بعد أن ذكرا لله تعالى أفعال المنافقين وصفاتِهم المنكرة ، وذكر ما أعدَّه لهم من العذاب في الدنيا والآخرة ، بيّنَ لنا صفة المؤمنين والمؤمنات ، الصادقين في إيمانهم ، الذين هُدُوا إلى الطّيب من القول ، وساروا على الصراط المستقيم .
{ والمؤمنون والمؤمنات بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بالمعروف وَيَنْهَوْنَ عَنِ المنكر } .
إنهم نصراء بعضٍ يتّجهون بهذه الوَلاية إلى الأمر بالمعروفِ والنهي عن المنكر ، لتحقيق الخير ودفع الشر ، مع التضامن والتعاون لإعلاء كملة الله . وهم «يقيمون الصلاة » في أوقاتها ، وهي الصلة التي تربطهم بالله ، «ويؤتون الزكاة » تلك الفريضة العظيمة التي تربط بين جماعة المسلمين ، وتحقّق الصورة الماديّة والروحية للولاية والتضامن ، «ويطيعون اللهَ ورسولَه » بامتثال الأوامر ، واجتناب النواهي .
ماذا أعد الله لِلذين يتّصفون بهذه الصفات السامية ؟
{ أولئك سَيَرْحَمُهُمُ الله } .
إن الله يتعهدهم برحمته في الدنيا والآخرة .
فهذه الصفات الأربع في المؤمنين : الأمر بالمعروف . والنهي عن المنكر ، وإقامة الصلاة ، وإيتاء الزكاة ، تقابلُ من صفاتِ المنافقين : الأمرَ بالمنكر ، والنهيَ عن المعروف ، ونسيانَ الله ، وقبضَ الأيدي ، وصفات المؤمنين هي التي وعدهم اللهُ عليها بالنصر والتمكين في الأرض ، { الله عَزِيزٌ حَكِيمٌ } .
ولما بين سبحانه أن المنافقين بعضهم من بعض وما توعدهم به وما{[36854]} استتبعه من تهديدهم بإهلاك من شابهوه ، وختم بما سبب هلاكهم من إصرارهم وعدم اعتبارهم ، عطف ببيان حال المؤمنين ترغيباً في التوبة طمعاً في مثل حالهم فقال : { والمؤمنون } { والمؤمنات } أي بما جاءهم عن ربهم { بعضهم أولياء } ولم يقل : من{[36855]} ، كما قال في المنافقين : من { بعض } دلالة على أن أحداً منهم لم يقلد أحداً في أصل الإيمان ولا وافقه بحكم الهوى ، بل كلهم مصوبون{[36856]} بالذات وبالقصد الأول إلى اتباع رسول الله صلى الله عليه وسلم بالدليل القطعي على حسب فهم كل أحد{[36857]} منهم ، فذلك دليل على صحة إيمانهم ورسوخهم في تسليمهم وإذعانهم ؛ ثم بين ولا يتهم بأنهم يد واحدة على من سواهم كالجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر فقال : { يأمرون } أي كلهم على وجه التعاضد والتناصر { بالمعروف } وهو كل ما عرفه الشرع وأجازه { وينهون } أي{[36858]} كذلك { عن المنكر } لا يحابون أحداً .
ولما ذكر الدليل القطعي على صحة الإيمان ، أتبعه أفضل العبادات فقال : { ويقيمون الصلاة } أي يوجدونها{[36859]} على صفة تقتضي قيامها بجميع أركانها وشروطها وحدودها مراقبة لربهم واستعانة بذلك على جميع ما ينوبهم { ويؤتون الزكاة } أي مواساة منهم لفقرائهم صلة للخلائق بعد خدمة الخالق ، وذلك مواز لقوله في المنافقين { ويقبضون أيديهم } ولما خص أمهات الدين ، عم بياناً لأنهم لا ينسون الله طرفة عين بل يذكرونه في كل حال بقوله : { ويطيعون الله } أي الملك الأعظم الذي لا ملك سواه { ورسوله } إشارة إلى حسن سيرتهم وجميل عشرتهم .
ولما ذكر مكارم أفعالهم ، أتبعه حسن مآلهم فقال : { أولئك } أي العظماء الشأن { سيرحمهم الله } أي المستجمع لصفات الكمال بوعد لا خلف فيه ، وهذا مع الجملة قبله مواز لقوله في المنافقين { نسوا الله فنسيهم } وهو إشارة إلى أن الطريق وعر والأمر شديد{[36860]} عسر ، فالسائر مضطر إلى الرحمة ، وهي المعاملة بعد الغفران بالإكرام ، لا قدرة له على قطع مفاوز الطريق إلا بها ، ولا وصول له أصلاً من غير سببها .
ولما بين أن حال المؤمنين مبني على الموالاة {[36861]}وكانت الموالاة{[36862]} فقيرة إلى الإعانة قال : { إن الله } أي الذي له الإحاطة الكاملة { عزيز } أي غالب غير مغلوب بوجه ، فهو قادر على نصر من يوالي حزبه وأن ينيله من ثمرات الرحمة ما يريد من غير أن يقدر أحد على أن يحول بينه وبين شيء من ذلك { حكيم* } أي فلا يقدر أحد على نقض ما يحكمه وحل ما يبرمه ، وفي ذلك إشارة إلى أن المؤمنين لا يزالون منصورين على كل مفسد ما داموا على هذه الخلال من الموالاة وما معها من حميد الخصال .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.