الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{إِنَّمَا مَثَلُ ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا كَمَآءٍ أَنزَلۡنَٰهُ مِنَ ٱلسَّمَآءِ فَٱخۡتَلَطَ بِهِۦ نَبَاتُ ٱلۡأَرۡضِ مِمَّا يَأۡكُلُ ٱلنَّاسُ وَٱلۡأَنۡعَٰمُ حَتَّىٰٓ إِذَآ أَخَذَتِ ٱلۡأَرۡضُ زُخۡرُفَهَا وَٱزَّيَّنَتۡ وَظَنَّ أَهۡلُهَآ أَنَّهُمۡ قَٰدِرُونَ عَلَيۡهَآ أَتَىٰهَآ أَمۡرُنَا لَيۡلًا أَوۡ نَهَارٗا فَجَعَلۡنَٰهَا حَصِيدٗا كَأَن لَّمۡ تَغۡنَ بِٱلۡأَمۡسِۚ كَذَٰلِكَ نُفَصِّلُ ٱلۡأٓيَٰتِ لِقَوۡمٖ يَتَفَكَّرُونَ} (24)

قوله تعالى : " إنما مثل الحياة الدنيا كماء أنزلناه من السماء " معنى الآية التشبيه والتمثيل ، أي صفة الحياة الدنيا في فنائها وزوالها وقلة خطرها والملاذ بها كماء ، أي مثل ماء ، فالكاف في موضع رفع . وسيأتي لهذا التشبيه مزيد بيان في " الكهف{[8460]} " إن شاء الله تعالى . " أنزلناه من السماء " نعت ل " ماء " . " فاختلط " روي عن نافع أنه وقف على " فاختلط " أي فاختلط الماء بالأرض ، " به نبات الأرض " أي بالماء نبات الأرض ، فأخرجت ألوانا من النبات ، فنبات على هذا ابتداء ، وعلى مذهب من لم يقف على " فاختلط " مرفوع باختلط ، أي اختلط النبات بالمطر ، أي شرب منه فتندى وحسن وأخضر . والاختلاط تداخل الشيء بعضه في بعض .

قوله تعالى : " مما يأكل الناس " من الحبوب والثمار والبقول . " والأنعام " من الكلأ والتبن والشعير . " حتى إذا أخذت الأرض زخرفها " أي حسنها وزينتها . والزخرف كمال حسن الشيء ، ومنه قيل للذهب : زخرف . " وازينت " أي بالحبوب والثمار والأزهار ، والأصل تزينت أدغمت التاء في الزاي وجيء بألف الوصل ؛ لأن الحرف المدغم مقام حرفين الأول منهما ساكن والساكن لا يمكن الابتداء به . وقرأ ابن مسعود وأبي بن كعب " وتزينت " على الأصل . وقرأ الحسن والأعرج وأبو العالية " وأَزْيَنَتْ " أي أتت بالزينة عليها ، أي الغلة والزرع ، وجاء بالفعل على أصله ولو أعله لقال وازانت . وقال عوف بن أبي جميلة الأعرابي : قرأ أشياخنا " وازيانت " وزنه اسوادت . وفي رواية المقدمي " وازّاينت " والأصل فيه تزاينت ، وزنه : تقاعست ثم أدغم . وقرأ الشعبي وقتادة " وأزْيَنت " مثل أَفْعلت . وقرأ عثمان النهدي " وازينت " مثل : افعَلَّت ، وعنه أيضا " وازيانت مثل : افعالت ، وروى عنه " ازيأنت " بالهمزة ، ثلاث قراءات .

قوله تعالى : " وظن أهلها " أي أيقن . " أنهم قادرون عليها " أي على حصادها والانتفاع بها ، أخبر عن الأرض والمعنى النبات إذ كان مفهوما وهو منها . وقيل : رد إلى الغلة ، وقيل : إلى الزينة . " أتاها أمرنا " أي عذابنا ، أو أمرنا بهلاكها . " ليلا أو نهارا " ظرفان . " فجعلناها حصيدا " مفعولان ، أي محصودة مقطوعة لا شيء فيها . وقال " حصيدا " ولم يؤنث لأنه فعيل بمعنى مفعول . قال أبو عبيد : الحصيد المستأصل . " كأن لم تغن بالأمس " أي لم تكن عامرة ، من غني إذا أقام فيه وعمره . والمغاني في اللغة : المنازل التي يعمرها الناس . وقال قتادة : كأن لم تنعم . قال لبيد :

وغنيت سبتا قبل مجرى داحس*** لو كان للنفس اللجوج خلود{[8461]}

وقراءة العامة " تغن " بالتاء لتأنيث الأرض . وقرأ قتادة " يغن " بالياء ، يذهب به إلى الزخرف ، يعني فكما يهلك هذا الزرع هكذا كذلك الدنيا . " نفصل الآيات " أي نبينها . " لقوم يتفكرون " في آيات الله .


[8460]:راجع ج 10 ص 412.
[8461]:السبت: البرهة من الدهر. وداحس: اسم الفرس.
 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{إِنَّمَا مَثَلُ ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا كَمَآءٍ أَنزَلۡنَٰهُ مِنَ ٱلسَّمَآءِ فَٱخۡتَلَطَ بِهِۦ نَبَاتُ ٱلۡأَرۡضِ مِمَّا يَأۡكُلُ ٱلنَّاسُ وَٱلۡأَنۡعَٰمُ حَتَّىٰٓ إِذَآ أَخَذَتِ ٱلۡأَرۡضُ زُخۡرُفَهَا وَٱزَّيَّنَتۡ وَظَنَّ أَهۡلُهَآ أَنَّهُمۡ قَٰدِرُونَ عَلَيۡهَآ أَتَىٰهَآ أَمۡرُنَا لَيۡلًا أَوۡ نَهَارٗا فَجَعَلۡنَٰهَا حَصِيدٗا كَأَن لَّمۡ تَغۡنَ بِٱلۡأَمۡسِۚ كَذَٰلِكَ نُفَصِّلُ ٱلۡأٓيَٰتِ لِقَوۡمٖ يَتَفَكَّرُونَ} (24)

قوله تعالى : { إنما مثل الحياة الدنيا كماء أنزلناه من السماء فاختلط به نبات الأرض مما يأكل الناس والأنعام حتى إذا أخذت الأرض زخرفها وازينت وظن أهلها أنهم قادرون عليها أتاها أمرنا ليلا أو نهارا فجعلنها حصيدا كأن لم تغن بالأمس كذلك نفصل الآيات لقوم يتفكرون 24 والله يدعوا إلى دار السلام ويهدي من يشاء إلى صراط مستقيم } أي أن هذه الحياة الدنيا التي تباهون وتفاخرون بها وبزينتها وما فيها من أموال ومتاع ، وما حوته من تنغيص ونصب وكروب ، وما تضمنته من انحتام الزوال والفناء ، إنما مثلها كمثل المطر النازل من السماء إلى الأرض ليختلط بترابها اختلاطا حيث ينبت به الثمار والزرع وما سواه مما يأكل الناس ، أو تأكله الأنعام كالكلأ والمراعي .

وهذه هي الدنيا : زينة وأموال وبهجة ، ومفاخرات بالبنين والمراكز والوجاهات ، فضلا عما يتخللها من ألوان الهموم والكروب والأحزان ، ثم لا تبث بعد أمد قصير خاطف أن تصير إلى النهاية القطيعة . أو الحتمية التي لا مفر منها ولا مندوحة عنها . وتلك هي حتمية الموت والفراق . فراق الأهل والمال والصحب . فراق البيوت والعشيرة والأوطان . فراق الذكريات والأوطان . فراق الذكريات والأحباب والخلان .

قوله : { حتى إذا أخذت الأرض زخرفها وازينت وظن أهلها أنهم قادرون عليها أتاها أمرنا ليلا أو نهارا } الزخرف ، معناه الذهب ، ثم يشبه به كل مموه . والمزخرف ، المزين{[1964]} ؛ أي أخذت الأرض لونها الحسن المزين ؛ إذ ازدانت بمختلف أنواع النبات كالحبوب والثمار والأزهار وغير ذلك من وجوه الغلة والثمار والزرع مما تتزين به الأرض فتزداد نضارة وبهاء ، وأيقن أهلها أنهم قادرون على جنيها وحصادها والانتفاع بها ، عندئذ جاءها أمر الله بهلاكها وإتلافها ، إما ليلا أو نهارا .

قوله : { فجعلنها حصيدا كأن لم تعن بالأمس } الحصيد ، معناه المستأصل{[1965]} . أي جعل الله زرعها مقطوعا مقلوعا من أصوله { كأن لم تغن بالأمس } أي كأن لم تكن هذه الزروع والثمرات نابتة على ظهر الأرض بالأمس . وقوله : { لم تغن } من غني بالمكان ؛ إذا أقام به . والمعاني في اللغة بمعنى المنازل ، أو المواضع التي كان بها أهلوها{[1966]} .

قوله : { كذالك نفصل الآيات لقوم يتفكرون } أي مثل هذا التفضيل عن حقيقة الدنيا وأنها زينة عاجلة وزخرف مموه عابر فما تلبث أن تزول ، نبين لكم الآيات لكي تتدبروا وتعتبروا . أو نبين ونوضح الدلائل والحجج لأولي النهى والأبصار الذين يتفكرون ويتدبرون في خلق الله وفي عجائب قدرته .


[1964]:مختار الصحاح ص 270.
[1965]:المصباح المنير جـ 1 ص 150.
[1966]:مختار الصحاح ص 483.