تيسير التفسير لإبراهيم القطان - إبراهيم القطان [إخفاء]  
{وَمَن يَعۡمَلۡ مِنَ ٱلصَّـٰلِحَٰتِ مِن ذَكَرٍ أَوۡ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤۡمِنٞ فَأُوْلَـٰٓئِكَ يَدۡخُلُونَ ٱلۡجَنَّةَ وَلَا يُظۡلَمُونَ نَقِيرٗا} (124)

نقيرا : شيئا تافها ، والنقير لغةً ما يكون على نواة التمرة .

ومن يعمل عملاً صالحاً ، سواء كان ذكرا أو أنثى ، وهو مطمئن القلب بالإيمان يدخل الجنة ، لا يظلمه ربه شيئاً ولا يُنقص من عمله قليلاً أو كثيرا .

 
الجامع التاريخي لبيان القرآن الكريم - مركز مبدع [إخفاء]  
{وَمَن يَعۡمَلۡ مِنَ ٱلصَّـٰلِحَٰتِ مِن ذَكَرٍ أَوۡ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤۡمِنٞ فَأُوْلَـٰٓئِكَ يَدۡخُلُونَ ٱلۡجَنَّةَ وَلَا يُظۡلَمُونَ نَقِيرٗا} (124)

تفسير مقاتل بن سليمان 150 هـ :

فلما افتخرت اليهود على المؤمنين بالمدينة بين الله عز وجل أمر المؤمنين فقال سبحانه: {ومن يعمل من الصالحات من ذكر أو أنثى وهو مؤمن} بتوحيد الله عز وجل، {فأولئك يدخلون الجنة ولا يظلمون نقيرا}: ولا ينقصون من أعمالهم الحسنة نقيرا حتى يجازوا بها، يعني النقير الذي في ظهر النواة التي تنبت منه النخلة...

جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :

{لَيْسَ بأمانِيّكُمْ وَلا أمانِيّ أهْلِ الكِتابِ}: إنما يدخل الجنة وينعم فيها في الاَخرة، من يعمل من الصالحات من ذكوركم وإناثكم، وذكور عبادي وإناثهم وهو مؤمن بي وبرسولي محمد، مصدّق بوحدانيتي، ونبوّة محمد صلى الله عليه وسلم وبما جاء به من عندي، لا أنتم أيها المشركون بي المكذّبون رسولي، فلا تطمعوا أن تحلوا وأنتم كفار محلّ المؤمنين بي وتدخلوا مداخلهم في القيامة وأنتم مكذّبون برسولي. عن السديّ، قوله: {وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصّالِحاتِ مِنْ ذَكَرٍ أوْ انْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ} قال: أبى أن يقبل الإيمان إلا بالعمل الصالح، وأبى أن يقبل الإسلام إلا بالإحسان.

{وَلا يُظْلَمُونَ نَقِيرا}: ولا يظلم الله هؤلاء الذين يعملون الصالحات من ثواب عملهم مقدار النقرة التي تكون في ظهر النواة في القلة، فيكف بما هو أعظم من ذلك وأكثر. وإنما يخبر بذلك جلّ ثناؤه عباده أنه لا يبخسهم من جزاء أعمالهم قليلاً ولا كثيرا، ولكن يوفيهم ذلك كما وعدهم.

فإن قال لنا قائل: وما وجه دخول «مَنْ» في قوله: {وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصّالِحاتِ}، ولم يقل: ومن يعمل الصالحات؟ قيل: لدخولها وجهان: أحدهما أن يكون الله قد علم أن عباده المؤمنين لن يطيقوا أن يعملوا جميع الأعمال الصالحات، فأوجب وعده لمن عمل ما أطاق منها ولم يحرمه من فضله بسبب ما عجزت عن عمله منها قواه. والاَخر منهما أن يكون تعالى ذكره أوجب وعده لمن اجتنب الكبائر وأدّى الفرائض، وإن قصر في بعض الواجب له عليه، تفضلاً منه على عباده المؤمنين، إذ كان الفضل به أولى، والصفح عن أهل الإيمان به أحرى.

الوجيز في تفسير الكتاب العزيز للواحدي 468 هـ :

ثم بين فضيلة المؤمنين على غيرهم بقوله {ومن يعمل من الصالحات} الآية وبقوله {ومن أحسن دينا ممن أسلم وجهه}...

الكشاف عن حقائق التنزيل للزمخشري 538 هـ :

قوله: {وَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصالحات} بعد ذكر تمني أهل الكتاب، نحو من قوله: {بلى مَن كَسَبَ سَيّئَةً وأحاطت بِهِ خَطِيئَتُهُ} [البقرة: 81]، وقوله: {والذين ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات} عقيب قوله: {وَقَالُواْ لَن تَمَسَّنَا النار إِلاَّ أَيَّامًا مَّعْدُودَةً} [البقرة: 80] وإذا أبطل الله الأماني وأثبت أن الأمر كله معقود بالعمل، وأن من أصلح عمله فهو الفائز. ومن أساء عمله فهو الهالك: تبين الأمر ووضح، ووجب قطع الأماني وحسم المطامع، والإقبال على العمل الصالح. ولكنه فصح لا تعيه الآذان ولا تلقى إليه الأذهان.

فإن قلت: ما الفرق بين (من) الأولى والثانية؟ قلت: الأولى للتبعيض، أراد ومن يعمل بعض الصالحات؛ لأنّ كلا لا يتمكن من عمل كل الصالحات لاختلاف الأحوال، وإنما يعمل منها ما هو تكليفه وفي وسعه. وكم من مكلف لا حج عليه ولا جهاد ولا زكاة، وتسقط عنه الصلاة في بعض الأحوال. والثانية لتبيين الإبهام في {وَمَنْ يَعْمَلْ}.

فإن قلت: كيف خص الصالحون بأنهم لا يظلمون وغيرهم مثلهم في ذلك؟ قلت: فيه وجهان، أحدهما: أن يكون الراجع في (ولا يظلمون) لعمال السوء وعمال الصالحات جميعاً. والثاني أن يكون ذكره عند أحد الفريقين دالاً على ذكره عند الآخر، لأن كلا الفريقين مجزيون بأعمالهم لا تفاوت بينهم، ولأن ظلم المسيء أن يزاد في عقابه، وأرحم الراحمين معلوم أنه لا يزيد في عقاب المجرم، فكان ذكره مستغنى عنه وأما المحسن فله ثواب وتوابع للثواب من فضل الله هي في حكم الثواب، فجاز أن ينقص من الفضل لأنه ليس بواجب. فكان نفي الظلم دلالة على أنه لا يقع نقصان في الفضل.

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز لابن عطية 542 هـ :

قيد الأمر بالإيمان إذ لا ينفع عمل دونه...

فهنا كمل الرد على أهل الأماني والإخبار بحقيقة الأمر.

زاد المسير في علم التفسير لابن الجوزي 597 هـ :

وهذه تدل على ارتباط الإيمان بالعمل الصالح، فلا يقبل أحدهما إلا بوجود الآخر،...

الجامع لأحكام القرآن للقرطبي 671 هـ :

شرط الإيمان لأن المشركين أدلوا بخدمة الكعبة وإطعام الحجيج وقرى الأضياف، وأهل الكتاب بسبقهم، وقولهم نحن أبناء الله وأحباؤه، فبين تعالى أن الأعمال الحسنة لا تقبل من غير إيمان...

نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي 885 هـ :

لما أبدى جزاء المسيء تحذيراً، أولاه أجر المحسن تبشيراً فقال: {ومن يعمل} وخفف تعالى عن عباده بقوله: {من الصالحات} ولما عمم بذكر (من) صرح بما اقتضته في قوله: {من ذكر وأنثى} وقيد ذلك بقوله: {وهو} أي والحال أنه {مؤمن} ليكون بناؤه الأعمال على أساس الإيمان {فأولئك} أي العالو الرتبة، وبنى فعل الدخول للمفعول في قراءة ابن كثير وأبي عمروا وأبي جعفر وأبي بكر عن عاصم وروح عن يعقوب، وللفاعل في قراءة غيرهم، لأن المقصود نفس الفعل، لا كونه من فاعل معين؛ وإن كانت قراءة الأولين أكثر فائدة {يدخلون} أي يدخلهم الله {الجنة} أي الموصوفة {ولا يظلمون} وبنى الفعل للمجهول، لأن المقصود الخلاص منه لا بقيد فاعل معين {نقيراً} أي لا يظلم الله المطيع منهم بنقص شيء ما، ولا العاصي بزيادة شيء ما، والنقير: ما في ظهر النواة من تلك الوقبة الصغيرة جداً، كني بها عن العدم...

تفسير المنار لرشيد رضا 1354 هـ :

{ومن يعمل من الصالحات من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فأولئك يدخلون الجنة ولا يظلمون نقيرا} أي كل من يعمل ما يستطيع عمله من الصالحات أي الأعمال التي تصلح بها النفوس في أخلاقها وآدابها وأحوالها الشخصية والاجتماعية سواء كان ذلك العامل ذكرا أو أنثى خلافا لبعض البشر الذين حقروا شأن الإناث، فجعلوهن في عداد العجماوات لا في عداد الناس من يعمل ما ذكر من الصالحات وهو متلبس بالإيمان مطمئن به فأولئك العاملون المؤمنون بالله واليوم الآخر يدخلون الجنة بزكاء أنفسهم وطهارة أرواحهم، ويكونون مظهر فضل الله تعالى وكرمه، ومحل إحسانه ورضوانه، ولا يظلمون من أجور أعمالهم شيئا ما أي لا ينقصون شيئا وإن كان بقدر النقير وهو النكتة التي تكون في ظهر النواة وهي ثقبة صغيرة وتسمى نقرة كأنها حصلت بنقر منقار صغير ويضرب بها المثل في القلة لا ينقصون شيئا بل يزيدهم الله من فضله.

ولا يعارض هذه الآية والآيات الكثيرة التي بمعناها حديث: (لن يدخل أحدكم الجنة عمله) الخ لأن معناه أن الإنسان مهما عمل من الصالحات لا يستحق على عمله تلك الجنة العظيمة التي فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر إلا بفضل الله الذي جعل الجزاء الكبير على عمل قليل. وهو الذي هدى إليه، وأقدر عليه.

وقد قدم ههنا ذكر العمل على ذكر الإيمان لأن السياق في خطاب قوم مؤمنين بالله وملائكته وكتبه ورسله قد قصروا في الأعمال واغتروا بالأماني ظانين أن مجرد الانتساب إلى أولئك الرسل والإيمان بتلك الكتب هو الذي يجعلهم من أهل جنة الله، وأكثر الآيات يقدم فيها ذكر الإيمان على ذكر العمل لورودها في سياق بيان أصل الدين، ومحاجة الكافرين، والإيمان في هذا المقام هو الأصل المقدم والعمل أثره وممده، ومن الحديث في معنى الآية: (الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت، والأحمق من أتبع نفسه هواها. وتمنى على الله) قال الحاكم على شرط البخاري.

هذا وإن في هاتين الآيتين (123-124) من العبرة والموعظة ما يدك صروح الأماني ومعاقل الغرور التي يأوي إليها ويتحصن فيها الكسالى والجهال والفساق من المسلمين الذين جعلوا الدين كالجنسية السياسية وظنوا أن الله العزيز الحكيم يحابي من يسمي نفسه مسلما ويفضله على من يسميها يهوديا أو نصرانيا بمجرد اللقب، وأن العبرة بالأسماء والألقاب لا بالعلم والعمل، ومتى يرجع هؤلاء إلى هدي كتابهم الذي يفخرون به، ويبنون قصور أمانيهم على دعوى اتباعه؟ ـ وقد نبذوه وراء ظهورهم، وحرموا الاهتداء به على أنفسهم، لأن بعض المعممين سموا الاهتداء به من الاجتهاد الذي أقفل دونهم بابه، وانقرض في حكمهم أربابه، ولا تلازم بين الاهتداء بالقرآن، والقدرة على استنباط ما تحتاج إليه الأمة من الأحكام، فقد كان عامة أهل الصدر الأول من هؤلاء المهتدين، ولم يكونوا كلهم أئمة مستنبطين، وقد يقدر على الاستنباط، من لم يكن قائما على هذا الصراط، فيا أهل القرآن! لستم على شيء حتى تقيموا القرآن، وتهتدوا بهديه في الإيمان والأعمال، وتبذلوا في سبيله الأنفس والأموال، وإلا فقد رأيتم ما حل بكم بعد ترك هديته من الخزي والنكال، وضياع الملك وسوء الحال، فإلى متى هذا الغرور والإهمال، وحتى م تتعللون بالأماني وكواذب الآمال؟.

هذا ـ ومن أراد زيادة البصيرة في غرور المسلمين بدينهم على تقصيرهم في العمل به وفي نشره والدعوة إليه فليراجع كتاب الغرور في آخر الجزء الثالث من كتاب الإحياء للغزالي ولولا أنني الآن حلف أسفار، لا يقر لي في بلد قرار، لأطلت بعض الإطالة في بيان الغرور والمغترين، والأماني والمتمنين، إثارة لكوامن العبرة واستدرارا لبواخل العبرة، وليس عندي في هذه الآية شيء عن الأستاذ الإمام رحمه الله تعالى.

تيسير الكريم المنان في تفسير القرآن لابن سعدي 1376 هـ :

فالأعمال بدون الإيمان كأغصان شجرة قطع أصلها وكبناء بني على موج الماء، فالإيمان هو الأصل والأساس والقاعدة التي يبنى عليه كل شيء، وهذا القيد ينبغي التفطن له في كل عمل أطلق، فإنه مقيد به.

في ظلال القرآن لسيد قطب 1387 هـ :

وفي النص تلك التسوية بين شقي النفس الواحدة، في موقفهما من العمل والجزاء؛ كما أن فيه شرط الإيمان لقبول العمل، وهو الإيمان بالله:

(ومن يعمل من الصالحات من ذكر أو أنثى -وهو مؤمن- فأولئك يدخلون الجنة ولا يظلمون نقيرا)..

وهو نص صريح على وحدة القاعدة في معاملة شقي النفس الواحدة -من ذكر أو أنثى. كما هو نص صريح في اشتراط الإيمان لقبول العمل. وأنه لا قيمة عند الله لعمل لا يصدر عن الإيمان. ولا يصاحبه الإيمان. وذلك طبيعي ومنطقي. لأن الإيمان بالله هو الذي يجعل العمل الصالح يصدر عن تصور معين وقصد معلوم؛ كما يجعله حركة طبيعية مطردة، لا استجابة لهوى شخصي، ولا فلتة عابرة لا تقوم على قاعدة..

وهذه الألفاظ الصريحة تخالف ما ذهب إليه الاستاذ الإمام الشيخ محمد عبده رحمه الله في تفسير جزء "عم "عند قوله تعالى: (فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره).. إذ رأى النص لعمومه هذا يشمل المسلم وغير المسلم. بينما النصوص الصريحة الأخرى تنفي هذا تماما. وكذلك ما رآه الأستاذ الشيخ المراغي- رحمه الله. وقد أشرنا إلى هذه القصة في جزء عم [الجزء الثلاثين من الظلال].

تفسير الشعراوي 1419 هـ :

جاءت كلمتا "ذكر "و "أنثى" هنا حتى لا يفهم أحد أن مجيء الفعل بصيغة التذكير في قوله (يعمل) أن المرأة معفية منه، لأن المرأة في كثير الأحكام نجد حكمها مطمورا في مسألة الرجل، وفي ذلك إيحاء بأن أمرها مبني على الستر. لكن الأشياء التي تحتاج إلى النص فيها فسبحانه ينص عليها... "ومن يعمل من الصالحات"... كل عمل تصلح به خلافة الإنسان في الأرض هو عمل صالح... وقد يصنع الإنسان الأعمال الصالحة وليس في باله إله كعلماء الدولة المتقدمة غير المؤمنة بإله واحد، كذلك العلماء الملاحدة قد يصنعون أعمالا صالحة للإنسان كرصف طرق وصناعة بعض الآلات التي ينتفع بها الناس، وقاموا بها للطموح الكشفي والواحد من تلك الفئة يريد أن يثبت أنه اخترع واكتشف وخدم الإنسانية ونطبق عليه أنه عمل صالحا، ولكنه غير مؤمن لذلك سيأخذ هؤلاء العلماء جزاءهم من الإنسانية التي عملوا لها، وليس لهم جزاء عند الله...

 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{وَمَن يَعۡمَلۡ مِنَ ٱلصَّـٰلِحَٰتِ مِن ذَكَرٍ أَوۡ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤۡمِنٞ فَأُوْلَـٰٓئِكَ يَدۡخُلُونَ ٱلۡجَنَّةَ وَلَا يُظۡلَمُونَ نَقِيرٗا} (124)

قوله تعالى : ( ومن يعمل من الصالحات من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فأولئك يدخلون الجنة ولا يظلمون نقيرا ) . تلك قاعدة من قواعد الإسلام المرساة ، وهي قاعدة أساسية ثابتة تقوم على التكافؤ العادل بين العطاء والجزاء ، أو بين العمل والمثوبة المستحقة ، يستوي في ذلك الإناث والذكران . فلكل عامل أجره ذكرا كان أم أنثى ، ولا يغني اختلاف الجنس في هذا المجال شيئا ، وليس من شيء يغني سوى العمل الصالح ، فلا تغني الذكورة أو الأنوثة ، ولا الحاكمية أو المحكومية ، ولا الغنى أو الفقر ، ولا الوسامة أو الدمامة ، ولا الشباب أو الكهولة ، ولا العرق أو اللون ، ولا شيء من أشباه ذلك يغني . لكن العمل الصالح وحده يغني صاحبه بغضّ النظر عن جنسه من حيث الذكورة أو الأنوثة ، على أن يسبق ذلك كله الإيمان الصحيح المستقيم .

على أن العمل كيما يكون مقبولا لا يجب فيه شرطان ، ولا قيمة أو اعتبار للعمل المبذول إذا لم يتحقق هذان الشرطان معا حتى إن تحقيق أحدهما دون الآخر لا يغني .

والشرطان أحدهما : أن يكون العمل المبذول مشروعا أي موافق للشرع فلا يأتي مخالفا له أو معاوضا . وذلك تحديد يفهم من قوله ( الصالحات ) فالصالحات من الأعمال ما كان موافقا للشرع وليس مخالفا . ومخالفة الأعمال للشرع تبطلها ، وموافقتها له أمر مشروط . وبذلك فإن ميزان القبول هو تحقق هذا الشرط الأساسي وهو ألا يتعارض الشرع والعمل . ويؤخذ من ذلك أن الأعمال المحظورة أو المنهي عنها أو ما كان من المحدثات والضلالات والبدع ، كل أولئك غير مشروع ؛ لأنه وقع على غير مقتضى الشرع .

ثانيهما : النيّة : وهي شرط عظيم في القبول ولا تسويغ للعمل من دونها . والنيّة محلّها القلب كما ورد وهي سابقة على العمل في الحصول . ومعناه أن يتجه العبد بقصده إلى الله أو أنه يبتغي من وراء ما قدّمه من عمل مرضاة الله ، وهي الغاية العظيمة القصوى التي تراود المؤمن طيلة حياته . وفي أهمية النية وضرورة وجودها وسبقها من أجل القبول يقول الحديث المشهور المستفيض : " إنما الأعمال بالنيات ، وإنما لكل امرئ ما نوى " .

على أن اشتراط النية يستلزم بغير مندوحة أن يتحقق الإيمان لدى العبد . فشرط النية لتكون سليمة صحيحة أن يكون العبد مؤمنا ، وإذا لم يكن على الإيمان فإن عمله يظل هباء منثورا لا يشفعه قبول ولا يغني صاحبه إلا الذكر وحسن الثناء في هذه الدنيا . أما في الآخرة فإنه يأتي بغير عمل ولا جزاء . وقد جاء تأكيدها هذا المعنى في قوله : ( وهو مؤمن ) الواو حالية ، والجملة الإسمية في محل نصب على الحال فلا يغني العمل عند الله شيئا إذا كان من كافر فمن كان على غير الإيمان فقد جهر بالعداء والجحود لله وأقام نفسه في مشاققة خصيمه مع الله ، وذلك هو الكفران المتنكر الغليظ فأنى لله سبحانه أن يتقبّل عملا من هذا العبد الجاحد المتنكر في غلظة ؟ !

قوله : ( فأولئك يدخلون الجنة ولا يظلمون نقيرا ) المؤمنون الذين يعملون الصالحات مثلما بينا من اشتراط القبول ، فأولئك جزاؤهم الجنّة إكراما من الله لهم على ما قدّموا ورحمة وفضلا يمتنّ بهما سبحانه على عباده العالمين المخلصين .

قوله : ( ولا يظلمون نقيرا ) لا يبخس هؤلاء شيئا من الجزاء الذي يستحقونه مقابل ما أسلفوا في الأيام الخالية ولا يقع عليهم أدنى ظلم حتى ولو كان ( نقيرا ) والنقير معناه النقرة في ظاهر نواة التمرة .