سبق من قوله - تعالى - : { إِنَّ رَبَّكُمُ الله الذي خَلَقَ السماوات والأرض } لبيان مظاهر قدرته ورحمته . وقرأ حمزة والكسائى " الريح " بالافراد :

و { بُشْراً } - بضم الباس فسكون الشين - مخفف و { بُشُراً } - بضمتين - جمع بشير كنذر ونذير ، أى : مبشرات بنزول الغيث المستتبع لمنفعة الخلق .

وقرأ أهل المدينة والبصرة " نشرا " - بضم النون والشين - جمع نشور - كصبور وصبر - بمعنى ناشر من النشر ضد الطى ، وفعول بمعنى فاعل يطرد جمعه .

وهناك قراءات أخرى غير ذلك .

والمعنى وهو - سبحانه - الذي يرسل الرياح مبشرات عباده بقرب نزول الغيث الذي به حياة الناس .

وقوله : { بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ } أى بين يدى المطر الذي هو من أبرز مظاهر رحمة الله بعباده .

قال تعالى : { وَهُوَ الذي يُنَزِّلُ الغيث مِن بَعْدِ مَا قَنَطُواْ وَيَنشُرُ رَحْمَتَهُ وَهُوَ الولي الحميد } وقال تعالى : { وَمِنْ آيَاتِهِ أَن يُرْسِلَ الرياح مُبَشِّرَاتٍ } قال الإمام الرازى : وقوله : { بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ } من أحسن أنواع المجاز ، والسبب في ذلك أن اليدين يستعملهما العرب في معنى التقدمة على سبيل المجاز . يقال : إن الفتن تحصل بين يدى الساعة يريدون قبيلها ، كذلك مما حسن هذا المجاز أن يدى الإنسان متقدمة ، فكل ما كان يتقدم شيئا يطلق عليه لفظ اليدين على سبيل المجاز لأجل هذه المشابهة ، فلما كانت الرياح تتقدم المطر ، لا جرم عبر عنه بهذا اللفظ .

وقوله : { حتى إِذَآ أَقَلَّتْ سَحَاباً ثِقَالاً سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَّيِّتٍ } حتى : غاية لقوله : { يُرْسِلُ } . وأقلت : أى حملت . وحقيقة أقله وجده قليلا ثم استعمل بمعنى حمله . لأن الحامل لشىء يستقل ما يحمله بزعم أنه ما يحمله قليل .

و { سَحَاباً } أى : غيما ، سمى بذلك لانسحابه في الهواء ، وهو اسم جنس جمعى يفرق بينه وبين واحده بالتاء كتمر وتمرة ، وهو يذكر ويؤنث ويفرد وصفه ويجمع .

و { ثِقَالاً } جمع ثقيلة من الثقل - كعنب - ضد الخفة . يقال : ثقل الشىء - ككرم - ثقال وثقالة فهو ثقيل وهى ثقيلة .

والمعنى : أن الله - تعالى - هو الذي يرسل الرياح مبشرات بنزول الغيث ، حتى إذا حملت الرياح سحابا ثقالا من كثرة ما فيها من الماء ، سقناه - أى السحاب إلى " بلد ميت " أى إلى أرض لا نبات فيها ولا مرعى ، فاهتزت وربت وأخرجت النبات والمرعة . فأطلق - سبحانه - الموت على الأرض التي لا نبات فيها ، وأطلق الحياة على الأرض الزاخرة بالنبات والمرعى لأن حياتها بذلك .

قال - تعالى - : { والله الذي أَرْسَلَ الرياح فَتُثِيرُ سَحَاباً فَسُقْنَاهُ إلى بَلَدٍ مَّيِّتٍ فَأَحْيَيْنَا بِهِ الأرض بَعْدَ مَوْتِهَا كَذَلِكَ النشور }

وقوله : { فَأَنْزَلْنَا بِهِ المآء } أى : فأنزلنا في هذا البلد الميت الماء الذي يحمله السحاب . فالباء في { بِهِ } للظرفية .

وقيل إن الضمير في { بِهِ } للسحاب ، أى : فأنزلنا بالسحاب الماء وعليه فتكون الباء للسببية .

وقوله : { فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِن كُلِّ الثمرات } أى : فأخرجنا بهذا الماء من كل أنواع الثمرات المعتادة في كل بلد ، تخرج به على الوجه الذي أجرى الله العادة بها ودبرها .

فليس المراد أن كل بلد ميت تخرج منه أنواع الثمار التي خلقها الله ، متى نزل به الماء ، وإنما المراد أن كل بلد تخرج منه الثمار التي تناسب تربته على حسب مشيئة الله وفضله وإحسانه ، إذ من المشاهد أن البلاد تختلف أرضها فيما تخرجه ، وهذا أدل على قدرة الله ، وواسع رحمته .

وقوله : { كذلك نُخْرِجُ الموتى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ } إشارة إلى إخراج الثمرات ، أو إلى إحياء البلد الميت .

أى : مثل ما أحيينا الأرض بعد موتها وجعلناها زاخرة بأنواع الثمرات بسبب نزول الماء عليها ، نخرج الموتى من الأرض ونبعثهم أحياء في اليوم الآخر لنحاسبهم على أعمالهم ، فالتشبيه في مطلق الإخراج من العدم . وهذا رد على منكرى البعث بدليل ملزم ، لأن من قدر على إخراج النبات من الأرض بعد نزول الماء عليها ، قادر - أيضا - على إخراج الموتى من قبورهم .

وقوله : { لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ } تذييل قصد به الحث على التدبر والتفكر ، أى : لعلكم تذكرون وتعتبرون بما وصفنا لكم فيزول إنكاركم للبعث والحساب .

قال الشيخ القاسمى : " من أحكام الآية كما قال الجشمى : أنها تدل على على عظم نعمة الله علينا بالمطر ، وتدل على الحجاج في إحياء الموتى بإحياء الارض بالنبات وتدل على أنه أراد من الجميع التذكر ، وتدل على أنه أجرى العادة بإخراج النبات بالماء . وإلا فهو قادر على إخراجه من غير ماء فأجرى العادة على وجوه دبرها عليها على ما نشاهده ، لضرب من المصلحة دينا ودنيا . . . "

{ ونادى أَصْحَابُ النار أَصْحَابَ الجنة أَنْ أَفِيضُواْ عَلَيْنَا مِنَ المآء أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ الله قالوا إِنَّ الله حَرَّمَهُمَا عَلَى الكافرين الذين اتخذوا دِينَهُمْ لَهْواً وَلَعِباً وَغَرَّتْهُمُ الحياة الدنيا فاليوم نَنسَاهُمْ كَمَا نَسُواْ لِقَآءَ يَوْمِهِمْ هذا وَمَا كَانُواْ بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ } .

إفاضة الماء : صبه ، ومادة الفيض فيها معنى الكثرة .

والمعنى : أن أهل النار - بعد أن أحاط بهم العذاب المهين - أخذوا يستجدون أهل الجنة بذلة وانكسار فيقولون لهم : أفيضوا علينا من الماء أو مما رزقكم الله من طعام ، لكى نستعين بهما على ما نحن فيه من سموم وحميم .

وهنا يرد عليهم أهل الجنة بما يقطع آمالهم بسبب أعمالهم فيقولون لهم : إن الله منع كلا منهما على الكافرين ، الذين اتخذوا دينهم لهوا ولعبا ، أى الذين اتخذوا دينهم - الذي أمرهم الله باتباع أوامره واجتناب نواهيه - مادة للسخرية والتلهى ، وصرف الوقت فيما لا يفد ، فأصبح الدين - في زعمهم - صورة ورسوما لا تزكى نفساً ، ولا تطهر قلباً ، ولا تهذب خلقا وهم فوق ذلك قد غرتهم الحياة الدنيا - أى شغلتهم بمتعها ولذائذها وزينتها عن كل ما يقربهم إلى الله ، ويهديهم إلى طريقه القويم .

وقوله - تعالى - : { فاليوم نَنسَاهُمْ كَمَا نَسُواْ لِقَآءَ يَوْمِهِمْ هذا } معناه فاليوم نفعل بهم فعل الناسى بالمنسى من عدم الاعتناء بهم وتركهم في النار تركا كليا بسبب تركهم الاستعداد لهذا اليوم ، وبسبب جحودهم لآياتنا التي جاءتهم بها أنبياؤهم .

فالنسيان في حق الله - تعالى - مستعمل في لازمه ، بمعنى أن الله لا يجيب دعاءهم ، ولا يرحم ضعفهم وذلهم ، بل يتركهم في النار كما تركوا الإيمان والعمل الصالح في الدنيا .

وهكذا تسوق لنا السورة الكريمة مشاهد متنوعة لأهوال يوم القيامة ، فتحكى لنا أحوال الكافرين ، كما تصور لنا ما أعده الله للمؤمنين . كما تسوق لنا ما يدور بين الفريقين من محاورات ومناقشات فيها العبر والعظات { لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السمع وَهُوَ شَهِيد }

 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{وَهُوَ ٱلَّذِي يُرۡسِلُ ٱلرِّيَٰحَ بُشۡرَۢا بَيۡنَ يَدَيۡ رَحۡمَتِهِۦۖ حَتَّىٰٓ إِذَآ أَقَلَّتۡ سَحَابٗا ثِقَالٗا سُقۡنَٰهُ لِبَلَدٖ مَّيِّتٖ فَأَنزَلۡنَا بِهِ ٱلۡمَآءَ فَأَخۡرَجۡنَا بِهِۦ مِن كُلِّ ٱلثَّمَرَٰتِۚ كَذَٰلِكَ نُخۡرِجُ ٱلۡمَوۡتَىٰ لَعَلَّكُمۡ تَذَكَّرُونَ} (57)

قوله تعالى : { وهو الذي يرسل الرياح بشرا بين يدي رحمته حتى إذا أقلت سحابا ثقالا سقناه لبلد ميت فأزلنا به الماء فأخرجنا به من كل الثمرات كذلك نخرج الموتى لعلكم تذكرون 57 والبلد الطيب يخرج نباته بإذن ربه والذي خبث لا يخرج إلا نكدا كذلك نصرف الآيات لقوم يشكرون } .

الرياح التي تحمل السحاب وما فيه من مطر ، يرسلها الله للبعاد لتحمل لهم البشريات بنزول الخير والرحمة . وقوله : { بشرا بين يدي رحمته } أي مبشرات قدام رحمة الله وهو المطر المحمول . وقد سمي برحمة : لما يترتب عليه بحسب العادة من الخير والخصب والبركة والرزق . و { بشرا } ، بضم الباء وسكون الشين ، جمع بشير منصوب على الحال . وقرئت الكلمة بقراءات غير ذلك ومنها ( نشرا ) بالنون{[1436]} .

قوله : { حتى إذا أقلت سحابا ثقالا } { حتى } غاية لقوله : { يرسل } و { أقلت } ، أي حملت{[1437]} من لإقلال وهو الحمل . والحساب ؛ معناه الغيم سواء كان فيه ماء أو لم يكن ، وجمعه سحب وسحائب{[1438]} ، والسحاب الثقال ؛ ومعناه الغيم الموقر بالماء يسوقه الله بإرادته إلى بلد ميت ، ليس فيه ماء ولا نبات . بلد دارس مجدب غابت عنه كل ظواهر الحياة والحركة . حتى إذا ساق الله إليه السحائب الموقرات بماء المطر انبعثت فيه الحياة والبركة وشاعت فيه الخيرات والثمرات بما يفيض على الحياة والناس الأمن والرخاء والنعمة . وذلك هو مقتضى قوله تعالى : { حتى إذا أقلت سحابا ثقالا سقناه لبلد ميت فأنزلنا به الماء فأخرجنا به من كل الثمرات } .

قوله : { كذلك نخرج الموتى لعلكم تذكرون } الكاف في اسم الإشارة في محل نصب صفة لمصدر محذوف . وتقدير الكلام : مثل ذلك الإخراج نخرج محل نصب صفة لمصدر محذوف . وتقدير الكلام : مثل ذلك الإخراج نخرج الموتى من القبور . وهذا برهان من الله لكل ذي عقل سليم وفطرة سوية . برهان منتزع من الواقع المنظور مما لا يعز على الأذهان أن تعيه أو تصوره ، وجملته : أن الله القادر على إحياء الأرض بعد مواتها ويبسها وجدبها ، ثم يثير فيها الحياة والحركة والنمو ؛ لهو قادر على إحياء الموتى من الأحياء في يوم البعث بعد أن أتى عليهم البلى والتعفية والدروس .

ألا يتشابه الحالان ؟ بلى إنهما متشابهان لا يختلفان لا في الأصل ولا في الكيفية ؛ فكلاهما في الأصل ميت وجامد وهامد . الأرض الميتة اليبس قبل أن يردها الماء مقفرة مجدبة ليس فيها حياة البتة . لكنها إذا ما سقيت ماء انبعث فيها الحياة والنماء والعطاء لتستحيل الأرض القفر بعد الماء إلى جنات حسان حيث الزروع والثمرات ، فتعبق بها الروائح الزكية الفواحة ، وتفيض على الناس زهوا وبهجة وجمالا .

إن الذي صنع من حبات الثرى الجوامد جنات خصيبة بهيجة مخضرة لهو قادر –بداهة- أن يحيي الخلائق بعد موتهم . وذلك هو تأويل قوله تعالى : { كذلك نخرج الموتى لعلكم تذكرون } إن هذا الإحياء العجيب الباهر ، وهذه العملية الربانية المذهلة في الخلق ، وبعض الحياة بعد موات واقفرار وركود ؛ لا جرم أنها خر دليل على حقيقة البعث يوم القيامة . وفي ذلك من قوة البرهان الساطع ما يعيه ويتذكره أولو النباهة والفطانة من الناس .


[1436]:البيان لابن الأنباري جـ 1 ص 366.
[1437]:المعجم الوسيط جـ 2 ص 756.
[1438]:المعجم الوسط جـ 1 ص 418.