تيسير التفسير لإبراهيم القطان - إبراهيم القطان [إخفاء]  
{إِنَّآ أَنزَلۡنَٰهُ قُرۡءَٰنًا عَرَبِيّٗا لَّعَلَّكُمۡ تَعۡقِلُونَ} (2)

لقد أنزلنا هذا الكتاب على النبي العربي ليبّين لكم بلُغتكم نفسِها ما لم تكونوا تعلمونه ، فعلنا ذلك تسهيلاً عليكم في أن تعقلوا معانيه وتفهموا ما ترشد إليه آياته من مطالب الروح ، ومدارك العقل .

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{إِنَّآ أَنزَلۡنَٰهُ قُرۡءَٰنًا عَرَبِيّٗا لَّعَلَّكُمۡ تَعۡقِلُونَ} (2)

قوله تعالى : " إنا أنزلناه قرآنا عربيا " يجوز أن يكون المعنى : إنا أنزلنا القرآن عربيا ، نصب " قرآنا " على الحال ، أي مجموعا . و " عربيا " نعت لقوله " قرآنا " . ويجوز أن يكون توطئة للحال ، كما تقول : مررت بزيد رجلا صالحا ، و " عربيا " على الحال ، أي يقرأ بلغتكم يا معشر العرب . أعرب بين ، ومنه ( الثيب تعرب عن نفسها ) . " لعلكم تعقلون " أي لكي تعلموا معانيه ، وتفهموا ما فيه . وبعض العرب يأتي بأن مع " لعل " تشبيها بعسى . واللام في " لعل " زائدة للتوكيد ، كما قال الشاعر{[8928]} :

يا أبتَا علَّكَ أو عَسَاكَا

وقيل : " لعلكم تعقلون " أي لتكونوا على رجاء من تدبره ، فيعود معنى الشك إليهم لا إلى الكتاب ، ولا إلى الله عز وجل . وقيل : معنى " أنزلناه " أي أنزلنا خبر يوسف ، قال النحاس : وهذا أشبه بالمعنى ؛ لأنه يروى أن اليهود قالوا : سلوه لم انتقل آل يعقوب من الشام إلى مصر ؟ وعن خبر يوسف ، فأنزل الله عز وجل هذا بمكة موافقا لما في التوراة ، وفيه زيادة ليست عندهم . فكان هذا للنبي صلى الله عليه وسلم - إذ أخبرهم ، ولم يكن يقرأ كتابا [ قط ]{[8929]} ولا هو في موضع كتاب - بمنزلة إحياء عيسى عليه السلام الميت على ما يأتي فيه .


[8928]:الرجز للعجاج، وصدر البيت. تقول بنتي قد أنى أناكا
[8929]:من ع.
 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{إِنَّآ أَنزَلۡنَٰهُ قُرۡءَٰنًا عَرَبِيّٗا لَّعَلَّكُمۡ تَعۡقِلُونَ} (2)

قوله : { إنا أنزلناه قرآنا عربيا } { قرآنا } ، منصوب على أنه بدل من مضير { أنزلناه } أو منصوب على الحال . وقيل : مفعول به . وعربيا نعت للقرآن . وهو منسوب إلى العرب ، والعرب جمع عربي{[2194]} . والمعنى : أن الله جل وعلا كان من تقديره في الأزل أن ينزل القرآن على البشرية بلغة العرب ، هذا البيان الندي المحبب ، لبساطة تركيبه وجمال أسلوبه وسطوع كلماته ذات الإيقاع البليغ الشجي ، والإيقاع المستعذب الغامر الذي ينفذ إلى صميم الفطرة وعميق الوجدان . لا جرم أن العرب خير أجناس البيان ولا فخر . وذلك بعجيب سكبها ومتانة رصفها وبهاء نظمها المميز ؛ النظم الذي يخاطب الكيان البشري كله فيهزه من الأعماق هزا . وذلك بما حواه هذا الكيان من جنان ووجدان وذهن وعاطفة وحس . كل أولئك لا جرم أن يستفيق وينتهض بالنظم القرآني النافذ الغلاب ؛ فليس في سائر الكلام كله ما يخاطب في الإنسان إلا جزءا أو اثنين من تركيبه المتلاحم المعقد فما يكون تأثيره فيه محدودا يسيرا . لكن القرآن يقرع الجهاز النفسي والروحي والعقلي للإنسان مجتمعا ، وهذه ظاهرة جلية عجيبة تشهد على كون القرآن معجزا لا يعارضه في العالمين أحد ، وهو إنما يتجلى فيه هذه الحقيقة ؛ لكونه من جنس هذه اللغة الكريمة المباركة ، اللغة البالغة في جمالها وحسنها ، وروعة جرسها وإيقاعها ، وحلاوة أنغامها الندية الشجية ، وذلك كله يقتضي أن يحض الرسول صلى الله عليه وسلم على حب العربية والعرب ؛ فقد أخرج الطبراني والحاكم والبيهقي وآخرون عن ابن عباس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( أحبوا العرب لثلاث : أني عربي ، والقرآن عربي ، وكلام أهل الجنة عربي ) .

قوله : { لعلكم تعقلون } لعل بمعنى التعليل ؛ أي لكي تفهموا ما تضمنه هذا القرآن من المعاني والبلاغة والإعجاز ، ولكي تحيطوا بما حواه من علوم وحقائق وبدائع فتوقنوا بعد ذلك أن هذا الكلام ليس في مقدور احد بل هو مما لا يطيقه بشر{[2195]} .


[2194]:الدر المصون جـ 6 ص 429.
[2195]:روح المعاني جـ 12 ص 75 والحبر المحيط حـ 5 ص 278، 279.