تيسير التفسير لإبراهيم القطان - إبراهيم القطان [إخفاء]  
{فَخَلَفَ مِنۢ بَعۡدِهِمۡ خَلۡفٞ وَرِثُواْ ٱلۡكِتَٰبَ يَأۡخُذُونَ عَرَضَ هَٰذَا ٱلۡأَدۡنَىٰ وَيَقُولُونَ سَيُغۡفَرُ لَنَا وَإِن يَأۡتِهِمۡ عَرَضٞ مِّثۡلُهُۥ يَأۡخُذُوهُۚ أَلَمۡ يُؤۡخَذۡ عَلَيۡهِم مِّيثَٰقُ ٱلۡكِتَٰبِ أَن لَّا يَقُولُواْ عَلَى ٱللَّهِ إِلَّا ٱلۡحَقَّ وَدَرَسُواْ مَا فِيهِۗ وَٱلدَّارُ ٱلۡأٓخِرَةُ خَيۡرٞ لِّلَّذِينَ يَتَّقُونَۚ أَفَلَا تَعۡقِلُونَ} (169)

خلْف بسكون اللام : نسل شرير .

الكتاب : التوراة .

العرض بفتح الراء : متاع الدنيا وحطامها . الأدنى : الدنيا .

فجاء من بعد الّذين ذكرناهم خَلْفُ سوءٍ ورِثوا التوراةَ من أسلافهم ، لكنهم لم يعملوا بها ، ولم تتأثّر قلوبهم ولا سلوكهم ، وكلما رأَوا عَرَضاً من أعراض الدنيا تهافتوا عليه ثم تأولوا وقالوا : «سيُغفرُ لنا » ، فهم مصرون على الذنْب مع طلب المغفرة .

ثم وبَّخهم الله على طلبهم المغفرةَ مع إصرارهم على ما هم عليه فقال : إنّا أنفَذْنا عليهم العهد في التوراة - وقد درسوا ما فيها- أن يقولوا الحق ، فقالوا الباطل . . . . لم يعقِلوا بعدُ أن نعيم الدار الآخرة الدائم خير من متاع الدنيا الفاني ، فقل لهم يا محمد : من العجب أن تستمروا على عصيانكم ، أفلا تعقلون أن ذلك النعيم خير لكم ! ؟

وفي هذا إيماء إلى أن الطمع في متاع الدنيا هو الذي أفسد على بني إسرائيل أمرهم .

وفيه عبرة للمسلمين الذي سرى إليهم كثير من الفساد ، وغلب عليهم حبُّ الدنيا وعرضها الزائل ، والقرآن الكريم بين أيديهم لكنهم لا يعملون به بل هم عنه غافلون .

 
تيسير الكريم المنان في تفسير القرآن لابن سعدي - ابن سعدي [إخفاء]  
{فَخَلَفَ مِنۢ بَعۡدِهِمۡ خَلۡفٞ وَرِثُواْ ٱلۡكِتَٰبَ يَأۡخُذُونَ عَرَضَ هَٰذَا ٱلۡأَدۡنَىٰ وَيَقُولُونَ سَيُغۡفَرُ لَنَا وَإِن يَأۡتِهِمۡ عَرَضٞ مِّثۡلُهُۥ يَأۡخُذُوهُۚ أَلَمۡ يُؤۡخَذۡ عَلَيۡهِم مِّيثَٰقُ ٱلۡكِتَٰبِ أَن لَّا يَقُولُواْ عَلَى ٱللَّهِ إِلَّا ٱلۡحَقَّ وَدَرَسُواْ مَا فِيهِۗ وَٱلدَّارُ ٱلۡأٓخِرَةُ خَيۡرٞ لِّلَّذِينَ يَتَّقُونَۚ أَفَلَا تَعۡقِلُونَ} (169)

فلم يزالوا بين صالح وطالح ومقتصد ، حتى خلف من بعدهم خلف . زاد شرهم وَرِثُوا بعدهم الْكِتَابُ وصار المرجع فيه إليهم ، وصاروا يتصرفون فيه بأهوائهم ، وتبذل لهم الأموال ، ليفتوا ويحكموا ، بغير الحق ، وفشت فيهم الرشوة .

يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الأدْنَى وَيَقُولُونَ مقرين بأنه ذنب وأنهم ظلمة : سَيُغْفَرُ لَنَا وهذا قول خال من الحقيقة ، فإنه ليس استغفارا وطلبا للمغفرة على الحقيقة .

فلو كان ذلك لندموا على ما فعلوا ، وعزموا على أن لا يعودوا ، ولكنهم - إذا أتاهم عرض آخر ، ورشوة أخرى - يأخذوه .

فاشتروا بآيات اللّه ثمنا قليلا واستبدلوا الذي هو أدنى بالذي هو خير ، قال اللّه [ تعالى ] في الإنكار عليهم ، وبيان جراءتهم : أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثَاقُ الْكِتَابِ أَنْ لا يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلا الْحَقَّ فما بالهم يقولون عليه غير الحق اتباعا لأهوائهم ، وميلا مع مطامعهم .

و الحال أنهم قد دَرَسُوا مَا فِيهِ فليس عليهم فيه إشكال ، بل قد أَتَوْا أمرهم متعمدين ، وكانوا في أمرهم مستبصرين ، وهذا أعظم للذنب ، وأشد للوم ، وأشنع للعقوبة ، وهذا من نقص عقولهم ، وسفاهة رأيهم ، بإيثار الحياة الدنيا على الآخرة ، ولهذا قال : وَالدَّارُ الآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ ما حرم اللّه عليهم ، من المآكل التي تصاب ، وتؤكل رشوة على الحكم بغير ما أنزل اللّه ، وغير ذلك من أنواع المحرمات .

أَفَلا تَعْقِلُونَ أي : أفلا يكون لكم عقول توازن بين ما ينبغي إيثاره ، وما ينبغي الإيثار عليه ، وما هو أولى بالسعي إليه ، والتقديم له على غيره . فخاصية العقل النظر للعواقب .

وأما من نظر إلى عاجل طفيف منقطع ، يفوت نعيما عظيما باقيا فأنى له العقل والرأي ؟

 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{فَخَلَفَ مِنۢ بَعۡدِهِمۡ خَلۡفٞ وَرِثُواْ ٱلۡكِتَٰبَ يَأۡخُذُونَ عَرَضَ هَٰذَا ٱلۡأَدۡنَىٰ وَيَقُولُونَ سَيُغۡفَرُ لَنَا وَإِن يَأۡتِهِمۡ عَرَضٞ مِّثۡلُهُۥ يَأۡخُذُوهُۚ أَلَمۡ يُؤۡخَذۡ عَلَيۡهِم مِّيثَٰقُ ٱلۡكِتَٰبِ أَن لَّا يَقُولُواْ عَلَى ٱللَّهِ إِلَّا ٱلۡحَقَّ وَدَرَسُواْ مَا فِيهِۗ وَٱلدَّارُ ٱلۡأٓخِرَةُ خَيۡرٞ لِّلَّذِينَ يَتَّقُونَۚ أَفَلَا تَعۡقِلُونَ} (169)

قوله : { فخلف من بعدهم خلف ورثوا الكتاب يأخذون عرض هذا الأدنى ويقولون سيغفر لنا وإن يأتيهم عرض مثله يأخذوه } الخلف ، بفتحتين معناه البدل والعوض . والخلف بسكون اللام ، معناه القرن من الناس . يقال : هؤلاء خلف سوء ، لناس لاحقين بناس أكثر منهم . والخلف أيضا الرديء من القول . يقال : سكت ألفا ونطق خلفا . أي سكت عن ألف كلمة ثم تكلم بخطأ{[1567]} . والمقصود هو توبيخ اليهود ؛ فقد تبدل من بعد السابقين الذين فيهم الصالحون والطالحون { خلف } أي بدل آخر لا يقال سوءا عن الفاسقين العصاة من أسلافهم . وهم بذلك لا خير فيهم البتة ؛ فقد ورثوا الكتاب وهو التوراة ؛ فعلموه وعرفوا ما فيه لكنهم خالفوا أحكامه وأوامره . وبذلك كانت الأحفاد والذراري بدل سوء عن الأسلاف السابقين في العصيان والاستكبار على شرائع الله . ثم أخبر الله عن هؤلاء الخلف أنهم { يأخذون عرض هذا الأدنى ويقولون سيغفر لنا } أي يقبلون بنهم متجشع ما يعرض لهم من متاع الدنيا لفرط حبهم لها وحرصهم على الاستزادة من أموالها وعروضها سواء في ذلك الحلال أو الحرام . { ويقولون سيغفر لنا } فهم سادرون في إلحاح بالغ للأخذ من متاع الدنيا وزينتها بكل أسلوب من الأساليب سواء في ذلك الربا والرشى والابتزاز . واغتصاب الأموال من الآخرين بغير حق . وغير ذلك من أموال السحت ينتزعونها من الناس انتزاعا . ومع ذلك كله يزعمون أنهم لا جناح عليهم فيما يفعلونه فإنهم مغفور لهم .

قوله : { وإن يأتيهم عرض مثله يأخذه } العرض ، بسكون الراء ، معناه المتاع ، وكل شيء سوى الدراهم والدنانير . يقال : أخذت في هذه السلعة عرضا : أعطيت في مقابلها سلعة أخرى . والعرض بفتحتين : متاع الدنيا قل أو كثر{[1568]} ، وتأويل الآية : أن هؤلاء القوم إذا أمكنهم أن يأخذوا من عرض الدنيا مما فيها من السحت وخبيث المكاسب أخذوه من غير تروع ولا تردد ولا رهبة من الله . فهم لاغترارهم وسفاهتهم يظنون أنهم مغفور لهم مما علموا . ويقول بعض المفسرين إن حال اليهود هذه من حيث تلبسهم بالشهوات وفرط إقبالهم على المال ومتاع الحياة الدنيا تنسحب على بعض المسلمين الذين يتقاحمون بإلحاح غليظ ومسف من أجل اكتساب المال بكل الطرق والأسباب . وأجد أن في هذا التشبيه نظرا . لأن الطامعين الجشعين من المسلمين الذين يغالون في حب المال ، ويبالغون في كسبه وتحصيه بكل الأساليب يعلمون أنهم آثمون ولا يحملون في أذهانهم مسبقا أنهم مغفور لهم مهما فعلوا ، كبني إسرائيل والفرق بين الصنفين عظيم .

قوله : { ألم يؤخذ عليهم ميثاق الكتاب أن لا يقولوا على الله إلا الحق ودرسوا ما فيه } يقول الله موبخا هؤلاء الناهمين البطرين الذي يزعمون أنهم مغفور لهم مهما عملوا من السيئات واكتساب الحرام –يقول لهم : ألم يأخذ الله عليهم العهود بأن يقيموا التوراة وأن يعملوا بما فيها ، وأن لا يقولوا على الله إلا الحق ولا يغيروا ما أنزل على نبيهم موسى في التوراة أو يحرفوا فيها أيما تحريف ؛ فقد ورثوا الكتاب { ودرسوا ما فيه } أي أقروا التوراة وعرفوا ما فيها من الأحكام والتعاليم لكنهم ضيعوا كتاب الله وتركوا العمل بمقتضاه وخالفوا ما أخذ الله عليهم من العهود بالتصديق والاستقامة والتزام ما شرعه الله التزاما صحيحا لا محرفا ولا منقوصا .

قوله : { والدار الآخرة خير للذين يتقوت أفلا تعقلون } ذلك تذكير صادع بما هو خير وأبقى . وتلكم هي الدار الآخرة ؛ لا جرم أن النجاة فيها رأس كل كسب وفلاح . وهي خير مما يجمعه الناس في حياتهم من وجوه الكسب والثراء ، ورفيع المكانة والدرجات . إن ذلك كله حطام داثر ؛ لأنه إلى الفناء والخراب صائر ؛ فهو ليس إلا السراب واليباب الذي يؤول لا محالة إلى الزوال المحقق والغياب الذي لا يرجى من بعده مرد ولا إياب { أفلا تعقلون } الاستفهام للتوبيخ ومفاده : أفلا يعلم هؤلاء الذين يأخذون عرض الدنيا الفنية بغير حق ولا عدل ويزعمون أنهم مغفور لهم –أن ما عند الله في الدار الآخرة خير لهم مما جمعوه من السحت والحرام ؟ !


[1567]:المصباح المنير جـ 1 ص 192 ومختار الصحاح ص 185.
[1568]:المعحم الوسيط جـ 2 ص 594.