الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{وَٱلَّذِينَ كَسَبُواْ ٱلسَّيِّـَٔاتِ جَزَآءُ سَيِّئَةِۭ بِمِثۡلِهَا وَتَرۡهَقُهُمۡ ذِلَّةٞۖ مَّا لَهُم مِّنَ ٱللَّهِ مِنۡ عَاصِمٖۖ كَأَنَّمَآ أُغۡشِيَتۡ وُجُوهُهُمۡ قِطَعٗا مِّنَ ٱلَّيۡلِ مُظۡلِمًاۚ أُوْلَـٰٓئِكَ أَصۡحَٰبُ ٱلنَّارِۖ هُمۡ فِيهَا خَٰلِدُونَ} (27)

قوله تعالى : " والذين كسبوا السيئات " أي عملوا المعاصي . وقيل : الشرك . " جزاء سيئة بمثلها " " جزاء " مرفوع بالابتداء ، وخبره " بمثلها " . قال ابن كيسان : الباء زائدة ، والمعنى جزاء سيئة مثلها . وقيل : الباء مع ما بعدها الخبر ، وهي متعلقة بمحذوف قامت مقامه ، والمعنى : جزاء سيئة كائن بمثلها ، كقولك : إنما أنا بك ، أي وإنما أنا كائن بك . ويجوز أن تتعلق بجزاء ، التقدير : جزاء السيئة بمثلها كائن ، فحذف خبر المبتدأ . ويجوز أن يكون " جزاء " مرفوعا على تقدير فلهم جزاء سيئة ، فيكون مثل قوله : " فعدة من أيام أخر{[8472]} " [ البقرة : 184 ] أي فعليه عدة ، وشبهه ، والباء على هذا التقدير تتعلق بمحذوف ، كأنه قال لهم جزاء سيئة ثابت بمثلها ، أو تكون مؤكدة أو زائدة . ومعنى هذه المثلية أن ذلك الجزاء مما يعد مماثلا لذنوبهم ، أي هم غير مظلومين ، وفعل الرب جلت قدرته وتعالى شأنه غير معلل بعلة . " وترهقهم ذلة " أي يغشاهم هوان وخزي . " ما لهم من الله " أي من عذاب الله . " من عاصم " أي مانع يمنعهم منه . " كأنما أغشيت " أي ألبست . " وجوههم قطعا " جمع قطعة ، وعلى هذا يكون " مظلما " حال من " الليل " أي أغشيت وجوههم قطعا من الليل في حال ظلمته . وقرأ الكسائي وابن كثير " قطعا " بإسكان الطاء ، ف " مظلما " على هذا نعت ، ويجوز أن يكون حالا من الليل . والقطع اسم قطع فسقط . وقال ابن السكيت : القطع طائفة من الليل ؛ وسيأتي في " هود{[8473]} " إن شاء الله تعالى .


[8472]:راجع ج 2 ص 272 فما بعد.
[8473]:راجع ج 9 ص 83 فما بعد.
 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{وَٱلَّذِينَ كَسَبُواْ ٱلسَّيِّـَٔاتِ جَزَآءُ سَيِّئَةِۭ بِمِثۡلِهَا وَتَرۡهَقُهُمۡ ذِلَّةٞۖ مَّا لَهُم مِّنَ ٱللَّهِ مِنۡ عَاصِمٖۖ كَأَنَّمَآ أُغۡشِيَتۡ وُجُوهُهُمۡ قِطَعٗا مِّنَ ٱلَّيۡلِ مُظۡلِمًاۚ أُوْلَـٰٓئِكَ أَصۡحَٰبُ ٱلنَّارِۖ هُمۡ فِيهَا خَٰلِدُونَ} (27)

قوله تعالى : { والذين كسبوا السيئات جزاء سيئة بمثلها وترهقهم ذلة ما هم من الله من عاصم كأنما أغشيت وجوههم قطعا من الليل مظلما أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون } بعد أن بين حال المؤمنين المحسنين وما أعده لهم من الحسنى زيادة ؛ فإنه يبين في مقابلة ذلك حال المشركين والعصاة الذين اجترحوا السيئات وعملوا المعاصي والموبقات ووقعوا في الضلال والشرك ؛ فهؤلاء { جزاء سيئة بمثلها } { جزاء } مرفوع بالابتداء . { بمثلها } خبر المبتدأ . والباء زائدة . والتقدير : وجزاء سيئة سيئ مثلها{[1969]} .

والمراد بالمثلية هنا : أن جزاء المشركين والعصاة من العذاب مماثل لما قدموه من الذنوب والمعاصي دون زيادة ؛ فهم بذلك غير مظلومين . وذلك هو العدل المطلق من الله في مجازاته للعصاة بمثل ما يستحقونه من العذاب . وفضله البالغ في مجازاة المؤمنين المحسنين زيادة مما يستحقون .

قوله : { وترهقهم ذلة ما لهم من الله من عاصم } أي تغشى وجوههم علائم الخزي والهوان والافتضاح ؛ إذ ليس لهم حينئذ من حافظ يمنعهم من العذاب ، ولا واق يقيهم مما هو واقع بهم يوم القيامة .

قوله : { كأنما أغشيت وجوههم قطعا من الليل مظلما } { قطعا } ، بفتح الطاء : فهي جمع قطعة ، و { مظلما } منصوب على الحال من الليل ، فيكون التقدير : أغشيت وجوههم قطعا من الليل في حال ظلمته . وهذه قراءة عامة قراء الأمصار . وقرئ { قطعا } بإسكان الطاء فتكون { مظلما } صفة لقوله : { قطعا } {[1970]} وهذا إخبار عما يغشى وجوه الكافرين والقيامة من السواد والقتر والكلوح كأنما ألبست قطعا من سواد الليل المظلم .

قوله : { أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون } هؤلاء الذين سبقت صفتهم من الشرك . وفعل المعاصي هم أهل النار . فهم ماكثون فيها غير مبعدين عنها ولا مبارحين{[1971]} .


[1969]:البيان لابن الأنباري جـ 1 ص 410.
[1970]:البيان لابن الأنباري جـ 1 ص 411.
[1971]:تفسير الطبري جـ 11 ص 76- 78 وتفسير القرطبي جـ 8 ص 332.