تيسير التفسير لإبراهيم القطان - إبراهيم القطان [إخفاء]  
{قُل لَّا يَسۡتَوِي ٱلۡخَبِيثُ وَٱلطَّيِّبُ وَلَوۡ أَعۡجَبَكَ كَثۡرَةُ ٱلۡخَبِيثِۚ فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ يَـٰٓأُوْلِي ٱلۡأَلۡبَٰبِ لَعَلَّكُمۡ تُفۡلِحُونَ} (100)

وبعد أن بين الله تعالى أن الجزاء منوط بالأعمال ، أراد أن يبيّن ما يتعلق به الجزاء من صفات الأعمال والعاملين لها ، وأرشد إلى حقيقتين يترتب على كل منهما ما يليق بها من الجزاء :

1- لا يستوي الرديء والجيد من الأشياء والأعمال ، لا من حيث صلاح أمور الحياة بهما ، ولا في حكمهما عند الله . فبالظلم لا تستقيم الحياة ولا يرضى الله عنه . وذلك بخلاف العدل والصلاح .

2- إن الخبيث غرّار في الظاهر ، لكن الطيّب أفضلُ وأبقى . فالقليل من الحلال خير من الكثير الحرام ، كما أنه أدوَم وأطهر .

وما دام الأمر كذلك يا ذوي العقول المدركة ، فسارعوا إلى طاعة الله وقاية لكم من عذابه ، باختيار الطيبات واجتناب الخبائث . بذلك تفوزون في الدنيا والآخرة .

 
روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{قُل لَّا يَسۡتَوِي ٱلۡخَبِيثُ وَٱلطَّيِّبُ وَلَوۡ أَعۡجَبَكَ كَثۡرَةُ ٱلۡخَبِيثِۚ فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ يَـٰٓأُوْلِي ٱلۡأَلۡبَٰبِ لَعَلَّكُمۡ تُفۡلِحُونَ} (100)

{ قُلْ } يا محمد { لاَّ يَسْتَوِى الخبيث والطيب } أي الردىء والجيد من كل شيء ، فهو حكم عام في نفي المساواة عند الله تعالى بين النوعين والتحذير عن رديها وإن كان سبب النزول أن المسلمين أرادوا أن يوقعوا بحجاج اليمامة وكان معهم تجارة عظيمة فنهوا عن ذلك على ما مر ذكره ، وقيل : نزلت في رجل سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله إن الخمر كانت تجارتي وإني جمعت من بيعها مالاً فهل ينفعني من ذلك ( المال ) إن عملت فيه بطاعة الله تعالى ؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم : إن أنفقته في حج أو جهاد ( أو صدقة ) ( 1 ) لم يعدل جناح بعوضة إن الله تعالى لا يقبل إلا الطيب . وعن الحسن واختاره الجبائي الخبيث الحرام والطيب الحلال ، وأخرج ابن جرير وغيره عن السدي قال : الخبيث هم المشركون والطيب هم المؤمنون وتقديم الخبيث في الذكر للإشعار من أول الأمر بأن القصور الذي ينبىء عنه عدم الاستواء فيه لا في مقابله ، وقد تقدمت الإشارة إلى تحقيقه .

{ وَلَوْ أَعْجَبَكَ } أي وإن سرك أيها الناظر بعين الاعتبار { كَثْرَةُ الخبيث } . وقيل الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم والمراد أمته والواو لعطف الشرطية على مثلها المقدر . وقيل للحال أي لو لم يعجبك ولو أعجبك وكلتاهما في موضع الحال من فاعل { لاَ يَسْتَوِى } أي لا يستويان كائنين على كل حال مفروض . وقد حذفت الأولى في مثل هذا التركيب لدلالة الثانية عليها دلالة واضحة فإن الشيء إذا تحقق مع المعارض فلأن يتحقق بدونه أولى . وجواب لو محذوف في الجملتين لدلالة ما قبلها عليه { فاتقوا الله ياأولى * الالباب } في تحري الخبيث وإن كثر وآثروا عليه الطيب وإن قل فإن مدار الاعتبار هو الخيرية والرداءة لا الكثرة والقلة وفي الأكثر أحسن كل شيء أقله . ولله در من قال

: والناس ألف منهم كواحد *** وواحد كالألف إن أمر عنا

وفي الآية كما قيل إشارة إلى غلبة أهل الإسلام وإن قلوا { لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ } راجين أن تنالوا الفلاح والفوز بالثواب العظيم والنعيم المقيم .

( ومن باب الإشارة ) :{ قُل لاَّ يَسْتَوِى الخبيث } [ المائدة : 100 ] من النفوس والأعمال والأخلاق والأموال { والطيب } من ذلك { وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الخبيث } بسبب ملاءمته للنفس فإن الأول موجب للقربة دون الثاني { يا أيها الذين آمنوا } الإيمان البرهاني { لاَ تَسْأَلُواْ } من أرباب الإيمان العياني { عَنْ أَشْيَاء } غيبية وحقائق لا تعلم إلا بالكشف { إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ } تهلككم لقصوركم عن معرفتها فيكون ذلك سبباً لإنكاركم والله سبحانه غيور وإنه ليغضب لأوليائه كما يغضب الليث للحرب . وفي هذا كما قيل تحذير لأهل البداية عن كثرة سؤالهم من الكاملين عن أسرار الغيب وإرشاد لهم إلى الصحبة مع التسليم { وإن تسألوا عنها حين ينزل القرآن } الجامع للظاهر والباطن المتضمن لما سئلتم عنه { تُبْدَ لَكُمْ } [ المائدة : 101 ] بواسطته .

 
التفسير الوسيط للقرآن الكريم لسيد طنطاوي - سيد طنطاوي [إخفاء]  
{قُل لَّا يَسۡتَوِي ٱلۡخَبِيثُ وَٱلطَّيِّبُ وَلَوۡ أَعۡجَبَكَ كَثۡرَةُ ٱلۡخَبِيثِۚ فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ يَـٰٓأُوْلِي ٱلۡأَلۡبَٰبِ لَعَلَّكُمۡ تُفۡلِحُونَ} (100)

ثم صرح - سبحانه - بعد ذلك بأنه لا يستوي عنده الخبيث والطيب فقال : { قُل لاَّ يَسْتَوِي الخبيث والطيب وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الخبيث } .

والخبيث - كما يقول الراغب - ما يكره رداءه وخساسة محسوسا كان أم معقولا ، وأصله الردئ الدخلة الجاري مجري خبث الحديد كما قال الشاعر :

سبكناه ونحسبه لجينا . . . فأبدى الكير على خبث الحديد

وذلك يتناول الباطل في الاعتقاد ، والكذب في المقال ، والقبيح في الفعال .

والطيب : الشيء الحسن الذي أباحته الشريعة ورضيته العقول السليمة ، ويتناول الاعتقاد الحق ، والمقال الصدق ، والعمل الصالح .

والمعنى : قل - يا محمد - للناس : إنه لا يستوي عند الله ولا عند العقلاه القبيح والحسن من كل شيء ، لأن الشيء القبيح - في ذاته أو في سببه أو في غير ذلك من أشكاله - بغيض إلى الله وإلى كل عاقل ، وسكون مصيره إلى الهلاك والبوار .

أما الشيء الطيب الحسن فهو محبوب من الله ومن كل عاقل ، ومحمود العاقبة دنيا ودينا .

وقوله : { وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الخبيث } زيادة في التنفير من الشيء الخبيث ، وحض على التمسك بما هو طيب .

أي : لا يستوي في ميزان الله ولا في ميزان العقلاء الخبيث والطيب ، حتى ولو كان الفريق الخبيث كثير المظهر ، براق الشكل ، تعجب الناظرين هيئته فلا تغتر به أيها العاقل ، ولا تؤثر في نفسك كثرته وسطوته فإنه مهما كثر وظهر وفشا . فإنه سيء العاقبة ، سريع الزوال ، لذته تعقبها الحسرة ، وشهوته تتلوها الندامة ، وسطوته تصحبها الخسارة والكراهية ، وطريقة المليئة بالدنس والقذر يجب أن يوصد أبوابها الأخيار الشرفاء .

أما الفريق الطيب أو الشيء الطيب فهو محمود العاقبة ، لذته الحلال يباركها الله ، وثماره الحسنة تؤيدها شريعته وتستريح لها العقول السليمة ، والقلوب النقية من كل دنس وباطل وطريقه المستقيم - مهما قل - سالكوه - هو الطريق الذي يوصل إلى كل خير وفلاح .

ولا شك أن العقل عندما يتخلص من الهوى سيختار الطيب على الخبيث لأن في الطيب سعادة الدنيا والآخرة .

وما أحسن قول أم المؤمنين عائشة - رضي الله عنها : " ما تمتع الأشرار بشيء إلا وتمتع به الأخيار ، وزادوا عليهم رضا الله - عز وجل - " .

والفاء في قوله : { فاتقوا الله ياأولي الألباب لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ } للإفصاح عن كلام مقدر ، والتقدير :

إذا كان الأمر كما بينت لكم - أيها الناس - من أنه لا يستوي الخبيث والطيب . لأن أهل الخبيث سيعاقبون ويندمون مهما كثروا وأهل الطيب سيثابون ويفرحون ، إذا كان الأمر كذلك فاتقوا الله يا أصحابا العقول السليمة بأن تجتنبوا كل ما هو خبيث ، وتقبلوا على كل ما هو طيب ، لعلكم بسبب هذه التقوى والخشية من الله تنولون الفلاح والنجاح في دنياكم وآخرتكم .

والجملة الكريمة تذييل قصد به تأكيد ما مر من الترغيب في الطاعات والتحذير من المعاصي قال الفخر الرازي : لما ذكر - سبحانه - هذه الترغيبات الكثيرة في الطاعة ، والتحذيرات من المعصية . أتبعها بوجه آخر يؤكدها فقالك { فاتقوا الله ياأولي الألباب لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ } : أي : فاتقوا الله بعد هذه البيانات الجليلة والتعريفات القوية ، ولا تقدموا على مخالفته لعلكم تصيرون فائزين بالمطالب الدنيوية والدينية العاجلة والآجلة .