" ورسولا " أي ونجعله رسولا . أو يكلمهم رسولا . وقيل : هو معطوف على قوله " وجيها " . وقال الأخفش : وإن شئت جعلت الواو في قوله
" ورسولا " مقحمة والرسول حالا للهاء ، تقديره ويعلمه الكتاب رسولا . وفي حديث أبي ذر الطويل ( وأول أنبياء بني إسرائيل موسى وآخرهم عيسى عليه السلام ) . " أني أخلق لكم " أي أصور وأقدر لكم . " من الطين كهيئة الطير " قرأ الأعرج وأبو جعفر " كهيّة " بالتشديد . الباقون بالهمز . والطير يذكر ويؤنث . " فأنفخ فيه " أي في الواحد منه أو منها أو في الطين فيكون طائرا . وطائر وطير مثل تاجر وتجر . قال وهب : كان يطير ما دام الناس ينظرون إليه فإذا غاب عن أعينهم سقط ميتا ليتميز فعل الخلق من فعل الله تعالى . وقيل : لم يخلق غير الخفاش لأنه أكمل الطير خلقا ليكون أبلغ في القدرة ؛ لأن لها ثديا وأسنانا وأذنا ، وهي تحيض وتطهر وتلد . ويقال : إنما طلبوا خلق خفاش ؛ لأنه أعجب من سائر الخلق ، ومن عجائبه أنه لحم ودم يطير بغير ريش ويلد كما يلد الحيوان ولا يبيض كما يبيض سائر الطيور ، فيكون له الضرع يخرج منه اللبن ، ولا يبصر في ضوء النهار ولا في ظلمة الليل ، وإنما يرى في ساعتين : بعد غروب الشمس ساعة ، وبعد طلوع الفجر ساعة قبل أن يُسفر جدا ، ويضحك كما يضحك الإنسان ، ويحيض كما تحيض المرأة . ويقال : إن سؤالهم كان له على وجه التعنت فقالوا : اخلق لنا خفاشا واجعل فيه روحا إن كنت صادقا في مقالتك ، فأخذ طينا وجعل منه خفاشا ثم نفخ فيه فإذا هو يطير بين السماء والأرض ، وكان تسوية الطين والنفخ من عيسى والخلق من الله ، كما أن النفخ من جبريل والخلق من الله .
قوله تعالى : " وأبرئ الأكمه والأبرص وأحيي الموتى بإذن الله " الأكمه : الذي يولد أعمى ، عن ابن عباس . وكذا قال أبو عبيدة قال : هو الذي يولد أعمى ، وأنشد لرؤبة :
وقال ابن فارس : الكَمَه العمى يولد به الإنسان وقد يعرض . قال سويد :
مجاهد : هو الذي يُبصر بالنهار ولا يبصر بالليل . عكرمة : هو الأعمش ، ولكنه في اللغة العمى ، يقال كَمِه يَكْمه كَمَها وكمَّهتها أنا إذا أعميتها . والبرص معروف وهو بياض يعتري الجلد ، والأبرص القمر ، وسامُّ أبرص معروف ، ويجمع على الأبارص . وخُص هذان بالذكر لأنهما عياءان . وكان الغالب على زمن عيسى عليه السلام الطب فأراهم الله المعجزة من جنس ذلك . " وأحيي الموتى بإذن الله " قيل : أحيا أربعة أنفس : العاذر : وكان صديقا له ، وابن العجوز وابنة العاشر وسام بن نوح ، فالله أعلم . فأما العاذر فإنه كان قد توفي قبل ذلك بأيام فدعا الله فقام بإذن الله وودكه يقطر فعاش وولد له ، وأما ابن العجوز فإنه مر به يُحمل على سريره فدعا الله فقام ولبس ثيابه وحمل السرير على عنقه ورجع إلى أهله . وأما بنت العاشر فكان أتى عليها ليلة فدعا الله فعاشت بعد ذلك وولد لها ، فلما رأوا ذلك قالوا : إنك تحيي من كان موته قريبا فلعلهم لم يموتوا فأصابتهم سكتة فأحيي لنا سام بن نوح . فقال لهم : دلوني على قبره ، فخرج وخرج القوم معه ، حتى انتهى إلى قبره فدعا الله فخرج من قبره وقد شاب رأسه . فقال له عيسى : كيف شاب رأسك ولم يكن في زمانكم شيب ؟ فقال : يا روح الله ، إنك دعوتني فسمعت صوتا يقول : أجب روح الله ، فظننت أن القيامة قد قامت ، فمن هول ذلك شاب رأسي . فسأله عن النزع فقال : يا روح الله إن مرارة النزع لم تذهب عن حنجرتي ، وقد كان من وقت موته أكثر من أربعة آلاف سنة ، فقال للقوم : صدقوه فإنه نبي ، فآمن به بعضهم وكذبه بعضهم وقالوا : هذا سحر . وروي من حديث إسماعيل بن عياش قال : حدثني محمد بن طلحة عن رجل أن عيسى بن مريم كان إذا أراد أن يحيي الموتى صلى ركعتين يقرأ في الأولى : " تبارك الذي بيده الملك " [ الملك : 1 ] . وفي الثانية " تنزيل " [ السجدة : 2 ] فإذا فرغ حمد الله وأثنى عليه ثم دعا بسبعة أسماء : يا قديم يا خفي يا دائم يا فرد يا وتر يا أحد يا صمد . ذكره البيهقي . وقال : ليس إسناده بالقوي{[3113]} .
قوله تعالى : " وأنبئكم بما تأكلون وما تدخرون في بيوتكم إن في ذلك لآية لكم إن كنتم مؤمنين " أي بالذي تأكلونه وما تدخرون . وذلك أنهم لما أحيا لهم الموتى طلبوا منه آية أخرى وقالوا : أخبرنا بما نأكل في بيوتنا وما ندخر للغد ، فأخبرهم فقال : يا فلان أنت أكلت كذا وكذا ، وأنت أكلت كذا وكذا وادخرت كذا وكذا ؛ فذلك قوله " وأنبئكم " الآية . وقرأ مجاهد والزهري والسختياني " وما تذخرون " بالذال المعجمة مخففا . وقال سعيد بن جبير وغيره : كان يخبر الصبيان في الكتاب بما يدخرون حتى منعهم آباؤهم من الجلوس معه . قتادة : أخبرهم بما أكلوه من المائدة وما ادخروه منها خفية .
قوله : ( ورسولا إلى بني إسرائيل ) أي ونجعله رسولا لبني إِسرائيل . وقيل : تقدير الكلام : ويكلم الناس رسولا . أي حال كونه رسولا . وقيل غير ذلك .
والمقصود في الآية أن المسيح عيسى ابن مريم أرسل إلى بني إسرائيل جميعهم وليس إلى فريق منهم دون غيرهم . أجل . بعث الله نبيه المسيح إلى هذا الصنف من البشر كيما تستقيم طبائعهم ونفوسهم فيسيروا في حياتهم على جادة الحق من غير عوج ولا استكبار ولا تمرد . أرسله الله ليقوم في بني إسرائيل اعوجاجهم ، وليحملهم على المضي في طاعة الله وفي طريق اللاحب المستقيم ، فلا يميلوا مع الهوى ، ولا يأخذهم شطط النفس فيوغلوا في الرجس والدنس ويفسدوا في الأرض إفسادا .
قوله : ( أنّي قد جئتكم بآية من ربكم أني أخلق لكم من الطين كهيئة الطير فأنفخ فيه فيكون طيرا بإذن الله ) هذه واحدة من المعجزات الحسية الظاهرة احتج بها المسيح عيسى لتكون للناس آية على صدق نبوته ورسالته للناس .
أولها : أنه يخلق من الطين طيرا ، والخلق في حق العبد معناه التصوير والتقدير وهو هنا معقول ، لكنه في حق الله يعني التكوين والإبداع ، والمقصود هنا أنه يصنع من الطين على شكل طير ثم ينفخ فيه فيطير عيانا بإذن الله .
الثانية : إبراء الأكمه . وهو الذي يولد أعمى{[472]} .
الثالثة : إبراء الأبرص ، وهو من البرص وهو واحد من أمراض الجلد .
الرابعة : إحياء الموتى . وذلك بدعاء الله يدعوه عيسى لهم فيستجيب الله له فيحييهم .
الخامسة : إخبارهم بما أكل أحدهم الآن ، وما هو مدخر لنفسه في بيته لغد . وذلك مقتضى قوله تعالى : ( وأنبئكم بما تأكلون وما تدخرون في بيوتكم ) {[473]} هذه خمس آيات معجزات احتج بها نبي الله عيسى ليحمل الناس على تصديقه واتباعه ، لا جرم أنه دلائل حسية ومشهودة كان الناس يبصرونها ويشهدونها عيانا من غير شك في ذلك البتة ، ولذلك قال سبحانه وتعالى : ( إن في ذلك لآية لكم إن كنتم مؤمنين ) .
وفي هذا الصدد من الكلام نقل ابن كثير رحمه الله عن كثير من العلماء قولهم : بعث الله كل نبي من الأنبياء بما يناسب أهل زمانه ، فكان الغالب على زمان موسى عليه السلام السحر وتعظيم السحرة فبعثه الله بمعجزات بهرت الأبصار وحيرت كل سحار ، فلما استيقنوا أنها من عند العظيم الجبار انقادوا للإسلام وصاروا من عباد الله الأبرار ، وأما عيسى عليه السلام فبعث في زمن الأطباء وأصحاب علم الطبيعة فجاءهم من الآيات بما لا سبيل لأحد إليه إلا أن يكون مؤيدا من الذي شرع الشريعة ، فمن أين للطبيب قدرة على إحياء الجماد ، أو على مداومة الأكمه والأبرص ، وبعث من هو في قبره رهين إلى يوم التناد . وكذلك محمد صلى الله عليه و سلم بعث في زمان الفصحاء والبلغاء وتجاريد الشعراء فأتاهم بكتاب من الله عز وجل ، فلو اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثله أو بعشر سور من مثله أو بسورة من مثله لم يستطيعوا أبدا لو كان بعضهم لبعض ظهيرا . وما ذاك إلا أن كلام الرب عز وجل لا يشبه كلام الخلق أبدا{[474]} .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.