تيسير التفسير لإبراهيم القطان - إبراهيم القطان [إخفاء]  
{وَٱلۡقَوَٰعِدُ مِنَ ٱلنِّسَآءِ ٱلَّـٰتِي لَا يَرۡجُونَ نِكَاحٗا فَلَيۡسَ عَلَيۡهِنَّ جُنَاحٌ أَن يَضَعۡنَ ثِيَابَهُنَّ غَيۡرَ مُتَبَرِّجَٰتِۭ بِزِينَةٖۖ وَأَن يَسۡتَعۡفِفۡنَ خَيۡرٞ لَّهُنَّۗ وَٱللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٞ} (60)

القواعد من النساء : العجائز الكبار في السن .

لا يرجون نكاحا : لا يطمعون بالزواج .

التبرج : إظهار المحاسن .

وأما النساء الكبار في السن اللاتي لا مطمع لهن في الزواج ، فلا جناح عليهن اذا تحللن من بعض الملابس في بيوتهن ، وإذا تعففن باللباس الساتر فإنه خير لهن ، والله سميع بما يجري بين الناس ، عليم بمقاصدهم لا تخفى عليه خافية .

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{وَٱلۡقَوَٰعِدُ مِنَ ٱلنِّسَآءِ ٱلَّـٰتِي لَا يَرۡجُونَ نِكَاحٗا فَلَيۡسَ عَلَيۡهِنَّ جُنَاحٌ أَن يَضَعۡنَ ثِيَابَهُنَّ غَيۡرَ مُتَبَرِّجَٰتِۭ بِزِينَةٖۖ وَأَن يَسۡتَعۡفِفۡنَ خَيۡرٞ لَّهُنَّۗ وَٱللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٞ} (60)

فيه خمس مسائل :

الأولى-قوله تعالى : " والقواعد من النساء " القواعد واحدتها قاعد ، بلا هاء ، ليدل حذفها على أنه قعود الكبر ، كما قالوا : امرأة حامل ؛ ليدل بحذف الهاء أنه حمل حبل . قال الشاعر :

فلو أن ما في بطنه بين نِسْوَةٍ *** حَبِلْنَ وإن كنّ القواعدُ عُقرا

وقالوا في غير ذلك : قاعدة في بيتها ، وحاملة على ظهرها ، بالهاء . والقواعد أيضا : أساس البيت واحدة قاعدة ، بالهاء .

الثانية-القواعد : العُجَّز اللواتي قعدن عن التصرف من السن ، وقعدن عن الولد والمحيض ، هذا قول أكثر العلماء . قال ربيعة : هي التي إذا رأيتها تستقذرها من كبرها . وقال أبو عبيدة : اللاتي قعدن عن الولد ، وليس ذلك بمستقيم ؛ لأن المرأة تقعد عن الولد وفيها مستمتع ، قاله المهدوي .

الثالثة-قوله تعالى : " فليس عليهن جناح أن يضعن ثيابهن " إنما خص القواعد بذلك لانصراف الأنفس عنهن ؛ إذ لا يذهب للرجال فيهن ، فأبيح لهن ما لم يبح لغيرهن ، وأزيل عنهم كلفة التحفظ المتعب لهن .

الرابعة-قرأ ابن مسعود وأبي وابن عباس " أن يضعن من ثيابهن " بزيادة " من " قال ابن عباس : وهو الجلباب . وروي عن ابن مسعود أيضا " من جلابيبهن " والعرب تقول : امرأة واضع ، للتي كبرت فوضعت خمارها . وقال قوم : الكبيرة التي أيست من النكاح ، لو بدا شعرها فلا بأس ، فعلى هذا يجوز لها وضع الخمار . والصحيح أنها كالشابة في التستر ، إلا أن الكبيرة تضع الجلباب الذي يكون فوق الدرع والخمار ، قاله ابن مسعود وابن جبير وغيرهما .

الخامسة-قوله تعالى : " غير متبرجات بزينة " أي غير مظهرات ولا متعرضات بالزينة لينظر إليهن ، فإن ذلك من أقبح الأشياء وأبعده عن الحق . والتبرج : التكشف والظهور للعيون ، ومنه : بروج مشيدة . وبروج السماء والأسوار ، أي لا حائل دونها يسترها . وقيل لعائشة رضي الله عنها : يا أم المؤمنين ، ما تقولين في الخضاب والصباغ والتمائم والقرطين والخلخال وخاتم الذهب ورقاق الثياب ؟ فقالت : يا معشر النساء ، قصتكن قصة امرأة واحدة ، أحل الله لكنّ الزينة غير متبرجات لمن لا يحل لكنّ أن يروا منكن محرما . وقال عطاء : هذا في بيوتهن ، فإذا خرجت فلا يحل لها وضع الجلباب . وعلى هذا " غير متبرجات " غير خارجات من بيوتهن . وعلى هذا يلزم أن يقال : إذا كانت في بيتها فلا بدلها من جلباب فوق الدرع ، وهذا بعيد ، إلا إذا دخل عليها أجنبي . ثم ذكر تعالى أن تحفظ الجميع منهن ، واستعفافهن عن وضع الثياب والتزامهن ما يلزم الشباب أفضل لهن وخير . وقرأ ابن مسعود " وأن يتعففن " بغير سين . ثم قيل : من التبرج أن تلبس المرأة ثوبين رقيقين يصفانها . روى الصحيح عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( صنفان من أهل النار لم أرهما قوم معهم سياط كأذناب البقر يضربون بها الناس ونساء كاسيات عاريات مميلات مائلات رؤوسهن كأسنمة البخت المائلة لا يدخلن الجنة ولا يجدن ريحها وإن ريحها ليوجد من مسيرة كذا وكذا ) . قال ابن العربي : وإنما جعلهن كاسيات ؛ لأن الثياب عليهن وإنما وصفهن بأنهن عاريات ؛ لأن الثواب إذا رق يصفهن ، ويبدي محاسنهن ، وذلك حرام .

قلت : هذا أحد التأويلين للعلماء في هذا المعنى . والثاني : أنهن كاسيات من الثياب عاريات من لباس التقوى الذي قال الله تعالى فيه : " ولباس التقوى ذلك خير " {[12066]} . وأنشدوا :

إذا المرء لم يلبَسْ ثياباً من التقى *** تقلّب عُرْيَانًا وإن كان كاسِيا

وخيرُ لباس المرء طاعةُ ربه *** ولا خير فيمن كان لله عاصيا

وفي صحيح مسلم عن أبي سعيد الخدري قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( بينا أنا نائم رأيت الناس يعرضون علي{[12067]} وعليهم قمص منها ما يبلغ الثدي ومنها ما دون ذلك ومر عمر بن الخطاب وعليه قميص يجره ) قالوا : ماذا أولت ذلك يا رسول الله ؟ قال : ( الدين ) . فتأويله صلى الله عليه وسلم القميص بالدين مأخوذ من قوله تعالى : " ولباس التقوى ذلك خير " . والعرب تكني عن الفضل والعفاف بالثياب ، كما قال شاعرهم :

ثياب بني عَوْف طَهَارى نَقِيَّة{[12068]}

وقد قال صلى الله عليه وسلم لعثمان : ( إن الله سيلبسك قميصا فإن أرادوك أن تخلعه فلا تخلعه ) . فعبر عن الخلافة بالقميص وهي استعارة حسنة معروفة .

قلت : هذا التأويل أصح التأويلين ، وهو اللائق بهن في هذه الأزمان ، وخاصة الشباب ، فإنهن يتزين ويخرجن متبرجات ، فهن كاسيات بالثياب عاريات من التقوى حقيقة ، ظاهرا وباطنا ، حيث تبدي زينتها ، ولا تبالي بمن ينظر إليها ، بل ذلك مقصودهن ، وذلك مشاهد في الوجود منهن ، فلو كان عندهن شيء من التقوى لما فعلن ذلك ، ولم يعلم أحد ما هنالك . ومما يقوي هذا التأويل ما ذكر من وصفهن في بقية الحديث في قوله : ( رؤوسهن كأسنمة البخت ) . والبخت ضرب من الإبل عظام الأجسام ، عظام الأسنمة ، شبه رؤوسهن بها لما رفعن من ضفائر شعورهن على أوساط رؤوسهن . وهذا مشاهد معلوم ، والناظر إليهن ملوم . قال صلى الله عليه وسلم : ( ما تركت بعدي فتنة أضر على الرجال من النساء ) . خرجه البخاري .


[12066]:راجع ج 7 ص 184.
[12067]:الذي في صحيح مسلم: "يعرضون وعليهم".
[12068]:هذا صدر بيت لامرئ القيس، وعجزه كما في ديوانه: *وأوجههم عند المشاهد غران*
 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{وَٱلۡقَوَٰعِدُ مِنَ ٱلنِّسَآءِ ٱلَّـٰتِي لَا يَرۡجُونَ نِكَاحٗا فَلَيۡسَ عَلَيۡهِنَّ جُنَاحٌ أَن يَضَعۡنَ ثِيَابَهُنَّ غَيۡرَ مُتَبَرِّجَٰتِۭ بِزِينَةٖۖ وَأَن يَسۡتَعۡفِفۡنَ خَيۡرٞ لَّهُنَّۗ وَٱللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٞ} (60)

قوله : ( والقواعد من النساء اللاتي لا يرجون نكاحا ) القواعد ، جمع قاعد . وهي التي قعدت عن النكاح للكبر . أو التي قعدت عن الحيض والولد لكبرها . وحذفت منها الهاء ؛ ليدل حذفها على أنه قعود الكبر . والمعنى : أن النساء اللاتي يئسن من البعولة فلا يطمعن في الأزواج ( فليس عليهن جناح أن يضعن ثيابهن ) أي ليس عليهن حرج ولا إثم في وضع جلابيبهن وهي القناع الذي يكون فوق الخمار والرداء . لا إثم على المرأة الكبيرة التي لا تتشوّف للبعل أو النكاح أن تجلس في بيتها بدرع وخمار وتضع عنها الجلباب عند المحارم من الرجال وغير المحارم من الغرباء ؛ لأنها في مثل هذا السن تغيب من حولها الفتنة لزهدها في النكاح من أجل كبرها ، ولانتفاء الرغبة فيها لدى الرجال .

قوله : ( غير متبرجات بزينة ) ( غير ) ، منصوب على الحال . و ( متبرجات ) ، من التبرج وهو إظهار المرأة زينتها ومحاسنها للرجال{[3289]} والمعنى : لا يبتغين بوضع الجلباب إظهار الزينة لينظر إليهن . وهذا كله في حق القواعد من النساء وهن في البيوت . أما إذا خرجن فلا يحل لهن وضع الجلابيب .

وفي كل الأحوال فإن الأفضل استعفافهن عن وضع الثياب وهي الجلابيب ، والتزامهن من اللباس ما يلزم غير القواعد من كامل الثياب . فإن ذلك أكرم لهن وأفضل ، وهو قوله : ( وأن يستعففن خير لهن ) أي عدم وضعهن الجلابيب –وإن كان ذلك جائزا- خير لهن وأفضل ؛ لكونه أبعد من التهمة وأقطع لقالة السوء أن يتعرضوا لهن بقبيح القول أو الإشارة ( والله سميع عليم ) الله يسمع ما يجري من حديث وما تنطق به الألسن من قول مريب . وهو سبحانه عليم بمقاصد النساء من وضع الجلابيب . عليم بما تخفيه القلوب من أسرار .

على أنه من ظواهر التبرج أن تلبس المرأة ثوبا رقيقا يصفها أو يكشف عما بداخله من جلدها أو شعرها ، وذلكم حرام ، بل إن ذلك من المحظورات التي شدد عليها الإسلام النكير . لما في ذلك من فتنة تغوي الرجال وتستهويهم للاسترخاء والسقوط . وفي ذلك روى الصحيح عن أبي هريرة قال : قال رسول الله ( ص ) : " صنفان من أهل النار لم أرهما : قوم معهم سياط كأذناب البقر يضربون بها الناس ، ونساء كاسيات عاريات مميلات مائلات رؤوسهن كأسنمة البخْت المائلة ، لا يدخلن الجنة ، ولا يجدن ريحها ، وإن ريحها ليوجد من مسيرة كذا وكذا " وقد جعلهن كاسيات ؛ لأن الثياب عليهن . ووصفن بالعاريات ؛ لأن الثوب إذ رقّ فإنه يصفهن ويبدي محاسنهن ، وذلك حرام . وهو قول ابن العربي .

فكيف إذا خرجت النساء على الملأ من الأجانب والغرباء وهن حاسرات الثياب وقد بدت فيهن بعض أجسادهن للعيان ، كالأذرع والسيقان والشعور وغير ذلك مما يحرم ظهوره البتة . أما قوله : " كأسنمة البخت " أسنمة ، جمع سنام ، والبخت ، نوع من الإبل . والواحد بختي ، ويجمع أيضا على البخاتي{[3290]} ؛ فقد شبه رؤوس النساء الكاسيات العاريات بأسنمة الإبل لما رفعن من ضفائر شعورهن على أوساط رؤوسهن . وهو ما نجده اليوم في كثير من النساء ، ومنهن بعض المسلمات أو كثير منهن اللواتي غفلن عن أحكام دينهن ؛ إذا أذهلتهن الحضارة المادية الحديثة . الحضارة التي بنيت على الهوى والغريزة وعبادة الشهوات{[3291]} .


[3289]:- مختار الصحاح ص 46.
[3290]:- المصباح المنير جـ 1 ص 43.
[3291]:- أحاكم القرآن لابن العربي جـ3 ص 1384- 1389 وتفسير ابن كثير جـ3 ص 303، 304، وتفسير القرطبي جـ 12 ص 302- 310.