تيسير التفسير لإبراهيم القطان - إبراهيم القطان [إخفاء]  
{وَلَن تَرۡضَىٰ عَنكَ ٱلۡيَهُودُ وَلَا ٱلنَّصَٰرَىٰ حَتَّىٰ تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمۡۗ قُلۡ إِنَّ هُدَى ٱللَّهِ هُوَ ٱلۡهُدَىٰۗ وَلَئِنِ ٱتَّبَعۡتَ أَهۡوَآءَهُم بَعۡدَ ٱلَّذِي جَآءَكَ مِنَ ٱلۡعِلۡمِ مَا لَكَ مِنَ ٱللَّهِ مِن وَلِيّٖ وَلَا نَصِيرٍ} (120)

الملة : الطريقة ، الدين ، الشريعة ، جمعها ملل .

الأهواء : جمع هوى ، وأهل الأهواء أهل البدع ، قال السيد الجرجاني «الهوى ميلان النفس إلى ما تستلذ من الشهوات من غير داعية للشرع » . ولا يستعمل في الغالب إلا فيما ليس بحق وفيما لا خير فيه .

كان النبي صلى الله عليه وسلم حريصاً على أن يبادر أهلُ الكتاب إلى الإيمان به ، فكبُر عليه إعراضهم عن إجابة دعوته ، مع أنها موافقة لأصول دينهم .

وهنا يخاطبه الله تعالى بأنهم لن يرضوا عنه أبدا ، فيقول له : لا ترهق نفسك في استرضاء المعاندين من اليهود والنصارى ، فإن هؤلاء لن يرضوا عنك حتى تتبع دينهم الذي يزعمون أنه هو الصواب . ولا يوجد هدى حقيقي إلا ما أنزل الله على أنبيائه وما أنزلتُه عليك من الإسلام ، لا ما أضافه اليهود والنصارى من تحريف وتغيير حتى فرّقوا دينهم وكانوا شيعا . ولئن اتبعتَ أهواءهم وما أضافوا إلى دينهم وجعلوه أصلاً من أصول شريعتهم ، فإن الله لن ينصرك أو يساعدك على ذلك . وهذا إنذار شديد إلى الرسول الكريم الذي عصمه الله من الزيغ والزلل ، ولكنه في الحقيقة موجه للناس كافة .

وقد جاء الكلام هنا على هذا الأسلوب الشديد ، ليرشد من يأتي بعده أن يصدع بالحق ولا يبالي بمن خالفه ، مهما قوي حزبه واشتد أمره . فمن عرف أن الله ناصره لا يخاف إنكار المعاندين .

 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{وَلَن تَرۡضَىٰ عَنكَ ٱلۡيَهُودُ وَلَا ٱلنَّصَٰرَىٰ حَتَّىٰ تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمۡۗ قُلۡ إِنَّ هُدَى ٱللَّهِ هُوَ ٱلۡهُدَىٰۗ وَلَئِنِ ٱتَّبَعۡتَ أَهۡوَآءَهُم بَعۡدَ ٱلَّذِي جَآءَكَ مِنَ ٱلۡعِلۡمِ مَا لَكَ مِنَ ٱللَّهِ مِن وَلِيّٖ وَلَا نَصِيرٍ} (120)

قوله تعالى : { ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم قل إن هدى الله هو الهدى ولئن اتبعت أهواءهم بعد الذي جاءك من العلم ما لك من الله من ولي ولا نصير الذين آتيناهم الكتاب يتلونه حق تلاوته أولئك يؤمنون به ومن يكفر به فأولئك هم الخاسرون } .

ذلك إعلان من الله مسبق للنبي والمسلمين يفيد أن اليهود والنصارى سوف لا يرضون عن هذه الملة الإسلام ولا أهلها . وسوف لا تُجدي معهم كل أسباب الحوار والإقناع والمنطق ، ولا تؤثر في طبائعهم ونفوسهم الكزة كل البراهين والحجج . وليس هناك إلا سبيل واحدة يرضون عنها وهي أن يتبع النبي والمسلمون من بعده ملة الشرك التي عليها اليهود والنصارى ، أما غير هذه السبيل من سبل المناقشة والمحاجة والبرهان فهو أمر ميئوس منه ، وهو إنما يفضي بهم إلى مزيد من المكابرة والعناد والانتكاس . فإن أولئك فريق من البشر المتعصب الذي انكمشت فيه ظواهر اللين والخير ، وغارت فيه معاني اللين والتواضع والاستحياء ، وما باتت فيه عز النفوس التي مزقها الحسد والحقد ، وألبسها التعصب أغشية صفاقا من سوء الطبع ورغبة مستديمة في الكيد والتآمر على الإسلام وأهله .

وقوله : { ملتهم } يستفاد منه أن ملة الكفر واحدة ، وذلك الذي عليه كثير من العلماء والمفسرين . والملة هي الدين ، وقيل الشريعة{[125]} .

وبعد التيئيس من إرضاء اليهود والنصارى واستحالة موادتهم للنبي والمسلمين إلا باتباع ملة الارتكاس والتولي عن ملة الإسلام ، فإنه بعد ذلك يأمر الله نبيه عليه السلام ليقرر في حسم قاطع ومكشوف بأن ( هدى الله هو الهدى ) فإن الهدى الصحيح الذي يقوم على الحق والاستقامة والرشاد لهو هدى لله . وهو سبيله العدل وصراطه المستقيم الذي لا زيغ فيه ولا عوج والذي تجتمع فيه كل عناصر الخير والصلوح . وليس غير هدى الله إلا السبل المعوجة التي أفرزتها أهواء البشر ورغبائهم الشاذة الضالة .

قوله : { ولئن اتبعت أهواءهم بعد الذي جاءك من العلم ما لك من الله من ولي ولا نصير } وذلك تهديد من الله يخوف به عباده ، عسى أن يكون في ذلك ما يردعهم عن اتباع أهواء أهل الكتاب بعد أن عرفوا وجه الحقيقة والصواب بنزول القرآن . وليعلم المسلمون بعد ذلك أنهم إذا انحرفوا عن دين الله ، وحادوا عن سبيله التي لا تعرف العوج وغرتهم الأماني الواهمة ، فاتبعوا أهل الكتاب ، ومضوا على أثرهم يقلدونهم في كل مناحي الحياة أو جلها ، بعد أن نزل القرآن عليهم فلا جرم أن يكونوا خاسرين . فقد خسروا دنياهم ؛ لتجردهم من أصالة الانتماء إلى شريعة الله والانسلاخ من ملة التوحيد الخالص . وهم بخسارتهم هذه باتوا فاسقين مما سيخ . وكذلك قد خسروا الدار الآخرة ، فما لهم من الله حينئذ من عاصم ينصرهم ويدفع عنهم هول العذاب وبطش الإله المنتقم الجبار .


[125]:- مختار الصحاح ص 634.