الجحود والجحد : الإنكار وعدم الاعتراف بالحق .
إننا نعلم بتكذيبهم لرسالتك وحزنك وأسفك عليهم ، فلا تحزن من ذلك ، فان منشأ هذا التكذيب هو العناد والجحود .
إن الحقيقة أنهم لا يتهمونك يا محمد بالكذب ، ولكنهم يظلمون أنفسهم مكابرة في الحق وعناداً له ، فينكرون بألسنتهم دلائل صدقك ، وعلامات نوبتك .
هناك روايات كثيرة وردت عن إقرار بعض زعماء قريش بصدق النبي عليه الصلاة والسلام ، ولكنْ سراً بينهم . فقد روى ابن جرير عن السُدّي أن الأخنَس بن شريق وأبا جهل التقيا ، فقال الأخنس لأبي جهل : يا أبا الحكَم أخبرني عن محمد : أصادق هو أم كاذب ؟ فإنه ليس ها هنا أحد يسمع كلامك غيري . قال أبو جهل : والله إن محمداً لَصادق وما كذب قط ، ولكن إذا ذهب بنو قومه باللواء والسقاية والحجابة والندوة والنبوّة فماذا يكون لسائر قريش ؟ ! والزعامة الدنيوية والمصلحة هنا هما أساس إعراض أبي الحكَم ، كما ترى .
وروى سفيان الثورِي عن عليّ كرم الله وجهه قال : قال أبو جهل للنبي صلى الله عليه وسلم : إنّا لا نكذّبك ولكن نكذّب بما جئت به .
فهم يعلمون حق العلم أن الرسول صادق ، وقد جرّبوه منذ نشأته وعرفوه ، لكن خوفهم على مراكزهم جعلهم يصرّون على الكفر والجحود .
قوله تعالى : { قد نعلم إنه ليحزنك الذي يقولون فإنهم لا يكذبونك ولكن الظلمين بئايت الله يجحدون ( 33 ) ولقد كذبت رسل من قبلك فصبروا على ما كذبوا وأوذوا حتى أتهم نصرنا ولا مبدل لكلمت الله ولقد جاءك من نبإى المرسلين ( 34 ) وإن كان كبر عليك إعراضهم فإن استطعت أن تبتغي نفقا في الأرض أو سلما في السماء فتأتيهم بئاية ولو شاء الله لجمعهم على الهدى فلا تكونن من الجهلين ( 35 ) إنما يستجيب الذين يسمعون والموتى يبعثهم الله ثم إليه يرجعون } .
{ قد } هنا حرف تحقيق . وهو لتأكيد الشيء وتصديقه . ونعلم ، بمعنى علمنا .
وكسرت إن لدخول اللام . وفي هذا الآية تسلية من الله لنبيه صلى الله عليه وسلم . وذلك في تكذيب قومه له ومخالفتهم إياه وصدهم عن دينه فأصابه بذلك من الحزن ما أصابه .
كقوله سبحانه : { فلا تذهب نفسك عليهم حسرت } .
وجاء في سبب نزول الآية عن أبي زيد المدني أن النبي صلى الله عليه وسلم لقي أبا جهل فصافحه فقال له رجل : ألا أراك تصافح هذا الصابئ ؟ فقال : والله إني أعلم إنه لنبي ولكن متى كنا لبني عبد المناف تبعا ؟ فنزلت الآية { فإنهم لا يكذبونك ولكن الظلمين بئايت الله يجحدون } .
وذكر أنه التقى الأخنس بن شريق وأبو جهل فخلا الأخنس بأبي جهل فقال : يا أبا الحكم أخبرني عن محمد أصادق هو أم كاذب ، فإنه ليس ههنا من قريش غيري وغيرك يستمع كلامنا . فقال أبو جهل : ويحك والله إن محمدا لصادق وما كذب محمد قط ، ولكن إذا ذهبت بنو قصي باللواء والسقاية والحجارة والنبوة فماذا يكون لسائر قريش ؟ فنزلت الآية{[1155]} .
والمراد هنا أن المشركين ما كانوا يكذبونك أنت يا محمد . بل إنك عندهم لصادق . ولكنهم يكذبون ما جئتهم به من تنزيل ويجحدون الوحي النازل إليك من السماء . فما ينبغي لك أن تحزن عليهم أو تأس وتغتم لأجلهم فقد كذب كثير من المرسلين من قبلك فاحتملوا الأذى والضر وصبروا على البلاء والإساءة . وهو مقتضى قوله تعالى : { ولقد كذبت رسل من قبلك فصبروا على ما كذبوا وأوذوا حتى أتهم نصرنا } .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.