كسبت واكتسبت : الفرق بينهما أن كسبت تستعمل في الخير ، واكتسبت في الشر . إصرا : حِملا ثقيلا ، وهي التكاليف الشاقة التي كانت تفرض على الأمم السابقة لكثرة عنادها وتشددها .
مولانا : مالكنا ومتولي أمورنا .
وقد منّ الله على المؤمنين حيث قال : { لاَ يُكَلِّفُ الله نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا } ، أي :
لا يكلف عباده إلا ما يطيقون ، فضلا منه ورحمة ، فلكل نفس ما كسبت من قول أو فعل ، وعليها ضرّ ما اكتسبت من شر .
ثم علّم الله المؤمنين كلمات يدعونه بها ترفع عنهم الحرج ، وتخفف عنهم عبء الخطأ والنسيان فقال : قولوا ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا ، ولا تشدّد علينا فتكلّفنا ما يشق علينا كما شدّدت على بني إسرائيل بسبب تعنتهم وظلمهم .
ربنا لا تحمّلنا ما يشق علينا من الأحكام والتكاليف ، واعفُ عنا بكرمك ، واغفر لنا بفضلك ، وارحمنا برحمتك التي وسعت كل شيء ، إنك أنت مالكنا ومتولي أمورنا فانصرنا يا ربنا على القوم الكافرين حتى نقوم بنشر دينك وإعلاء كلمتك .
وقد روى الطبراني في آخر هذه السورة عن ابن عباس أن رسول الله عند قراءة هذه الآية قال «إن الله تعالى يقول قد فعلت ، أي : عفوتُ عنكم وغفرت لكم ورحمتكم ونصرتكم على الكافرين ، فأعطيتُ هذه الأمة خوايتم سورة لم تعطَها الأمم قبلها » فإذا اتخذ المسلمون العدّة ، وقاموا ببذل الوسع في استكمال الوسائل التي أرشد إليها المولى سبحانه ، فإنه يستجيب دعوتهم وينصرهم على أعدائهم . فلقد ورد في الأثر أن هذه الأمة لا تغلب من قلّة ، لكنها قد تغلب لعدم قيام وُلاتها بالحق ، وغفلة شعوبها عن واجباتهم .
نسأل الله تعالى أن يوفقَنا إلى العمل الصادق بكتابه وسنته وأن يجمعَ شملنا ، ويوحدَ كلمتنا ، إنه نعم المولى ونعم النصير .
قوله : ( لا يكلف الله نفسا إلا وسعها ) هذه الآية هي إحدى الأمهات الكبريات التي تقوم عليها شريعة الإسلام . وهي سبب من أسباب الصلاح الذي يتجل في هذه الشريعة القائمة على الحنيفية السمحة أو السهولة واليسر ؛ كيلا يكون في الإسلام ضيق أو إعنات أو حرج كالذي كانت عليه الشرائع قبل الإسلام .
وفي الآية بيان بأن الله جل وعلا غير مكلف أحدا من العباد بما لا يطيق ، والوسع معناه الطاقة أو حجم الاقتدار للإنسان . فما كان فوق طاقة الإنسان مما يفوق حجم قدرته فهو غير مكلف به . وقد يكون التكليف بما يتضمن مشقة على أن يكون ذلك محتملا أو في حدود المقدور للإنسان .
وإن كانت المشقة غير محتملة أو لا يطيقها الإنسان فقد بات المرء فير مكلف بها استنادا إلى قوله تعالى : ( لا يكلف الله نفسا إلا وسعها ) . إن هذه الحقيقة من التيسير والتسهيل ورفع الحرج تتخلل كل جوانب هذا الدين الميسور . سواء في ذلك العقيدة بكل أركانها وأفرعها والأحكام من معاملات وجنايات وسلوك ، كل أولئك قد قرره الإسلام ليجيء منسجما مع طبيعة الإنسان وطاقته واقتداره . يدل على ذلك تشريع الإسلام للرخص في كل مناحي الشريعة لتكون للمسلمين مناصا ينفذون منه إلى حومة اليسر كلما حاق بهم ضيق أو حرج يصعب تجاوزه إلا بإعنات بالغ .
وقوله : ( لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت ) كسب واكتسب بمعنى واحد وهو التصرف سواء في ذلك عمل الخير أو الشر ، وعلى ذلك فالنفس لها ما أصابت من الخير وعليها ما أصابت من الشر من وجوه المحرمات والمحظورات . على أن اللفظين وهما الكسب والاكتساب من حيث المعنى والمدلول لا يفترقان ، لكن التكرار المتجانس هنا يراد منه التنويع في التصريف مراعاة لحسن الكلام وجودته بما يروق للنفس وهي تتملاه ، كشأن القرآن في هذه المسألة .
وقوله ( ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا ) ذلك تعليم من الله لعباده المؤمنين أن يدعوه بمثل هذا الدعاء وهو طلبهم إليه متوسلين ألا يؤاخذهم على النسيان والخطأ . ونفي المؤاخذة من الله في نسيان العبد وخطئه تعني رفع الإثم عنه في هذين الأمرين . وبذلك فإن العبد غير مؤاخذ في حال نسيانه وحال خطئه . وتلك رحمة من الله يفيضها على العباد . وفي هذا الصدد روى الطبراني في الكبير عن ثوبان أن رسول الله ( ص ) قال : " رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه " .
وقوله : ( ربنا ولا تحمل علينا إصرا كما حملته على الذين من قبلنا )
الإصر في اللغة العهد . والمراد به هنا الذنب والثقل والضيق ، وجمعه الآصار{[378]} . وذلكم ترشيد آخر من الله للمؤمنين ليدعوه بأن لا يكلفهم من الأفعال الشاقة الصعبة التي لا تطاق ، وذلك كالذي أثقل به كواهل الأمم السالفة من التكليف القاهر العسير .
ومن قواعد هذا الدين أنه قائم على الحنيفية والتيسير ، وأنه ينفي الضيق والحرج والتعسير كما بيناه نفا ؛ لأنه دين الفطرة الإنسانية ، والذي يتلاءم وطبيعة الإنسان في غير ما إعنات أو إحراج . يقول الرسول ( ص ) في ذلك : " الدين يسر فيسروا ولا تعسروا " ويقول عليه الصلاة والسلام : " بُعثت بالحنيفية السمحة "
وقوله : ( ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به ) وهو ترشيد ثالث للمؤمنين ليدعوا الله ألا يكلفهم من الواجبات والأعمال ما لا يطيقون . وقد استجاب الله لهذه الأمة دعاءها إذ أسقط عنها إثم النسيان والخطأ ، ولم يحملها من الآصار وثقيل التكاليف ما لا يطيقون كالذي أثقل به كواهل الأمم السالفة ، وبذلك قد أذهب عنها وطأة التكليف بما لا طاقة للإنسان به .
وأخيرا أفاض الله على المؤمنين بكريم العطاء وجزيل الخير إذا منّ عليهم بالعفو أولا وذلك عن الذنوب التي يقترفها العباد في حق الله ، ثم منّ عليهم بالغفر أي الستر فقد ستر الله للمؤمنين ذنوبهم التي اقترفوها في حق العباد .
وفوق ذلك كله تأتي الرحمة من الله يفيضها على عباده المؤمنين ليكونوا دائما في كلاءته وهم تحف بهم أجنحة الرحمة في حلهم وترحالهم وفي حياتهم الدنيوية هذه وما يتخللها من الأفعال والأقوال . وفي يقول سبحانه : ( واعف عنا واغفر لنا وارحمنا ) .
ثم يأتي الإقرار الحاسم الأكبر من العباد المؤمنين بأن الله جلت قدرته هو وليهم وناصرهم ، وإنه الرب المستعان وعليه الاعتماد والتكلان ، وأنه ليس لهم دونه من ولي ولا ناصر يكتب لهم النصر عل الأعداء المتربصين الكافرين . وفي ذلك يقول سبحانه : ( أنت مولانا فانصرنا على القوم الكافرين ) {[379]} .
نضرع إلى الله متوسلين متذللين ألا يؤاخذنا فيما كسبت أذهاننا من نسيان ، وما اكتسبت جوارحنا من أخطاء ، وأن يعفو عن زلاتنا ، ويغفر لنا الذنوب والآثام ، وأن يستر علينا العيوب والمعاصي ، وأن يفيض علينا برحمته التي وسعت كل شيء ، وأن يكتب النصر لدينه ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون . آمين .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.