جمعت هذه الآية الكريمة التوحيد ، والإيمان بالبعث والجزاء في الدار الآخرة ، وهما الركنان الأساسيان للدّين . وبعد أن مهّد الشارعُ بذكر هذه القواعد الثابتة بنى على ذلك أحكاما شتى في تعامل المسلمين مع غيرهم كما سيأتي .
الله لا إله الا هو ، ولا سلطان لغيره ، فلا تقصّروا في عبادته . إنه سيبعثكم بعد موتكم ويحشركم إلى موقف الحساب والجزاء يوم القيامة ، وهو يوم آتٍ لا ريب فيه ، ولهذا لا تشكّوا في حديثه فإن لا قول أصدق من قوله .
{ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا }
يخبر تعالى عن انفراده بالوحدانية وأنه لا معبود ولا مألوه إلا هو ، لكماله في ذاته وأوصافه ولكونه المنفرد بالخلق والتدبير ، والنعم الظاهرة والباطنة .
وذلك يستلزم الأمر بعبادته والتقرب إليه بجميع أنواع العبودية . لكونه المستحق لذلك وحده والمجازي للعباد بما قاموا به من عبوديته أو تركوه منها ، ولذلك أقسم على وقوع محل الجزاء وهو يوم القيامة ، فقال : { لَيَجْمَعَنَّكُمْ } أي : أولكم وآخِركم في مقام واحد .
في { يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ } أي : لا شك ولا شبهة بوجه من الوجوه ، بالدليل العقلي والدليل السمعي ، فالدليل العقلي ما نشاهده من إحياء الأرض بعد موتها ، ومن وجود النشأة الأولى التي وقوع الثانية أَوْلى منها بالإمكان ، ومن الحكمة التي تجزم بأن الله لم يخلق خلقه عبثًا ، يحيون ثم يموتون . وأما الدليل السمعي فهو إخبار أصدق الصادقين بذلك ، بل إقسامه عليه ولهذا قال : { وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا } كذلك أمر رسوله صلى الله عليه وسلم أن يقسم عليه في غير موضع من القرآن ، كقوله تعالى : { زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ }
وفي قوله : { وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا } { وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا } إخبار بأن حديثه وأخباره وأقواله في أعلى مراتب الصدق ، بل أعلاها . فكل ما قيل في العقائد [ والعلوم ]{[218]} والأعمال مما يناقض ما أخبر الله به ، فهو باطل لمناقضته للخبر الصادق اليقين ، فلا يمكن أن يكون حقًّا .
قوله تعالى : ( الله لا إله إلا هو ليجمعنكم إلى يوم القيامة لا ريب فيه ومن أصدق من الله حديثا ) لفظ الجلالة الأول مرفوع على الابتداء . والجملة الاسمية بعده في محل رفع خبر المبتدأ أو اعتراض ، والخبر ( ليجمعنكم ) . واللام في قوله ( ليجمعنكم ) للقسم . وقيل موطئة للقسم . وقد نزلت هذه الآية في المرتابين الذين يكذبون بيوم القيامة . والله – جلّت قدرته- يقسم أن سيجمع الخلائق كلها على صعيد واحد يوم القيامة من القيام وهو يوم لا يحتمل الشك أو التردد أو التأويل ، بل إنه حقيقة واقعة لا محالة . ومعنى القيامة أو النهوض في خوف وذهول . وسمّيت بهذا الاسم ؛ لأن الناس جميعا يقومون لله وبين يديه في ذلك اليوم الذي يشتد فيه الهول والكرب . وفي قول آخر لهذه التسمية بأن الناس ينهضون قياما من قبورهم . وهما معنيان متقاربان يؤولان إلى قيام الناس في نهوض يساوره الذهول والحيرة والرعب لتجتمع الخلائق كافة من أجل الحساب .
قوله : ( ومن أصدق من الله حديثا ) ذلك استفهام يتضمن النفي الكامل لوجود من أصدق من الله . إنه تباركت أسماؤه وتقدّس في جلاله وعليائه لهو أصدق الصادقين حديثا فكيف إذا أقسم ؟ ! فإن في ذلك عين التأكيد على صدق حديثه سبحانه . وقوله : ( حديثا ) منصوب على التمييز .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.