تيسير التفسير لإبراهيم القطان - إبراهيم القطان [إخفاء]  
{قُلۡ يَٰقَوۡمِ ٱعۡمَلُواْ عَلَىٰ مَكَانَتِكُمۡ إِنِّي عَامِلٞۖ فَسَوۡفَ تَعۡلَمُونَ مَن تَكُونُ لَهُۥ عَٰقِبَةُ ٱلدَّارِۚ إِنَّهُۥ لَا يُفۡلِحُ ٱلظَّـٰلِمُونَ} (135)

وتنتهي التعقيبات بتهديد عميق الإيحاء والتأثير في القلوب ، إذ يأمر الله رسوله الكريم أن ينذرهم بقوله :

{ قُلْ يَا قَوْمِ اعملوا على مَكَانَتِكُمْ إِنَّي عَامِلٌ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن تَكُونُ لَهُ عَاقِبَةُ الدار إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الظالمون } .

أي قل لهم يا محمد مهددا : اعملوا على النحو الذي اخترتموه بكل ما في قدرتكم ، أما أنا فسأعمل على طريقتي التي ربّاني عليها ربي ، وسوف تعلمون حتماً من تكون له العاقبة الحسنة في هذا الدار الآخرة . إن الله تعالى لم يكتب الفوز للظالمين ، فهم لا يفلحون أبدا .

قراءات :

قرأ حمزة والكسائي «من يكون له عاقبة الدار » بالياء ، وقرأ الباقون «تكون » بالتاء كما هو في المصحف .

 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{قُلۡ يَٰقَوۡمِ ٱعۡمَلُواْ عَلَىٰ مَكَانَتِكُمۡ إِنِّي عَامِلٞۖ فَسَوۡفَ تَعۡلَمُونَ مَن تَكُونُ لَهُۥ عَٰقِبَةُ ٱلدَّارِۚ إِنَّهُۥ لَا يُفۡلِحُ ٱلظَّـٰلِمُونَ} (135)

ولما تقرر ذلك من التهديد على إنكار البعث وتحرر ، فأنتج الاجتهاد للعاقل - ولا بد -{[31309]} في العمل ، وكان{[31310]} أكثر الخلق أحق{[31311]} ، أمره سبحانه بالنصيحة بقوله : { قل يا قوم } أي يا أقرب الخلق إليّ وأعزهم عليّ{[31312]} ومن لهم قيام في الأمور وكفاية عند المهمات { اعملوا } وأشار إلى مزيد القوة بعد التعبير بالقوم بحرف الاستعلاء فقال : { على مكانتكم } أي على ما لكم من القدرة على العمل والمكنة قبل أن تأتي الدواهي وتسبقكم القواصم بخفوق الأجل ، وفيه مع النصيحة تخويف أشد مما قبله ، لأن تهديد الحاضر على لسان الغير مع الإعراض أشد من مواجهته بالتهديد ، أي أنكم لم تقبلوا بذلك التهديد الأول كنتم أهلاً للإعراض والبعد .

ولما كان أدل شيء على النصيحة مبادرة الناصح إلى مباشرة ما نصح به ودعا إليه ، قال مستانفاً أو معللاً : { إني عامل } أي على مكانتي وبقدر استطاعتي قبل الفوت بحادث الموت ، ويمكن أن يكون متمحضاً للتهديد ، فيكون المعنى : اعملوا بما أنتم تعملونه الآن من مخالفتي بغاية ما لكم من القوة ، إني كذلك أعمل فيما جئت به .

ولما كان وقوع المتوعد به سبباً للعلم بالعاقبة ، وكان السياق لعدم تذكرهم وغرورهم وقلة فطنتهم{[31313]} ، حسن إثبات الفاء في قوله : دون إسقاطها لأن الاستئناف يتعطف للسؤال فقال{[31314]} : { فسوف تعلمون } أي يقع{[31315]} لكم بوعد لا خلف فيه العلم ، فكأنه قيل : أيّ علم ؟ فقيل : { من تكون له } كوناً كأنه جبل عليه { عاقبة الدار } أي بيني{[31316]} وبينكم ، وهذا في إثبات الفاء بخلاف ما في قصة شعيب عليه السلام من سورة هود عليه السلام{[31317]} في حذفها{[31318]} ؛ ولما كان التقدير جواباً لما تقرر{[31319]} من سؤالهم : عاقبة الدار للعامل العدل ، استأنف قوله : { إنه لا يفلح الظالمون * } أي الغريقون في الظلم كائنين من كانوا ، فلا يكون لهم عاقبة الدار ، فالآية من الاحتباك : ذكرُ العاقبة أولاً دليل على حذفها ثانياً ، وذكر الظلم ثانياً دليل{[31320]} على حذف العدل أولاً .


[31309]:في ظ: للعمل.
[31310]:زيد بعده في ظ: في.
[31311]:في ظ: أحمق.
[31312]:سقط من ظ.
[31313]:زيد من ظ.
[31314]:زيد من ظ.
[31315]:سقط من ظ.
[31316]:سقط من ظ.
[31317]:راجع آية 93.
[31318]:زيد من ظ.
[31319]:من ظ، وفي الأصل: يقرر.
[31320]:زيد من ظ.
 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{قُلۡ يَٰقَوۡمِ ٱعۡمَلُواْ عَلَىٰ مَكَانَتِكُمۡ إِنِّي عَامِلٞۖ فَسَوۡفَ تَعۡلَمُونَ مَن تَكُونُ لَهُۥ عَٰقِبَةُ ٱلدَّارِۚ إِنَّهُۥ لَا يُفۡلِحُ ٱلظَّـٰلِمُونَ} (135)

قوله : { قل يقوم اعملوا على مكانتكم إني عامل } أي اعملوا أيها المشركون على طريقتكم وشاكلتكم وأنا عامل على طريقتي وشاكلتي . أي اعملوا ما أنتم عاملون فإني عامل ما أنا عامله مما أمرني ربي به وهو الثبات على الإسلام والامتثال لأوامر الله والخضوع لدينه الحنيف . أما أن يؤمر المشركون بالثبات على ما هم عليه ، فذلك على سبيل التهديد لهم والوعيد . وذلك كقوله تعالى : { فليضحكوا قليلا وليبكوا كثيرا } .

قوله : { فسوف تعلمون من تكون له عقبة الدار } المراد بالدار : هذه الدنيا . والعاقبة : الحسنى ، أو عاقبة الخير ، أو العاقبة المحمودة . وعاقبة الدار أي العاقبة الحسنة التي خلق الله تعالى هذه الدار لها . ذلك أن الدنيا مزرعة الآخرة ، وقنطرة يمر من فوقها العباد في طريقهم إلى يوم الحساب . ومن ، استفهامية ، في محل رفع على الابتداء ، والجملة بعدها خبرها . والمعنى : سوف تعلمون أيها المشركون أينا تكون له العاقبة الحسنى التي خلق الله لها هذه الدار . وقيل : من اسم موصول بمعنى الذي وهو في محل نصب مفعول { تعلمون } أي سوف تعلمون الذي له عاقبة الدار . وفي ذلك من الإنذار والوعيد ما لا يخفى .

قوله : { إنه لا يفلح الظالمون } أي أن هؤلاء المشركون لن يفوزوا أو يفلحوا في حياتهم الدنيا ولا الآخرة . فلسوف يحرمون في حياتهم هذه من البركة ورضى النفس وسكينتها فضلا عما يبتليهم به الله من أمراض الهلع والجشع وفرط الأنانية واحترار الشهوات التي تظل تؤزهم أزا ثم يثوبون بعد ذلك إلى جحيم البرزخ وهو التوطئة المفروضة للعذاب الواصب الأكبر في الآخرة{[1281]} .


[1281]:- فتح القدير ج 2 ص 164- 165 وتفسير البيضاوي ص 192 والكشاف ج 2 ص 52.