فلا تعضلوهن : لا تمنعوهن عن الزواج .
كان من عادات العرب في الجاهلية أن يتحكم الرجال في تزويج النساء ، إذ لم يكن يزوّج المرأة إلا وليُّها ، وقد يزوجها بمن تكره ، ويمنعها ممن تحب ، ولمصلحته هو .
أخرج البخاري وأبو داود والترمذي عن معقل بن يسار قال : كان لي أخت فأتاني ابن عم لي فأنكحتها إياه . فكانت عنده ما كانت ، ثم طلقها تطليقة ولم يراجعها حتى انقضت عدتها . ثم خُطبت إلي فأتاني مع الخُطاب يخطبها ، فقلت له : خُطبت إليّ فمنعتها الناس فآثرتك ، ثم إنك طلقتها طلاقا لك فيه رجعة ، فلما خُطبت إليَ أتيتني تخطبها مع الخطاب ! والله لا ترجع إليك أبدا . وكان لا بأس به ، وكانت المرأة تريد أن ترجع إليه ، فعلم الله حاجته إليها وحاجتها إلى بعلها فأنزل الله الآية . قال : ففيَّ نزلت ، فكفّرت عن يميني وأنكحتها إياه .
ومعنى الآية : يا أيها الذين آمنوا ، إذا طلقتم النساء وانقضت عدتهنّ وأراد أزواجهن أو غيرهم أن ينكحوهنّ وأردن هن ذلك ، فلا تمنعوهن من الزواج .
هذا إذا رضي كل من الرجل والمرأة بالآخر زوجا ، على حسن العشرة .
ذلك يوعظ به من كان منكم يؤمن بالله وباليوم الآخر ، وهو أدعى إلى تنمية العلاقات الشريفة في مجتمعكم ، وأطهر في نفوسكم من الأدناس والعلاقات المريبة . والله يعلم من مصالح البشر وأسرار نفوسهم ما لا تعلمون .
الأولى : قوله تعالى : " فلا تعضلوهن " روي أن معقل بن يسار كانت أخته تحت أبي البدَّاح{[2142]} فطلقها وتركها حتى انقضت عدتها ، ثم ندم فخطبها فرضيت وأبى أخوها أن يزوجها وقال : وجهي من وجهك حرام إن تزوجتيه . فنزلت الآية . قال مقاتل : فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم معقلا فقال : ( إن كنت مؤمنا فلا تمنع أختك عن أبي البداح ) فقال : آمنت بالله ، وزوجها منه . وروى البخاري عن الحسن أن أخت معقل بن يسار طلقها زوجها حتى انقضت عدتها فخطبها فأبى معقل فنزلت : " فلا تعضلوهن أن ينكحن أزواجهن " . وأخرجه أيضا الدارقطني عن الحسن قال : حدثني معقل بن يسار قال : كانت لي أخت فخطبت إلي فكنت أمنعها الناس ، فأتى ابن عم لي فخطبها فأنكحتها إياه ، فاصطحبا ما شاء الله ثم طلقها طلاقا رجعيا ثم تركها حتى انقضت عدتها فخطبها مع الخطاب ، فقلت : منعتها الناس وزوجتك إياها ثم طلقتها طلاقا له رجعة ثم تركتها حتى انقضت عدتها فلما خطبت إلي أتيتني تخطبها مع الخطاب لا أزوجك أبدا فأنزل الله ، أو قال أنزلت : " وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن فلا تعضلوهن أن ينكحن أزواجهن " فكفرت عن يمين وأنكحتها إياه . في رواية للبخاري : فحمي معقل من ذلك أنفا ، وقال : خلى عنها وهو يقدر عليها ثم يخطبها فأنزل الله الآية ، فدعاه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقرأ عليه الآية فترك الحمية وانقاد لأمر الله تعالى . وقيل : هو معقل بن سنان ( بالنون ) . قال النحاس : رواه الشافعي في كتبه عن معقل بن يسار أو سنان{[2143]} . وقال الطحاوي : هو معقل بن سنان .
الثانية : إذا ثبت هذا ففي الآية دليل على أنه لا يجوز النكاح بغير ولي لأن أخت معقل كانت ثيبا ، ولو كان الأمر إليها دون وليها لزوجت نفسها ، ولم تحتج إلى وليها معقل ، فالخطاب إذا في قوله تعالى : " فلا تعضلوهن " للأولياء ، وأن الأمر إليهم في التزويج مع رضاهن . وقد قيل : إن الخطاب في ذلك للأزواج ، وذلك بأن يكون الارتجاع مضارة عضلا عن نكاح الغير بتطويل العدة عليها . واحتج بها أصحاب أبي حنيفة على أن تزوج المرأة نفسها قالوا : لأن الله تعالى أضاف ذلك إليها كما قال : " فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره " [ البقرة : 230 ] ولم يذكر الولي . وقد تقدم القول في هذه المسألة مستوفى . والأول أصح لما ذكرناه من سبب النزول . والله أعلم .
الثالثة : قوله تعالى : " فإذا بلغن أجلهن " بلوغ الأجل في هذا الموضع : تناهيه ، لأن ابتداء النكاح إنما يتصور بعد انقضاء العدة . و " تعضلوهن " معناه تحبسوهن . وحكى الخليل : دجاجة معضل : قد احتبس بيضها . وقيل : العضل التضييق والمنع وهو راجع إلى معنى الحبس ، يقال : أردت أمرا فعضلتني عنه أي منعتني عنه وضيقت علي . وأعضل الأمر : إذا ضاقت عليك فيه الحيل ، ومنه قولهم : إنه لعضلة من العضل إذا كان لا يقدر على وجه الحيلة فيه . وقال الأزهري : أصل العضل من قولهم : عضلت الناقة إذا نشب ولدها فلم يسهل خروجه ، وعضلت الدجاجة : نشب بيضها . وفي حديث معاوية : ( معضلة ولا أبا حسن ) ، أي مسألة صعبة ضيقة المخارج . وقال طاوس : لقد وردت عضل أقضية ما قام بها إلا ابن عباس . وكل مشكل عند العرب معضل ، ومنه قول الشافعي :
إذا المعضلاتُ تصدّينني *** كشفتُ حقائقَها بالنَّظَر
ويقال : أعضل الأمر إذا اشتد . وداء عضال أي شديد عسر البرء أعيا الأطباء . وعضل فلان أيمه أي منعها ، يعضُلها ويعضِلها ( بالضم والكسر ) لغتان .
الرابعة : قوله تعالى : " ذلك يوعظ به من كان " ولم يقل " ذلكم " لأنه محمول على معنى الجمع . ولو كان " ذلكم " لجاز ، مثل " ذلكم أزكى لكم وأطهر والله يعلم " أي ما لكم فيه من الصلاح . " وأنتم لا تعلمون " ذلك .
قوله تعالى : ( وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن فلا تعضلوهن أن ينكحن أزواجهن إذا تراضوا بينهم بالمعروف ذلك يوعظ به من كان منكم يؤمن بالله واليوم الآخر ذلكم أزكى لكم وأطهر والله يعلم وأنتم لا تعلمون ) .
سبب نزل هذه الآية هو معقل بن يسار . فقد ذكر أنه زوّج أخته رجلا من المسلمين على عهد رسول الله ( ص ) فكانت عنده ما كانت ، ثم طلقها تطليقه لم يراجعها حتى انقضت عدّتها فهويها وهويته ثم خطبها مع الخُطاب فقال ، له : يا لكع ابن لكع أكرمتك بها وزوجتكها فطلقتها والله لا ترجع إليك أبدا ، فعلم الله حاجته إليها وحاجتها إلى بعلها فأنزل الله الآية . وعلى هذا إذا طلق الرحل زوجته فانقضت عدتها وبانت ثم تذكرها من بعد ذلك وحنّ إليها وأراد أن ينكحها من جديد فليس لأولياء المرأة المطلقة أن يعضلوها عن ذلك . والعضل معناه المنع أو الحبس . فإذا كان الزوجان المتفارقان قد مال كل منهما للأخر بإخلاص فتراضيا بينهما وأراد أن يعاودا العيش معا في حياة زوجية مستأنفة راضية فلا يحل لأحد أن يمنعهما من ذلك .
وقوله : ( ذلك يوعظ به من كان منكم يؤمن بالله واليوم الآخر ) يراد بالإشارة العضل أي أن الأمر من الله بعدم منع المطلقات من الرجوع إلى أزواجهن بعد تراض منهم- يتعظ به ويستجيب له من الناس من كان ذا إيمان بالله ، فيسارع إلى الاستجابة لأمره ، والامتثال لما أوجب وشرع ، ثم كان ذا إيمان باليوم الآخر فهو دائم الخوف من الله فيحسب للقائه في اليوم الموعود كل حساب .
وقوله : ( ذلكم أزكى لكم وأطهر ) اسم الإشارة في محل رفع مبتدأ . والميم للجمع . ( أزكى ) خبر مرفوع بضمة مقدرة . وذلك أمر يدركه الحس المؤمن والضمير السليم . وهو أن إرجاع المطلقات إلى أزواجهن إذا تراضوا فيما بينهم بالمعروف وعدم عضلهن عن ذلك لهو أنقى وأطهر للنفس وأبعد عن مواطن الحيف الناشئ عن العضل المتعمد .
قوله : ( والله يعلم وأنتم لا تعلمون ) وهي حقيقة ناصعة نصوع الشمس ينكرها غير جاحد جهول . إن الله عنده علم الأشياء جميعا فضلا عن علمه الأكمل بموطن الحق والصواب ، لكن الناس لا يعلمون من حقائق الحياة وزاخر المعلومات فيها إلا قليلا ، حتى إنهم إذا علموا فلا يجاوز علمهم حد التخمين والظن إلا أن يعلمهم الله . ومن جملة ذلك هنا أن الله أعلم بما في قلب المطلقة من حب لزوجها المطلق ومن معاودة الحنين إليه ، وكذا الزوج ، ربما عاود الحب قلبه من جديد بعد أن ذكرها عقب الطلاق والعدة فتجدد حبها في قلبه ، فالخير الذي لا شك فيه أن يتراجعا بعد عقد وصداق بدلا من عضلهما من ذلك ؛ لما يحتمله العضل من احتمالات التلاقي المريب غير المشروع ، لذلك قال : ( والله يعلم وأنتم لا تعلمون ) .