مراغما : مكاناً ومأوى يصيب فيه الخير ومعيشة حسنة .
وقع أجره على الله : ثبت أجره عند الله ووجب .
ومن يهاجر في سبيل الله ، ولنصرة دينه ، يجد في الأرض مأوى يصيب فيه الخير وسعة الرزق والنجاة من الاضطهاد . هذا وعدٌ من الله تعالى للمهاجرين في سبيله . أما من يموت في الطريق مهاجراً إلى الله ورسوله ، قبل وصوله ، فقد وعده الله بالأجر العظيم ، مكافأة له على ترك وطنه لإقامة دينه واتباع رسوله .
وقد ذكر العلماء أن من سار لأمر فيه منفعةٌ كطلبِ علمٍ وحجٍّ وكسبٍ حلال مات قبل الوصول إلى مقصده ، فله مثل هذا الحكم .
الأولى : قوله تعالى : " ومن يهاجر في سبيل الله يجد " شرط وجوابه . " في الأرض مراغما " اختلف في تأويل المراغم ، فقال مجاهد : المراغم المتزحزح . وقال ابن عباس والضحاك والربيع وغيرهم : المراغم المتحول والمذهب . وقال ابن زيد : والمراغم المهاجر ، وقاله أبو عبيدة . قال النحاس : فهذه الأقوال متفقة المعاني . فالمراغم المذهب والمتحول في حال هجرة ، وهو اسم الموضع الذي يراغم فيه ، وهو مشتق من الرغام . ورغم أنف فلان أي لصق بالتراب . وراغمت فلانا هجرته وعاديته ، ولم أبال إن رغم أنفه . وقيل : إنما سمي مهاجرا ومراغما لأن الرجل كان إذا أسلم عادى قومه وهجرهم ، فسمى خروجه مراغما ، وسمى مصيره إلى النبي صلى الله عليه وسلم هجرة . وقال السدي : المراغم المبتغي للمعيشة . وقال ابن القاسم : سمعت مالكا يقول : المراغم الذهاب في الأرض . وهذا كله تفسير بالمعنى ، وكله قريب بعضه من بعض ؛ فأما الخاص باللفظة فإن المراغم موضع المراغمة كما ذكرنا ، وهو أن يرغم كل واحد من المتنازعين أنف صاحبه بأن يغلبه على مراده ، فكأن كفار قريش أرغموا أنوف المحبوسين بمكة ، فلو هاجر منهم مهاجر لأرغم أنوف قريش لحصوله في منعة منهم ، فتلك المنعة هي موضع المراغمة . ومنه قول النابغة .
كطود يُلاَذ بأركانه *** عزيزِ المُرَاغَمِ والمَهْرَبِ
الثانية : قوله تعالى : " وسعة " أي في الرزق ؛ قاله ابن عباس والربيع والضحاك . وقال قتادة : المعنى سعة من الضلالة إلى الهدى ومن العلة إلى الغنى . وقال مالك : السعة سعة البلاد . وهذا أشبه بفصاحة العرب ، فإن بسعة الأرض وكثرة المعاقل تكون السعة في الرزق ، واتساع الصدر لهمومه وفكره وغير ذلك من وجوه الفرج . ونحو هذا المعنى قول الشاعر :
وكنت إذا خليل رام قطعي *** وجدت وراي منفسحا عريضا
لكان لي مضطربٌ واسعٌ *** في الأرض ذات الطول والعرض
الثالثة : قال مالك : هذه الآية دالة على أنه ليس لأحد المقام بأرض يسب فيها السلف ويعمل فيها بغير الحق . وقال : والمراغم الذهاب في الأرض ، والسعة سعة البلاد على ما تقدم . واستدل أيضا بعض العلماء بهذه الآية على أن للغازي إذا خرج إلى الغزو ثم مات قبل القتال له سهمه وإن لم يحضر الحرب ، رواه ابن لهيعة عن يزيد بن أبي حبيب عن أهل المدينة . وروي ذلك عن ابن المبارك أيضا .
الرابعة : قوله تعالى : " ومن يخرج من بيته مهاجرا إلى الله ورسوله " قال عكرمة مولى ابن عباس : طلبت اسم هذا الرجل أربع عشرة سنة حتى وجدته . وفي قول عكرمة هذا دليل على شرف هذا العلم قديما ، وأن الاعتناء به حسن والمعرفة به فضل ، ونحو منه قول ابن عباس : مكثت سنين أريد أن أسأل عمر عن المرأتين اللتين تظاهرتا على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ما يمنعني إلا مهابته . والذي ذكره عكرمة هو ضمرة بن العيص أو العيص بن ضمرة بن زنباع ، حكاه الطبري عن سعيد بن جبير . ويقال فيه : ضميرة أيضا . ويقال : جندع بن ضمرة من بني ليث ، وكان من المستضعفين بمكة وكان مريضا ، فلما سمع ما أنزل الله في الهجرة قال : أخرجوني ، فهيئ له فراش ثم وضع عليه وخرج به فمات في الطريق بالتنعيم{[4825]} ، فأنزل الله فيه " ومن يخرج من بيته مهاجرا " الآية . وذكر أبو عمر أنه قد قيل فيه : خالد بن حزام بن خويلد ابن أخي خديجة ، وأنه هاجر إلى أرض الحبشة فنهشته حية في الطريق فمات قبل أن يبلغ أرض الحبشة ، فنزلت فيه الآية ، والله أعلم . وحكى أبو الفرج الجوزي أنه حبيب بن ضمرة . وقيل : ضمرة بن جندب الضمري ، عن السدي . وحكي عن عكرمة أنه جندب بن ضمرة الجندعي . وحكي عن ابن جابر{[4826]} أنه ضمرة بن بغيض الذي من بني ليث . وحكى المهدوي أنه ضمرة بن ضمرة بن نعيم . وقيل : ضمرة بن خزاعة ، والله أعلم . وروى معمر عن قتادة قال : لما نزلت " إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم " الآية ، قال رجل من المسلمين وهو مريض : والله ما لي من عذر ! إني لدليل في الطريق ، وإني لموسر فاحملوني . فحملوه فأدركه الموت في الطريق ، فقال أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم : لو بلغ إلينا لتم أجره ، وقد مات بالتنعيم . وجاء بنوه إلى النبي صلى الله عليه وسلم وأخبروه بالقصة ، فنزلت هذه الآية " ومن يخرج من بيته مهاجرا " الآية . وكان اسمه ضمرة بن جندب ، ويقال : جندب بن ضمرة على ما تقدم . " وكان الله غفورا " لما كان منه من الشرك . " رحيما " حين قبل توبته .
الخامسة : قال ابن العربي : قسم العلماء رضي الله عنهم الذهاب في الأرض قسمين : هربا وطلبا ، فالأول ينقسم إلى ستة أقسام : الأول : الهجرة وهي الخروج من دار الحرب إلى دار الإسلام ، وكانت فرضا في أيام النبي صلى الله عليه وسلم ، وهذه الهجرة باقية مفروضة إلى يوم القيامة ، والتي انقطعت بالفتح هي القصد إلى النبي صلى الله عليه وسلم حيث كان{[4827]} ، فإن بقي في دار الحرب عصى ، ويختلف في حاله . الثاني : الخروج من أرض البدعة ، قال ابن القاسم : سمعت مالكا يقول : لا يحل لأحد أن يقيم بأرض يسب فيها السلف . قال ابن العربي : وهذا صحيح ، فإن المنكر إذا لم تقدر أن تغيره فزل عنه ، قال الله تعالى : " وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا فأعرض عنهم " إلى قوله " الظالمين{[4828]} " [ الأنعام : 68 ] . الثالث : الخروج من أرض غلب عليها الحرام : فإن طلب الحلال فرض على كل مسلم . الرابع : الفرار من الأذية في البدن ، وذلك فضل من الله أرخص فيه ، فإذا خشي على نفسه فقد أذن الله في الخروج عنه والفرار بنفسه ليخلصها من ذلك المحذور . وأول من فعله إبراهيم عليه السلام ، فإنه لما خاف من قومه قال : " إني مهاجر إلى ربي{[4829]} " [ العنكبوت : 26 ] ، وقال : " إني ذاهب إلى ربي سيهدين{[4830]} " [ الصافات : 99 ] . وقال مخبرا عن موسى : " فخرج منها خائفا يترقب{[4831]} " [ القصص : 21 ] . الخامس : خوف المرض في البلاد الوخمة والخروج منها إلى الأرض النزهة . وقد أذن صلى الله عليه وسلم للرعاة حين استوخموا المدينة أن يخرجوا إلى المسرح فيكونوا فيه حتى يصحوا . وقد استثنى من ذلك الخروج من الطاعون ، فمنع الله سبحانه منه بالحديث الصحيح عن نبيه صلى الله عليه وسلم ، وقد تقدم بيانه في " البقرة " {[4832]} . بيد أن علماءنا قالوا : هو مكروه . السادس : الفرار خوف الأذية في المال ، فإن حرمة مال المسلم كحرمة دمه ، والأهل مثله وأوكد .
وأما قسم الطلب فينقسم قسمين : طلب دين وطلب دنيا .
فأما طلب الدين فيتعدد بتعدد أنواعه إلى تسعة أقسام : الأول : سفر العبرة ، قال الله تعالى : " أولم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم{[4833]} " [ الروم : 9 ] وهو كثير . ويقال : إن ذا القرنين إنما طاف الأرض{[4834]} ليرى عجائبها . وقيل : لينفذ الحق فيها . الثاني : 3 سفر الحج . والأول وإن كان ندبا فهذا فرض . الثالث : سفر الجهاد وله أحكامه . الرابع : سفر المعاش ؛ فقد يتعذر على الرجل معاشه مع الإقامة فيخرج في طلبه لا يزيد عليه . من صيد أو احتطاب أو احتشاش ، فهو فرض عليه . الخامس : سفر التجارة والكسب الزائد على القوت ، وذلك جائز بفضل الله سبحانه وتعالى ، قال الله تعالى : " ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم " {[4835]} [ البقرة : 198 ] يعني التجارة ، وهي نعمة من الله بها في سفر الحج ، فكيف إذا انفردت . السادس : في طلب العلم وهو مشهور . السابع : قصد البقاع ، قال صلى الله عليه وسلم : ( لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد ) . الثامن : الثغور للرباط بها وتكثير سوادها للذب عنها . التاسع : زيارة الإخوان في الله تعالى : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( زار رجل أخا له في قرية فأرصد الله له ملكا على مدرجته{[4836]} فقال أين تريد ؟ فقال : أريد أخا لي في هذه القرية قال : هل لك من نعمة تربها{[4837]} عليه ؟ قال : لا ، غير أني أحببته في الله عز وجل قال : فإني رسول الله إليك بأن الله قد أحبك كما أحببته فيه ) . رواه مسلم وغيره .