تيسير التفسير لإبراهيم القطان - إبراهيم القطان [إخفاء]  
{وَإِذۡ أَخَذَ ٱللَّهُ مِيثَٰقَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡكِتَٰبَ لَتُبَيِّنُنَّهُۥ لِلنَّاسِ وَلَا تَكۡتُمُونَهُۥ فَنَبَذُوهُ وَرَآءَ ظُهُورِهِمۡ وَٱشۡتَرَوۡاْ بِهِۦ ثَمَنٗا قَلِيلٗاۖ فَبِئۡسَ مَا يَشۡتَرُونَ} (187)

الميثاق : العهد المؤكد .

فنبذوه : فرموه .

واشتروا به ثمنا قليلا : وأخذوا بدله شيئاً قليلا من مطامع الدنيا .

بعد أن بين الله تعالى شُبهة اليهود ومطامعهم في نبوة سيدنا محمد ، جاء هنا يفضح موقف أهل الكتاب جميعاً في مخالفتهم عهد الله معهم يوم آتاهم الكتاب . وقد تضمّن سياق السورة الكثير من أباطيل أهل الكتاب وأقاويلهم ، وبخاصة اليهود . ومن أبرزِها كتمانهم للحق الذي يعلمونه حق العلم ، بغية إحداث البلبلة والاضطراب في الدين الإسلامي ، وإنكاراً لوحدة المبادئ بينه وبين الأديان التي قبله . هذا مع أن التوراة بين أيديهم ، ومنها يعلمون أن ما جاء به محمد هو الحق من عند الله . إذنْ ، لماذا يكتمون الحق ولا يبالون به ؟ طمعاً في حطام تافه من عرض الدنيا !

هنا يكشف الله ألاعيبهم ، ثم يخاطب رسوله والمؤمنين : اذكروا حين أخذ الله الميثاق على أهل الكتاب بلسان أنبيائهم أن يوضحوا معانيه ولا يحرّفوه عن مواضعه ، أو يخفوا شيئا من آياته عن الناس . . لكنهم ألقوه وراء ظهورهم واستبدلوا به حطام الدنيا ليتمتعوا بلذاتها الفانية ، { فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ } .

وينطبق هذا على المسلمين اليوم ، فهم قد اتبعوا أهواءهم وتركوا كتاب الله وراء ظهورهم . من ثم أصبحوا حيارى ، لا يدرون ماذا يعملون ، فيما تتخطفهم الأمم من كل جانب .

قال الزمخشري رحمه الله : كفى بهذه الآية دليلاً على أنه مأخوذ على العلماء أن يبيّنوا الحق للناس وما علِموه ، وأن لا يكتموا منه شيئا . وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه : ما أخذ الله على أَهل الجهل أن يتعلّموا حتى أخذ على أهل العلم أن يعلِّموا .

وها نحن نرى كلتا الطائفتين مقصرة أشد التقصير . وعذاب الجهّال منصبٌّ على رؤوس العالمِين . وقد ألهى هؤلاء الطمعُ في المال والجاه .

 
تيسير الكريم المنان في تفسير القرآن لابن سعدي - ابن سعدي [إخفاء]  
{وَإِذۡ أَخَذَ ٱللَّهُ مِيثَٰقَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡكِتَٰبَ لَتُبَيِّنُنَّهُۥ لِلنَّاسِ وَلَا تَكۡتُمُونَهُۥ فَنَبَذُوهُ وَرَآءَ ظُهُورِهِمۡ وَٱشۡتَرَوۡاْ بِهِۦ ثَمَنٗا قَلِيلٗاۖ فَبِئۡسَ مَا يَشۡتَرُونَ} (187)

{ وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ * لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا فَلَا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِنَ الْعَذَابِ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ }

الميثاق هو العهد الثقيل المؤكد ، وهذا الميثاق أخذه الله تعالى على كل من أعطاه [ الله ] الكتب وعلمه العلم ، أن يبين للناس ما يحتاجون إليه مما علمه الله ، ولا يكتمهم ذلك ، ويبخل عليهم به ، خصوصا إذا سألوه ، أو وقع ما يوجب ذلك ، فإن كل من عنده علم يجب عليه في تلك الحال أن يبينه ، ويوضح الحق من الباطل .

فأما الموفقون ، فقاموا بهذا أتم القيام ، وعلموا الناس مما علمهم الله ، ابتغاء مرضاة ربهم ، وشفقة على الخلق ، وخوفا من إثم الكتمان .

وأما الذين أوتوا الكتاب ، من اليهود والنصارى ومن شابههم ، فنبذوا هذه العهود والمواثيق وراء ظهورهم ، فلم يعبأوا بها ، فكتموا الحق ، وأظهروا الباطل ، تجرؤا على محارم الله ، وتهاونا بحقوق الله ، وحقوق الخلق ، واشتروا بذلك الكتمان ثمنا قليلا ، وهو ما يحصل لهم إن حصل من بعض الرياسات ، والأموال الحقيرة ، من سفلتهم المتبعين أهواءهم ، المقدمين شهواتهم على الحق ، { فبئس ما يشترون } لأنه أخس العوض ، والذي رغبوا عنه -وهو بيان الحق ، الذي فيه السعادة الأبدية ، والمصالح الدينية والدنيوية- أعظم المطالب وأجلها ، فلم يختاروا الدنيء الخسيس ويتركوا العالي النفيس ، إلا لسوء حظهم وهوانهم ، وكونهم لا يصلحون لغير ما خلقوا له .