تيسير التفسير لإبراهيم القطان - إبراهيم القطان [إخفاء]  
{۞وَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّمَا غَنِمۡتُم مِّن شَيۡءٖ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُۥ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي ٱلۡقُرۡبَىٰ وَٱلۡيَتَٰمَىٰ وَٱلۡمَسَٰكِينِ وَٱبۡنِ ٱلسَّبِيلِ إِن كُنتُمۡ ءَامَنتُم بِٱللَّهِ وَمَآ أَنزَلۡنَا عَلَىٰ عَبۡدِنَا يَوۡمَ ٱلۡفُرۡقَانِ يَوۡمَ ٱلۡتَقَى ٱلۡجَمۡعَانِۗ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٌ} (41)

الغُنم والمغنم والغنيمة : ما يناله الإنسان في الحرب من أموال الأعداء . يوم الفرقان : يوم بدر .

اعلموا أيها المؤمنون ، أن حُكم كل ما غنمتموه من الأعداء المحاربين أن يُقسم خمسة أخماس : خمس منها لله وللرسول ولقرابته ، واليتامى ، وهم أطفال المسلمين الذين مات آباؤهم وهم فقراء ، والمساكين ، وهم ذوو الحاجة من المسلمين ، وابن السبيل ، وهم المنقطع في سفره . ويُنفق من هذا المخصص لله وللرسول في المصالح العامة التي يقررها الرسول في حياته ، ويقرّرها الإمامُ بعد وفاته ، وباقي الخمس يصرف للمذكورين آنفا . وأما الأخماس الأربعة الباقية من الغنيمة ، فهي للمقاتلين .

وقرابة النبي عليه الصلاة والسلام هم بنو هاشم وبنو المطّلب ، دون بني عبد شمس ونوفل .

روى البخاري عن مطعم بن جبير ( من بني نوفل ) قال : مشيت أنا وعثمان بن عفان ( من بني عبد شمس ) إلى الرسول فقلنا : يا رسول الله ، أعطيتَ بني المطّلب وتركتَنا ، ونحن وهم بمنزلة واحدة ، فقال الرسول الكريم : ( إنما بنو المطّلب وبنو هاشم واحِد ) .

والسر في هذا أن قريشاً لما حصَرت بني هاشم في الشِعب وقاطعتهم دخَلَ معهم فيه بنو المطلب ، ولم يدخل بنو عبد شمس ولا بنو نوفل .

والحكمة في تقسيم الخُمس على هذا النحو ، أن الدولة التي تدير سياسة الأمة لا بدَّ لها من المال لتستعين به على القيام بالمصالح العامة ، كشعائر الدين والدفاع عن الأمة ، وهو ما جُعل لِلّه في هذه الآية ، ثم إن هناك نفقة رئيس حكومتها وهو سهمُ الرسول فيها ، ثم لِذوي القربى وذوي الحاجات من ضعفاء الأمة .

ولا يزال هذا الاعتبار معمولاً به في كثير من الدول مع اختلاف شؤون المجتمع والمصالح العامة ، فالمالُ الذي رُصد للمصالح العامة يدخل في موازنة الوزارات المختلفة ما بين مصروفات علنية وسرّية ، ولا سيما الأمور الحربية . وكذلك راتبُ رأس الدولة من ملكٍ أو رئيس جمهورية ، منه ما هو خاصٌ بشخصه ، ومنه ما هو لأُسرته وعياله . ومن موازنة الدولة ما يُبذل لإعانة الجمعيات الخيرية والعِلمية غيرها .

وعند الشيعة تفسيرٌ للغنيمة أعمُّ مما عند السنّة ، كما أنهم اختلفوا عنهم في تقسيم الخمس ، فقالوا : يُقسم الخُمس إلى قسمين : الأول منها ثلاثة أسهم : سهمٌ لله ، وسهم لرسوله ، وسهم لذوي قرباه . وما كان لله فهو للرسول ، وما كان للرسول فهو لقرابته ، ووليُّ القرابة بعد النبي هو الإمام المعصوم القائم مقام النبي ، فإن وُجد أعطي له ، وإلا وجَب إنفاقه في المصالح الدينية ، وأهمُّها الدعوةُ إلى الإسلام ، والعملُ على نشره وإعزازه .

أما القسم الثاني فهو ثلاثة أسهم : سهم لأيتام آل محمد ، وسهم لمساكينهم ، وسهم لأبناء السبيل منهم خاصة ، لا يشاركهم فيه أحد ، لأن الله حرّم عليهم الصَدقات فعوّضهم عنها بالخمس .

فاعلموا ذلك أيها المسلمون ، واعملوا به إن كنتم آمنتم بالله حقا ، وآمنتم بما أَنزلْنا على عبدنا محمد يوم الفرقان من آيات التثبيت والمدد ، وهو اليوم الذي التقى فيه جمعكم وجمع الكافرين ببدر .

{ والله على كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ } ومن عظيم قدرته أن نصَركم على قلتكم وضعفكم ، وخذل الكافرين مع كثرتهم .

 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{۞وَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّمَا غَنِمۡتُم مِّن شَيۡءٖ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُۥ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي ٱلۡقُرۡبَىٰ وَٱلۡيَتَٰمَىٰ وَٱلۡمَسَٰكِينِ وَٱبۡنِ ٱلسَّبِيلِ إِن كُنتُمۡ ءَامَنتُم بِٱللَّهِ وَمَآ أَنزَلۡنَا عَلَىٰ عَبۡدِنَا يَوۡمَ ٱلۡفُرۡقَانِ يَوۡمَ ٱلۡتَقَى ٱلۡجَمۡعَانِۗ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٌ} (41)

ولما كان التقدير : فإذا أعانكم مولاكم عليهم وغلبتموهم وغنمتم فيه فلا تنسبوا إلى أنفسكم فعلاً ، بل اعلموا أنه هو الفاعل وحده لأن جميع الأفعال متلاشية بالنسبة إلى فعله فلا تتنازعوا في المغنم تنازع من أخذه بقوته وحازه بقدرته ، عطف عليه قوله : { واعلموا } ابتداء بهذا الأمر إشارة إلى أن ما بعدها من المهمات ليبذلوا الجهد في تفريغ أذهانهم لوعيه وتنزيله منازله ورعيه { أنَّما } أي الذي { غنمتم } و{[34997]} الغنيمة لغة : الفوز بالشيء ، وشرعاً ما دخل في أيدي الملسمين من مال الكفار قهراً بالخيل والركاب ، وزاد في التعميم حتى لأقل ما يمكن بقوله : { من شيء } أي حتى الخيط والمخيط فإنه كله له ، لأنه الناصر وحده وإنما أنتم آلة لا قدرة{[34998]} لكم على مقاومة الأعداء لأنهم جميع أهل الأرض ولا نسبة لكم منهم في عدد ولا قوة أصلاً ، فالجاري على منهاج العدل المتعارف عندكم أن يأخذه كله ولا يمكنكم من شيء منه كما كان فيمن قبلكم ، يعزل فتنزل نار من السماء فتأكله ، ولكنه سبحانه -{[34999]} علم ضعفكم فمنّ عليكم به ورضي منكم منه بالخمس فسماه لنفسه ورده عليكم ، وهو معنى قوله : { فأن لله } أي الذي له كل شيء { خمسه } .

ولما كان من المعلوم أن الله تعالى أجلّ{[35000]} من أن يناله نفع أو ضر ، كان من المعلوم أن ذكر اسمه سبحانه إنما هو للإعلام بأن إسلام هذا الخمس والتخلي عنه لا حظ للنفس فيه ، وإنما هو لمحض الدين تقرباً إليه سبحانه ، فذكر مصرفه بقوله : { وللرسول } أي يصرف إليه خمس هذا الخمس ما دام حياً ليصرفه في مصالح المسلمين ، ويصرف بعده إلى القائم مقامه ، يفعل فيه ما كان صلى الله عليه وسلم يفعله { ولذي القربى } أي من الرسول ، وهم الآل الذين تحرم عليهم الزكاة : بنو هاشم وبنو المطلب { واليتامى } أي لضعفهم { والمساكين } لعجزهم { وابن السبيل } أي المسافر لأن الأسفار مظنات الافتقار ، فالحاصل أنه سبحانه لم يرزأكم من المغنم شيئاً ، فاعرفوا فضله عليكم أولاً بالإنعام بالنصر ، وثانياً بحل المغنم ، وثالثاً بالإمكان من الأربعة الأخماس ، ورابعاً برد الخمس{[35001]} الخامس فيكم ، فاشتغلوا بشكره فضلاً عن أن تغفلوا عن ذلك فضلاً عن أن تتوهموا أن بكم فعلاً تستحقون به شيئاً فضلاً عن أن تفعلوا من المنازعة في المغنم فعل{[35002]} القاطع بالاستحقاق ، اعلموا ذلك كله علم المصدق المؤمن المذعن لما علم لتنشأ عنه ثمرة العمل { إن كنتم } صادقين في أنكم { آمنتم بالله } أي الذي لا أمر لأحد معه { وما } أي وبالذي { أنزلنا } أي إنزالاً واحداً{[35003]} سريعاً لأجل التفريج عنكم من القرآن والجنود والسكينة في قلوبكم وغير ذلك مما تقدم وصفه { على عبدنا } أي الذي يرى دائماً{[35004]} أن الأفعال كلها لنا فلا ينسب لنفسه شيئاً إلا بنا { يوم الفرقان } أي يوم بدر الذي جعلنا لكم فيه عزاً ينفذ{[35005]} به أقوالكم وأفعالكم في فصل الأمور .

ولما وصفه سبحانه بالفرقان تذكيراً لهم بالنعمة ، بينه بما صور حالهم إتماماً لذلك - أو أبدل منه - فقال : { يوم التقى } أي عن غير{[35006]} قصد من الفريقين بل بمحض تدبير الله { الجمعان } أي اللذان أحدهما أنتم وكنتم حين الترائي - لولا فضلنا - قاطعين بالموت ، وثانيهما أعداؤكم وكانوا على اليقين بأنكم في قبضتهم ، وذلك هو الجاري على مناهج{[35007]} العوائد ، ولو قيل : يوم بدر ، لم يفد هذه الفوائد .

ولما كان انعكاس الأمر في النصر محل عجب ، ختم الآية بقوله : { والله على كل شيء } أي من نصر القليل على الكثير وعكسه وغير ذلك من جميع الأمور { قدير* } فكان ختمها بذلك كاشفاً للسر ومزيلاً للعجب ومبيناً أن ما فعل هو الجاري على سنن سنته المطرد في قديم عادته عند من يعلم أيامه الماضية في جميع الأعصر الخالية .


[34997]:سقط من ظ.
[34998]:في ظ: قدر.
[34999]:زيد من ظ.
[35000]:زيد من ظ.
[35001]:من ظ، وفي الأصل: الأخماس.
[35002]:من ظ، وفي الأصل: فقال.
[35003]:زيد بعده في ظ: وهذا.
[35004]:تأخر في ظ عن "الأفعال كلها".
[35005]:في ظ: تنفذ.
[35006]:سقط من ظ.
[35007]:في ظ: مناهيج.