الميثاق : العهد الشديد . اليتيم : من لا أب له . المسكين : من سكنت يده عن العمل ، العاجز عن الكسب .
بعد ما بسطت الآيات السابقة ما أنعم الله به على بني إسرائيل ، جاء الكتاب هنا يبين أهم ما أُمر به أسلافهم من عبادات ، وكيف كانوا يُصمّون أسماعهم عن سماع دعوى الحق .
فأول شيء وأهمه دعاؤهم إلى عبادة الله وحده ، ثم الإحسان إلى الوالدين . ويترتب على ذلك ترابط الأسرة وتماسكها . فالأمة مكونة من مجموع الأسر والبيوت ، وصلاح الأمة بصلاح الأسرة . وقد أكد القرآن على ترابط الأسرة ، والحفاظ عليها ، وتقويتها من برِّ الوالدين أولاً ، ثم ذوي القربى ، ثم الإحسان إلى اليتامى بحسن تربيتهم وحفظ حقوقهم من الضياع .
ولقد قال النبي صلى الله عليه وسلم : « أنا وكافلُ اليتيم في الجنة » رواه البخاري وأحمد وأبو داود والترمذي عن سهل بن سعد ، وفي رواية : « أنا وكافل اليتيم في الجنة كهاتين » وأشار بالسّبابة والوسطى . فهل بعد ذلك منزلة أكبر !
ثم قال تعالى : { وَقُولُواْ لِلنَّاسِ حُسْناً } فبعد ما أمر بالإحسان إلى الوالدين والأقربين والمساكين واليتامى ، أمرنا إذا لم نستطع أن نحسن إلى جميع الناس بالفعل ، فلنُحسن العِشرة ، إذ أن الكلمة الطيبة صدقة كما ورد في الحديث الصحيح . {[1]}
ثم بعد ذلك قال : { وَأَقِيمُواْ الصلاة وَآتُواْ الزكاة } وهنا لم يقل «صلّوا » بل قال أقيموا الصلاة ، أي : صلوها على أحسن وجوهها . وهاتان فريضتان من أهم الفرائض التي تنقّي النفوس من الأدران . فإذا صلحت النفوس صلَح المجتمع بأسره .
ثم ماذا حصل بعد أن أخذ الميثاق على أسلاف بني إسرائيل ؟
الذي حصل أنهم تولوا وأعرضوا ونقضوا الميثاق إلا قليلا منهم أذعن للحق .
قرأ نافع وابن عامر وأبو عمرو وعاصم ويعقوب : «لا تعبدون » بالتاء الفوقية ، وقرأ الباقون : «لا يعبدون » بالياء . وقرأ حمزة والكسائي ويعقوب : «حَسَنا » والباقون «حُسنا » ، وقرئ : «حُسُنا » بضمتين . و«حسنى » كبشرى .
{ وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْكُمْ وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ }
وهذه الشرائع من أصول الدين ، التي أمر الله بها في كل شريعة ، لاشتمالها على المصالح العامة ، في كل زمان ومكان ، فلا يدخلها نسخ ، كأصل الدين ، ولهذا أمرنا بها في قوله : { وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا } إلى آخر الآية .
فقوله : { وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ } هذا من قسوتهم أن كل أمر أمروا به ، استعصوا ، فلا يقبلونه إلا بالأيمان الغليظة ، والعهود الموثقة { لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ } هذا أمر بعبادة الله وحده ، ونهى عن الشرك به ، وهذا أصل الدين ، فلا تقبل الأعمال كلها إن لم يكن هذا أساسها ، فهذا حق الله تعالى على عباده ، ثم قال : { وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا } أي : أحسنوا بالوالدين إحسانا ، وهذا يعم كل إحسان قولي وفعلي مما هو إحسان إليهم ، وفيه النهي عن الإساءة إلى الوالدين ، أو عدم الإحسان والإساءة ، لأن الواجب الإحسان ، والأمر بالشيء نهي عن ضده .
وللإحسان ضدان : الإساءة ، وهي أعظم جرما ، وترك الإحسان بدون إساءة ، وهذا محرم ، لكن لا يجب أن يلحق بالأول ، وكذا يقال في صلة الأقارب واليتامى ، والمساكين ، وتفاصيل الإحسان لا تنحصر بالعد ، بل تكون بالحد ، كما تقدم .
ثم أمر بالإحسان إلى الناس عموما فقال : { وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا } ومن القول الحسن أمرهم بالمعروف ، ونهيهم عن المنكر ، وتعليمهم العلم ، وبذل السلام ، والبشاشة وغير ذلك من كل كلام طيب .
ولما كان الإنسان لا يسع الناس بماله ، أمر بأمر يقدر به على الإحسان إلى كل مخلوق ، وهو الإحسان بالقول ، فيكون في ضمن ذلك النهي عن الكلام القبيح للناس حتى للكفار ، ولهذا قال تعالى : { وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ }
ومن أدب الإنسان الذي أدب الله به عباده ، أن يكون الإنسان نزيها في أقواله وأفعاله ، غير فاحش ولا بذيء ، ولا شاتم ، ولا مخاصم ، بل يكون حسن الخلق ، واسع الحلم ، مجاملا لكل أحد ، صبورا على ما يناله من أذى الخلق ، امتثالا لأمر الله ، ورجاء لثوابه .
ثم أمرهم بإقامة الصلاة ، وإيتاء الزكاة ، لما تقدم أن الصلاة متضمنة للإخلاص للمعبود ، والزكاة متضمنة للإحسان إلى العبيد .
{ ثُمَّ } بعد هذا الأمر لكم بهذه الأوامر الحسنة التي إذا نظر إليها البصير العاقل ، عرف أن من إحسان الله على عباده أن أمرهم بها ، ، وتفضل بها عليهم وأخذ المواثيق عليكم { تَوَلَّيْتُمْ } على وجه الإعراض ، لأن المتولي قد يتولى ، وله نية رجوع إلى ما تولى عنه ، وهؤلاء ليس لهم رغبة ولا رجوع في هذه الأوامر ، فنعوذ بالله من الخذلان .
وقوله : { إِلَّا قَلِيلًا مِنْكُمْ } هذا استثناء ، لئلا يوهم أنهم تولوا كلهم ، فأخبر أن قليلا منهم ، عصمهم الله وثبتهم .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.