ثم بعد ذلك ذكرت الآيات الدواء لتلك الغفلة والوسائل التي تخرج إلى ضدها وهي ذِكْر الله ودعاؤه في السرّ والعلَن في جميع الأوقات .
ولله دون غيره الأسماءُ الدالة على أكمل الصّفات فاذكروه بها ، دعاءً ونداءً وتسمية ، واتركوا جميع الذين يلحدون في أسمائه فيما لا يليق بذاته العلّية ، لأنهم سيلقَون جزاءَ عملهم ، وتحلُّ بهم العقوبة .
وللذِكر فوائد ، منها : تغذية الإيمان ، ومراقبة الله تعالى والخشوع له والرغبة فيما عنده ، ونسيان آلام الدنيا . وقد وردت أحاديث كثيرة في الحث على الدعاء والالتجاء إلى الله ، منها الحديث الصحيح : «من نزل به غَم أو كربٌ ، أو أمرٌ مهم فليقل : لا إله إلا الله العظيم الحليم ، لا إله إلا الله ربّ العرش العظيم ، لا إله إلا الله ربّ السماوات والأرض ورب العرش الكريم » رواه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي .
وروى الحاكم في ( المستدرك ) عن أَنس رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لفاطمة رضي الله عنها : «ما يمنعكِ أن تسمعي ما أُوصيكِ به ؟ أن تقولي إذا أصبحتِ وإذا أمسيتِ : يا حيّ يا قيّوم ، برحمتِكَ أَستغيث ، أصلحْ لي شأني ، ولا تكِلْني إلى نفسي طرفة عين » .
{ ولله الأسماء الحسنى } قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إن لله تسعة وتسعون اسما من أحصاها دخل الجنة " . وسبب نزول الآية : أن أبا جهل –لعنه الله- سمع بعض الصحابة يقرأ فيذكر الله مرة ، والرحمن أخرى ، فقال يزعم محمد أن الإله واحد وها هو يعبد آلهة كثيرة ، فنزلت الآية مبينة أن تلك الأسماء الكثيرة هي لمسمى واحد ، والحسنى مصدر وصف به أو تأنيث أحسن ، وحسن أسماء الله هي أنها صفة مدح وتعظيم وتحميد .
{ فادعوه بها } أي : سموه بأسمائه : وهذا إباحة لإطلاق الأسماء على الله تعالى ، فأما ما ورد منها في القرآن أو الحديث ، فيجوز إطلاقه على الله إجماعا وأما ما لم يرد وفيه مدح لا تتعلق به شبهة ، فأجاز أبو بكر بن الطيب إطلاقه على الله ومنع ذلك أبو الحسن الأشعري وغيره ، ورأوا أن أسماء الله موقوفة على ما ورد في القرآن والحديث ، وقد ورد في كتاب الترمذي عدتها أعني تعيين التسعة والتسعين ، واختلف المحدثون هل تلك الأسماء المعدودة فيه مرفوعة إلى النبي صلى الله عليه وسلم أو موقوفة على أبي هريرة ، وإنما الذي ورد في الصحيح كونها تسعة وتسعين من غير تعيين .
{ وذروا الذين يلحدون في أسمائه } قيل : معنى ذروا اتركوهم لا تحاجوهم ولا تتعرضوا لهم ، فالآية على هذا منسوخة بالقتال ، وقيل : معنى ذروا الوعيد والتهديد كقوله : { وذرني والمكذبين } [ المزمل : 11 ] ، وهو الأظهر لما بعده وإلحادهم في أسماء الله : هو ما قال أبو جهل فنزلت الآية بسببه ، وقيل : تسميته بما لا يليق ، وقيل : تسمية الأصنام باسمه كاشتقاقهم اللات من الله ، والعزى من العزيز .
ولما أنتج هذا أن لهم الأسماء السوأى ولمعبوداتهم أسوأ منها ، عطف عليه{[34170]} دفعاً لوهم من يتوهم بالحكم بالضلال والذرء لجهنم ما لا يليق ، وتنبيهاً على أن الموجب لدخول جهنم الغفلة عن ذكر الله{[34171]} ودعائه - قوله : { ولله } أي الملك الأعلى المحيط بجميع صفات الكمال وحده { الأسماء } ولما كان الاسم إذا لحظت فيه المناسبة كان بمعنى الصفة ، أنث في قوله{[34172]} { الحسنى } أي كلها باتصافه دون غيره بصفات الكمال التي كل واحدة{[34173]} منها أحسن شيء وأجمله وتنزهه عن شوائب النقص وسمات الحدث ، فكل أفعاله حكمة و{[34174]}إنما كان مختصاً بذلك لأن الأشياء غيره{[34175]} ممكنة لتغيرها ، وكل{[34176]} ممكن محتاج وأدنى ما يحتاج{[34177]} إلى مرجح يرجح وجوده ، وبذلك نعلم وجود المرجح ونعلم أن ترجيحه على سبيل الصحة والاختيار لا الوجوب ، وإلا لدام العالم بدوامه ، وبذلك ثبتت قدرته ، وتكون أفعاله محكمة ثبت علمه فثبتت حياته وسمعه وبصره وكلامه وإرادته ووحدانيته ، وإلا لوقع التنازع فوقع الخلل{[34178]} ، فالعلم بصفاته العلى ليس في درجة واحدة بل مترتباً ، وعلم بهذا أن الكمال له لذاته ، وأما غيره فكماله به وهو بذاته غرق في بحر الفناء واقع في حضيض النقصان { فادعوه } أي فصفوه وسموه واسألوه { بها } لتنجوا من جهنم وتنالوا كل ما تحمد عاقبته ، فإن القلب إذا غفل عن ذكر الله أقبل على الدنيا وشهواتها فوقع في نار الحرص وزمهرير الحرمان ولا يزال في{[34179]} رغبة إلى رغبة حتى لا يبقى له مخلص ، وإذا{[34180]} أقبل على{[34181]} الذكر تخلص عن نيران الآفات واستشعر بمعرفة الله حتى تخلص{[34182]} من{[34183]} رق الشهوات فيصير حراً فيسعد بجميع المرادات ، وكثرة الأسماء لا تقدح في التوحيد بل{[34184]} تدل على عظم المسمى { وذروا } أي اتركوا على حالة ذرية { الذين يلحدون } أي يميلون عما حد لهم بزيادة فيشبهوا أو نقص فيعطلوا{[34185]} { في أسمائه } أي فيطلقونها على غيره بأن يسموه إلهاً ، فيلزمهم أن يطلقوا عليه جميع أوصاف الإله . فقد ألحدوا في البعض بالفعل وفي الباقي باللزوم ، أو بأن يسموه بما لم يأذن فيه{[34186]} ، وما لم يأذن فيه{[34187]} تارة يكون مأذوناً فيه في الجملة كالضار فلا يجوز ذكره إلا مع النافع ، وتارة لا ، مثل إطلاق الأب عليه والجسم ، وكذا كل ما أوهم نقصاً ، فلم يكن أحسن ، ولورود{[34188]} إطلاق بعض{[34189]} اشتقاقاته عليه{[34190]} مثل علم لا يجوز{[34191]} أن يقال لأجله :معلم ، وكذا لحبهم{[34192]} لا يجوز لأجله أن يقال : ياخالق الديدان والقردة مثلاً ، وكذا لا يجوز{[34193]} أن يذكر اسم لا يعرف الذاكر معناه ولو كان الناس يفهمون منه مدحاً كما يقول بعض البدو : يا أبيض الوجه ! يا أبا المكارم ! فإن ذلك كله إلحاد ، وهذا الفعل يستعمل مجرداً ومزيدا فيقال : لحد في كذا وألحد فيه - بمعنى واحد ، وهو العدول عن الحق والإدخال فيه ما ليس منه{[34194]} - نقله أبو حيان عن ابن السكيت ؛ وقال الإمام أبو القاسم علي بن جعفر بن القطاع في كتاب الأفعال : لحد الميت لحداً وألحده : شق له جانب القبر ، وإلى الشيء و{[34195]}عنه وفي الدين : مال ، وقرئ بهما كذلك .
ولما كان كأنه قيل : فما يفعل بمن ألحد ؟ وكان المرهب إيقاع الجزاء ، لا كونه من معين ، قال بانياً للمفعول : { سيجزون } أي في الدنيا والآخرة بوعد لا خلف فيه { ما كانوا } أي{[34196]} بجبلاتهم { يعملون* } أي فيفعل بهم من أنواع الإهانة والعقوبة ما يوجب وصفهم بأقبح الأوصاف ضد ما كانوا يسمعونه في الدنيا ممن يدانيهم{[34197]} .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.