ثم يأتي المشهد الثاني يوم القيامة حيث يدخلون جهنم . كيف يلعن بعضهم بعضاً عندما يتقابلون ، وكيف يطلبون العذاب المضاعف !
يومئذ يقول الله لهؤلاء الكفار : ادخلوا النار مع أممِ من كفّار الجن والإنس ، قد مضَت من قبلكم ، كلما دخلت جماعةٌ النار ورأت ما حلّ بها من الخِزي لَعَنَتْ سابِقتَها التي اتّخذتها قُدوة لها . حتى إذا تتابعوا فيها مجتمعين ، قال التابعون يذمُّون المتبوعين : ربّنا هؤلاء أضلّونا بتقلِيدِنا لهم ، وبتسلُّطهم علينا . إنهم هم الذين صرَفونا عن الحق ، فعاقبهم عقاباً مضاعفا . وهنا يردّ صاحب العزّة والجلال : لكلٍ منكم عذابٌ مضاعَف ، لا ينجو منه أحد ، ولا تعلمون شدّته ولا مداه .
قرأ الجمهور : «لا تعلمون » بالتاء ، وقرأ أبو بكر عن عاصم : «لا يعلمون » بالياء .
قوله تعالى : " قال ادخلوا في أمم قد خلت من قبلكم من الجن والإنس في النار " أي مع أمم ؛ ف " في " بمعنى مع . وهذا لا يمتنع ؛ لأن قولك : زيد في القوم ، أي مع القوم . وقيل : هي على بابها ، أي ادخلوا في جملتهم . والقائل قيل : هو الله عز وجل ، أي قال الله ادخلوا . وقيل : هو مالك خازن النار . " كلما دخلت أمة لعنت أختها " أي التي سبقتها إلى النار ، وهي أختها في ، الدين والملة . " حتى إذا اداركوا فيها جميعا " أي اجتمعوا . وقرأ الأعمش " تداركوا " وهو الأصل ، ثم وقع الإدغام فاحتيج إلى ألف الوصل . وحكاها المهدوي عن ابن مسعود . النحاس : وقرأ ابن مسعود " حتى إذا أدركوا " أي أدرك بعضهم بعضا . وعصمة عن أبي عمرو " حتى إذا اداركوا " بإثبات الألف على الجمع بين الساكنين . وحكى : هذان عبدا الله . وله ثلثا المال . وعن أبي عمرو أيضا : " إذا اداركوا " بقطع ألف الوصل ، فكأنه سكت على " إذا " للتذكر ، فلما طال سكوته قطع ألف الوصل ، كالمبتدئ بها . وقد جاء في الشعر قطع ألف الوصل نحو قوله :
يا نفس صبرا كل حي لاقي *** وكل اثنين إلى افتراق
وعن مجاهد وحميد بن قيس " حتى إذ ادركوا " بحذف ألف " إذا " لالتقاء الساكنين ، وحذف الألف التي بعد الدال . " جميعا " نصب على الحال . " قالت أخراهم لأولاهم " أي آخرهم دخولا وهم الأتباع لأولاهم وهم القادة . " ربنا هؤلاء أضلونا فآتهم عذابا ضعفا من النار " فاللام في " لأولاهم " لام أجل ؛ لأنهم لم يخاطبوا أولاهم ولكن قالوا في حق أولاهم ربنا هؤلاء أضلونا . والضعف المثل الزائد على مثله مرة أو مرات . وعن ابن مسعود أن الضعف ههنا الأفاعي والحيات . ونظير هذه الآية " ربنا آتهم ضعفين من العذاب والعنهم لعنا كبيرا{[7120]} " [ الأحزاب : 68 ] . وهناك يأتي ذكر الضعف بأبشع من هذا وما يترتب عليه من الأحكام ، إن شاء الله تعالى . " قال لكل ضعف " أي للتابع والمتبوع . " ولكن لا تعلمون " على قراءة من قرأ بالياء ؛ أي لا يعلم كل فريق ما بالفريق الآخر ، إذ لو علم بعض من في النار أن عذاب أحد فوق عذابه لكان نوع سلوة له . وقيل : المعنى " ولكن لا تعلمون " بالتاء ، أي ولكن لا تعلمون أيها المخاطبون ما يجدون من العذاب . ويجوز أن يكون المعنى ولكن لا تعلمون يأهل الدنيا مقدار ما هم فيه من العذاب .
قوله تعالى : { قال ادخلوا في أمم قد خلت من قبلكم من الجن والإنس في النار كلما دخلت أمة لعنت أختها حتى إذا ادراكوا فيها جميعا قالت أخراهم لأولاهم ربنا هؤلاء أضلونا فآتهم عذابا ضعفا من النار قال لكل ضعف ولكن لا تعلمون 38 وقالت أولاهم لأخراهم فما كان لكم علينا من فضل فذوقوا العذاب بما كنتم تكسبون } .
يقول الله يوم القيامة لهؤلاء المكذبين المفترين الذين جحدوا آيات الله واستكبروا عن اتباع دينه ومنهجه للحياة : ادخلوا النار مع أمم من قبلكم من الجن والإنس قد كذبوا وافتروا على الله بالباطل .
قوله : { كلما دخلت أمة لعنت أختها } الأمة جمعها الأمم . والمراد بها هنا أهل الملل الكافرة المصطنعة المفتراة أو الذين لا يؤمنون بدين ممن يسمون في الزمن الراهن ( ملحدين ) وهم الماديون الذين يجحدون الإيمان بالغيب كله فينكرون الإلهية البتة ويكذبون الوحي والنبوة .
أولئك جميعا أمم كافرة ضالة عن سبيل الله ، ماضية في سبيل متفرقة شتى ، لا يتعبون في ذلك غير الباطل وخطوات الشيطان . لا جرم أن مصيرهم جميعا إلى النار . وهم كلما دخلت النار جماعة من أهل ملة من هاتيك الملل الكافرة شتمت أختها أهل الملة الكافرة الأخرى التي سبقتها في دخول النار . والمراد بالأخت هنا الأخوة في الدين والملة . فأهل الملل الضالة الكافرة جميعا إخوة في الضلال والكفر . وهذه بعض حال الكافرين الذين يكبكبون في النار وهم يتلاعبون ويتشاتمون ؛ إذ تعلن كل واحدة الأخرى ، فما من أهل ملة من هذه الملل الكافرة إلا وتنزيل بها اللعائن والشتائم من الضالين الآخرين لا جرم أن ذلك يزيد في الهوان والتنكيل بهؤلاء الخاسرين التعساء .
قوله : { حتى إذا اداركوا فيها جميعا قالت أخراهم لأولاهم ربنا هؤلاء أضلونا فآتهم عذابا ضعفا من النار } ذلك من جملة التخاصم الشديد بين أهل النار وهم يتلاومون ويتشاتمون في النار ويوبخ كل قبيل منهم الآخر . والمراد بأخراهم في الآية الأتباع والرعاع . أما أولاهم فهم القادة وأئمة الكفر الذين أضلوهم وزينوا لهم الكفر والباطل . ومعنى الآية : أنه إذا تداركت الأمم أو اجتمعت جميعا في النار فالتقى فيها الأولون والآخرون من الأمم الضالة المكذبة قالت آخر كل أمة وهم الأتباع عن أولادهم وهم السادة والقادة مخاطبين ربهم : يا ربنا هؤلاء أضلونا عن سبيلك في الدنيا ودعونا إلى عبادة غيرك من الآلهة المفتراة ، وهم الذين سولوا لنا الكفران والطغيان وأن نعبد الشيطان ، فآتهم اليوم في مقابلة ذلك الضعف من العذاب . والمراد بالضعف الزائد على مثله مرة أو مرات .
قوله : { قال لكل ضعف ولكن لا تعلمون } ذلك إخبار من الله أن لكل من الفريقين وهما الأتباع والمتبوعون الضعف . فللأولى ضعف ، وللأخرى ضعف أما ضعف الأتباع : فهو من أجل ضلالتهم واتخاذهم الرؤساء وقادة الضلال والكفر أئمة لهم ، لا يصدون إلا عن أمرهم . وأما المتبوعون فضعفهم من العذاب من اجل إضلالهم غيرهم وإغوائهم إياهم فضلا عن ضلالهم أنفسهم وتكذيبهم رسل ربهم . { ولاكن لا تعلمون } أي ولكنكم يا معشر أهل النار لا تعلمون ما أعده الله لكم من العذاب .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.