الهداية إلى بلوغ النهاية لمكي بن ابي طالب - مكي ابن أبي طالب  
{وَمَن يَعۡمَلۡ مِنَ ٱلصَّـٰلِحَٰتِ مِن ذَكَرٍ أَوۡ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤۡمِنٞ فَأُوْلَـٰٓئِكَ يَدۡخُلُونَ ٱلۡجَنَّةَ وَلَا يُظۡلَمُونَ نَقِيرٗا} (124)

قوله : ( لَّيْسَ بِأَمَانِيّكُمْ وَلاَ أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَّعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ ) الآية [ 123 ] .

قال مسروق : تفاخر النصارى والمسلمون ، فقال هؤلاء : نحن أفضل ، وقال هؤلاء : نحن أفضل منكم .

فأنزل الله عز وجل : ( لَّيْسَ بِأَمَانِيّكُمْ وَلاَ أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ )( {[13612]} ) الآية( {[13613]} ) .

/ت*

ثم أفلح الله تعالى حجة المؤمنين فقال : ( وَمَنْ يَّعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِن ذَكَرٍ اَوُ انْثَى وَهُوَ مُومِنٌ فَأُوْلَائِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ )

*ت/

ثم زاد في الفضل فقال : ( وَمَنْ اَحْسَنُ دِيناً مِمَّنَ اَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ ) الآية .

وقال قتادة : تفاخر المسلمون وأهل الكتاب ، فقال أهل الكتاب : نبينا قبل نبيكم ، وكتابنا قبل كتابكم ، ونحن أحق بالله منكم ، وقال المسلمون : نبينا خاتم النبيين ، وكتابنا يقضي على الكتب التي كانت قبله ، فأنزل الله ( لَّيْسَ بِأَمَانِيّكُمْ ) الآية( {[13614]} ) .

أي : ليس ذلك الذي قلتم بأمانيكم ففي ليس اسمها في جميع هذه الأقوال( {[13615]} ) .

( مَنْ يَّعْمَلْ سُوءاً ) ابتداء شرط ، وجوابه خبره وهو : ( يُجْزَ بِهِ ) .

وقال الضحاك : تخاصم أهل الأديان : اليهود والنصارى والمسلمون فأنزل الله ( لَّيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ ) الآية( {[13616]} ) .

وقال مجاهد : عنى بذلك أهل الشرك من عبدة الأوثان ، قالوا : لن نبعث ولن نعذب( {[13617]} ) ، وقالت اليهود والنصارى ( لَنْ يَّدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلاَّ مَن كَانَ هُوداً اَوْ نَصَارَى )( {[13618]} )( {[13619]} ) .

فأنزل الله ( لَّيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ ) يعني المشركين في قولهم : لن نبعث ولن نعذب( {[13620]} ) .

( وَلاَ أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ ) يعني قولهم لن يدخل الجنة إلا من كان هوداً أو نصارى ( مَنْ يَّعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ ) خلافاً لمن أدعى( {[13621]} ) الجميع .

والمعنى : ليس الكائن من أمركم بما تتمنون يا أهل الشرك ولا بما يتمنى أهل الكتاب ، وهم اليهود والنصارى بل ( مَنْ يَّعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ ) .

وقيل : التقدير : ليس ثواب الله بأمانيكم لأنه( {[13622]} ) قد جرى ذكر ذلك في قوله : ( وَالذِينَ ءَامَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ ) الآية( {[13623]} ) ( وَلاَ يُظْلَمُونَ نَفِيراً ) أي : مقدار النقير وهو النقطة في ظهر النواة وهي منبت النخلة .

وقالت عائشة رضي الله عنها في قوله : ( مَنْ يَّعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ ) ذلك ما يصيبهم في الدنيا ، وقاله مجاهد وغيره( {[13624]} ) .

وقال الحسن : ( مَنْ يَّعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ ) الكافر وقرأ ( وَهَلْ يُجَازَى إِلاَّ الْكَفُورُ )( {[13625]} ) ، وقال في قوله ( لِيَجْزِيَ الذِينَ أَسَاؤُوا بِمَا عَمِلُوا )( {[13626]} ) . " هِمُ الكُفَّارُ " ( {[13627]} ) ( وَيَجْزِيَ الذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى )( {[13628]} ) قال : كانت والله لهم ذنوب ، ولكنه غفرها لهم ، ولم يجازهم( {[13629]} ) بها( {[13630]} ) .

وقال ابن زيد : يعني المشركين يريد بالآية قال : وعد الله المؤمنين أن يكفر عنهم سيئاتهم( {[13631]} ) .

وقال الضحاك : ( {[13632]} ) ( مَنْ يَّعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ ) يعني بذلك اليهود والنصارى ، والمجوس وكفار العرب( {[13633]} ) .

قوله : ( وَلاَ يَجِدْ لَهُ( {[13634]} ) مِن دُونِ اللَّهِ وَلِيّاً وَلاَ نَصِيراً ) .

وروي أن هذه الآية لما نزلت قال أبو بكر الصديق رضي الله عنه : يا رسول الله : وإن لمجزون بأعمالنا ؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " أما المؤمن فيجزى بها في الدنيا ، وأما الكافر فيجزى بها يوم القيامة " ( {[13635]} ) .

وقال الحسن وابن( {[13636]} ) أبي كثير( {[13637]} ) ( مَنْ يَّعْمَلْ سُوءاً يُجْزَى بِهِ ) أي يعمل شركاً يجز به بدلالة قوله : ( وَهَلْ يُجَازَى إِلاَّ الْكَفُورُ ) وتلاها الحسن مع هذه ( الآية( {[13638]} ) ) استشهاداً بها( {[13639]} ) .

وروى عن ابن عباس أنه قال : السوء هنا : الشرك ، ومعنى( {[13640]} ) من يشرك( {[13641]} ) : يجز به( {[13642]} ) .

وقال ابن جبير : ( مَنْ يَّعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ ) أي : من يشرك( {[13643]} ) .

قالت عائشة وأبي بن كعب : إن المعنى : من عمل سوءاً من مؤمن ، أو كافر جوزي به ، وهو اختيار الطبري( {[13644]} ) ، واحتج بما روى أبو هريرة قال : لما نزلت هذه الآية شقت على المسلمين منهم ما شاء الله أن تبلغ ، فشكوا ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : قاربوا وسددوا ، ففي كل ما يصاب به المسلم كفارة حتى النكبة ينكبها ، أو الشوكة يشاكها( {[13645]} ) .

وروت عائشة عن أبي بكر رضي الله عنه أنه قال : لما نزلت هذه الآية : يا رسول الله ( مَنْ يَّعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ ) فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : " أوليس يصيبك كذا ( ويصيبك كذا( {[13646]} ) ) فهو كفارة " ( {[13647]} ) .

وقال ابن عمر : سمعت أبا بكر يقول : سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول : ( مَنْ يَّعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ ) في الدنيا( {[13648]} ) .

وروى عن ابن أبي بكر رضي الله عنه أنه قال : يا نبي الله : كيف الصلاح بعد هذه الآية ؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم " غفر الله لك يا أبا بكر ، ألست تمرض ؟ ألست تحزن ؟ ألست تصيبك اللاواء( {[13649]} ) ؟ فهو ما تجزون به " ( {[13650]} ) .

وروي أن أبا بكر قال : لما نزلت هذه الآية ، جاءت قاصمة الظهر( {[13651]} ) ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إنما هي المضائق في الدنيا( {[13652]} ) .


[13612]:- انظر: جامع البيان 5/288.
[13613]:- (أ): أهل الكتاب الله.
[13614]:- انظر: جامع البيان 5/288 والدر المنثور 2/693.
[13615]:- أضمر اسم ليس فيها، وهو ضمير يعود على ما ادعى عبدة الأوثان من أنهم لن يبعثوا، أو على ما قالت اليهود والنصارى. انظر: معاني الزجاج 3/111، ومشكل الإعراب 1/208.
[13616]:- انظر: جامع البيان 5/289، والدر المنثور 2/694.
[13617]:- (أ): لن بعث ولن تعذب.
[13618]:- البقرة آية 110.
[13619]:- انظر: تفسير مجاهد 1/175.
[13620]:- انظر: جامع البيان 5/280، وأسباب النزول 103 ولباب النقول: 83.
[13621]:- (ج): أدى.
[13622]:- (د): الآية.
[13623]:- انظر: هذا التوجيه في معاني الزجاج 2/111.
[13624]:- انظر: جامع البيان 5/292، والدر المنثور 2/697.
[13625]:- سبأ آية 17.
[13626]:- ساقط من (د).
[13627]:- ساقط من (ج).
[13628]:- النجم آية 31.
[13629]:- (أ): ولم يجازيهم وهو خطأ.
[13630]:- انظر: جامع البيان 5/292.
[13631]:- في قوله ابن زيد تقديم وتأخير أبهم معناها وهي عند الطبري هكذا وعد الله المؤمنين أن يكفر عنهم سيئاتهم، ولم يعد أولئك –يعني المشركين- جامع البيان 5/293.
[13632]:- ساقط من (د).
[13633]:- انظر: إعراب النحاس 1/456.
[13634]:- في كل النسخ لهم وهو خطأ مخالف مما هو مثبت في المصحف.
[13635]:- خرجه الترمذي في كتاب التفسير 4/315 بلفظ قريب منه وقال: هذا حيث غريب، وفي إسناده مقال: [فهو ضعيف] [المدقق].
[13636]:- (ج) (د): محمد بن أبي كثير وهو خطأ.
[13637]:- واسمه يحيى بن أبي كثير الطائي اليماني توفي 129-132، عالم بحديث أهل المدينة وروى له الستة وذكره ابن حبان في الثقات. انظر: تاريخ الثقات 475، وتاريخ أسماء الثقات 354 وميزان الاعتدال 4/402، والتهذيب 11/268.
[13638]:- ساقط من (د).
[13639]:- نسبه الطبري إلى لحسن في جامع البيان 5/292.
[13640]:- ساقط من (د).
[13641]:- (د): شركه.
[13642]:- انظر: جامع البيان 5/291.
[13643]:- انظر: المصدر السابق.
[13644]:- انظر: جامع البيان 5/293.
[13645]:- خرجه الحميدي في مسند أبي هريرة 2/285.
[13646]:- ساقط من (د).
[13647]:- خرجه السيوطي برواية الطبري 5/293 ولم ينسبه لغيره الدر المنثور 2/696.
[13648]:- انظر: المسند لأحمد 1/166، والترمذي في أبواب التفسير 4/315.
[13649]:- اللاواء: الشدة والمحنة وضيق العيش وأصله لأى يلئى لئياً، انظر: اللسان 15/237.
[13650]:- خرجه أحمد في المسند –تحقيق شاكر 1/182، والحاكم في المستدرك 3/114، والبيهقي في سننه 3/273.
[13651]:- أي: الكاسرة والمهلكة. انظر: اللسان 12/486.
[13652]:- خرجه الطبري في جامع البيان 5/293 والسيوطي عنه في الدر المنثور 2/699 ولم ينسب لغيره.