فتح البيان في مقاصد القرآن للقنوجي - صديق حسن خان  
{وَإِذۡ أَخَذَ ٱللَّهُ مِيثَٰقَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡكِتَٰبَ لَتُبَيِّنُنَّهُۥ لِلنَّاسِ وَلَا تَكۡتُمُونَهُۥ فَنَبَذُوهُ وَرَآءَ ظُهُورِهِمۡ وَٱشۡتَرَوۡاْ بِهِۦ ثَمَنٗا قَلِيلٗاۖ فَبِئۡسَ مَا يَشۡتَرُونَ} (187)

( وإذ أخذ الله ) كلام مستأنف سيق لبيان بعض أذيتهم وهو كتمانهم شواهد النبوة ( ميثاق الذين أوتوا الكتاب ) هذه الآية توبيخ لأهل الكتاب وهم اليهود والنصارى او اليهود فقط على الخلاف في ذلك ، والظاهر أن المراد بأهل الكتاب كل من أتاه الله علم شئ من الكتاب أي كتاب كان كما يفيده التعريف الجنسي في الكتاب .

قال الحسن وقتادة :إن الآية عامة لكل عالم ، وكذا قال محمد بن كعب ، ويدل على ذلك قول أبي هريرة لولا ما أخذه الله على أهل الكتاب ما حدثتكم بشئ ، ثم تلا هذه الآية .

والضمير في قوله ( لتبيننه ) راجع إلى الكتاب وقيل إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم وإن لم يتقدم له ذكر لأن الله أخذ على اليهود والنصارى ان يبينوا نبوته ، وهذا جواب لما تضمنه الميثاق من القسم كأنه قيل لهم بالله لتبيننه ، وقرئ بالياء جريا على الإسم الظاهر ، وهو كالغائب وبالتاء خطابا على الحكاية تقديره وقلنا لهم .

( للناس ولا تكتمونه ) أي الكتاب بالياء والتاء والواو للحال أو للعطف ، والنهي عن الكتمان بعد الأمر بالبيان إما للمبالغة في إيجاب المأمور به ، وإما لأن المراد بالبيان ذكر الآيات الناطقة بنبوته ، وبالكتمان إلقاء التأويلات الزائغة والشبه الباطلة .

( فنبذوه ) أي الكتاب أو الميثاق ، وقرأ ابن عباس ( وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لتبيننه ) ، ويشكل على هذه القراءة قوله ( فنبذوه ) فلا بد ان يكون فاعله الناس والنبذ الطرح وقد تقدم في البقرة .

وقوله ( وراء ظهورهم ) مبالغة في النبذ والطرح وترك العمل وضياعه ، ومثل في الاستهانة به والأعراض عنه بالكلية ( واشتروا به ) أي بالكتاب الذي أمروا ببيانه ونهوا عن كتمانه ( ثمنا قليلا ) أي حقيرا يسيرا من حطام الدنيا وأعراضها والمآكل ، والرشا التي كانوا يأخذونها من عوامهم وسفلتهم برياستهم في العلم فكتموه خوف فوته عليهم ( فبئس ما يشترون ) أي بئس شيئا ما يشترونه بذلك الثمن .

وعن ابن عباس قال : كان الله أمرهم ان يتبعوا النبي الأمي ، وعنه قال :في التوراة والإنجيل أن الإسلام دين الله الذي افترضه على عباده ، وان محمدا رسول الله يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل فنبذوه .

وعن قتادة في الآية قال : هذا ميثاق أخذه الله على أهل العلم فمن علم علما فليعلمه الناس ، وإياكم وكتمان العلم ، فإن كتمان العلم هلكة ، وعن الحسن قال :لولا الميثاق الذي أخذه الله على أهل العلم ما حدثتكم بكثير مما تسألون عنه .

وظاهر هذه الآية وإن كان مخصوصا بعلماء أهل الكتاب فلا يبعد ان يدخل فيه علماء هذه الأمة الإسلامية لأنهم أهل كتاب هو القرآن ، قال قتادة : طوبى لعالم ناطق ومستمع واع ، هذا علم علما فبذله ، وهذا سمع خيرا فقبله ووعاه .

وعن أبي هريرة قال :قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : من سئل علما يعلمه فكتمه ألجم بلجام من نار يوم القيامة{[394]} ، وفي الباب أخبار وآثار كثيرة .


[394]:قال الحافظ ابن كثير في تفسير الآية: هذا توبيخ من الله تعالى وتهديد لأهل الكتاب، الذين أخذ الله عليهم العهد على ألسنة الأنبياء أن يؤمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم، وان ينوهوا بذكره في الناس ليكونوا على أهبة من امره، فاذا أرسله الله تعالى تابعوه، فكتموا ذلك،وتعوضوا عما وعدوا عليه من الخير في الدنيا = = والآخرة بالدون الطفيف، والحظ الدنيوي السخيف، فبئست الصفقة صفقتهم، وبئست البيعة بيعتهم.وفي هذا تحذير للعلماء ان يسلكوا مسلكهم، فيصيبهم ما أصابهم، ويسلم بهم مسلكهم. فعلى العلماء أن يبذلوا ما بأيديهم من العلم النافع الدال على العمل الصالح، ولا يكتموا منه شيئا، فقد ورد في الحديث المروي من طرق متعددة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:"من سئل عن علم فكتمه ألجم يوم القيامة بلجام من نار".وهذا الحديث الذي استشهد به ابن كثير اخرجه احمد وأبو داود، وابن ماجة، وأبو يعلى، والترمذي، وحسنه، والحاكم وصححه، والبيهقي من حديث أبي هريرة به مرفوعا، وهو عند الحاكم أيضا وغيره عن ابن عمرو، وعند ابن ماجة وأبي سعيد، وعند الطبراني من حديث ابن عباس وابن عمر وابن مسعود، وهو حديث صحيح.