قوله تعالى : " أفغير دين الله يبغون " قال الكلبي : إن كعب بن الأشرف وأصحابه اختصموا مع النصارى إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا : أينا أحق بدين إبراهيم ؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ( كلا الفريقين بريء من دينه ) . فقالوا : ما نرضى بقضائك ولا نأخذ بدينك ، فنزل " أفغير دين الله يبغون " يعني يطلبون . ونصبت " غير " بيبغون ، أي يبغون غير دين الله . وقرأ أبو عمرو وحده " يبغون " بالياء على الخبر " وإليه ترجعون " بالتاء على المخاطبة . قال : لأن الأول خاص والثاني عام ففرق بينهما لافتراقهما في المعنى . وقرأ حفص وغيره " يبغون ، ويرجعون " بالياء فيهما ؛ لقوله : " فأولئك هم الفاسقون " . وقرأ الباقون بالتاء فيهما على الخطاب ، لقوله " لما آتيتكم من كتاب وحكمة " . والله أعلم .
قوله تعالى : " وله أسلم " أي استسلم وانقاد وخضع وذل ، وكل مخلوق فهو منقاد مستسلم ؛ لأنه مجبول عل ما لا يقدر أن يخرج عنه . قال قتادة : أسلم المؤمن طوعا والكافر عند موته كرها ولا ينفعه ذلك ؛ لقوله : " فلم يك ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا " {[3192]} [ المؤمن : 85 ] . قال مجاهد : إسلام الكافر كرها بسجوده لغير الله وسجود ظله لله ، " أو لم يروا إلى ما خلق الله من شيء يتفيأ ظلاله عن اليمين والشمائل سجدا لله وهم داخرون " {[3193]} [ النحل : 48 ] " ولله يسجد من في السموات والأرض طوعا وكرها وظلالهم بالغدو والآصال " {[3194]} [ الرعد : 15 ] . وقيل : المعنى أن الله خلق الخلق على ما أراد منهم ، فمنهم الحسن والقبيح والطويل والقصير والصحيح والمريض وكلهم منقادون اضطرارا ، فالصحيح منقاد طائع محب لذلك ، والمريض منقاد خاضع وإن كان كارها . والطوع : الانقياد والارتباع [ الاتباع ] بسهولة . والكره : ما كان بمشقة وإباء من النفس . و " طوعا وكرها " مصدران في موضع الحال ، أي طائعين ومكرهين . وروى أنس بن مالك قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله عز وجل : " وله أسلم من في السماوات والأرض طوعا وكرها " قال : ( الملائكة أطاعوه في السماء والأنصار وعبد القيس في الأرض ) . وقال عليه السلام : ( لا تسبوا أصحابي فإن أصحابي أسلموا من خوف الله وأسلم الناس من خوف السيف ) . وقال عكرمة : " طوعا " من أسلم من غير محاجة " وكرها " من اضطرته الحجة إلى التوحيد . يدل عليه قوله عز وجل : " ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله " {[3195]}
[ الزخرف : 87 ] " ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض وسخر الشمس والقمر ليقولن الله " {[3196]} [ العنكبوت : 63 ] . قال الحسن : هو عموم معناه الخصوص . وعنه : " أسلم من في السماوات " وتم الكلام . ثم قال : " والأرض طوعا وكرها " . قال : والكاره المنافق لا ينفعه عمله . و " طوعا وكرها " مصدران في موضع الحال . عن مجاهد عن ابن عباس قال : إذا استصعبت دابة أحدكم أو كانت شموسا{[3197]} فليقرأ في أذنها هذه الآية : " أفغير دين الله يبغون وله أسلم من في السموات والأرض طوعا وكرها " إلى آخر الآية .
قوله تعالى : ( أفغير دين الله يبغون وله أسلم من في السماوات والأرض طوعا وكرها وإليه يرجعون قل آمنا بالله وما أنزل علينا وما أنزل على إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وما أوتي موسى وعيسى والنبيون من ربهم لا نفرق بين أحد منهم ونحن له مسلمون ) .
جاء في سبب نزول هذه الآية أن أهل الكتاب من اليهود والنصارى اختصموا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما اختلفوا بينهم فيه من دين إبراهيم ، كل فرقة تزعم أنها أحق بدينه . فقال لهم النبي صلى الله عليه وسلم : " كلا الفريقين بريء من دين إبراهيم " فغضبوا وقالوا : والله ما نرضى بقضائك ولا نأخذ بدينك ، فأنزل الله هذه الآية{[508]} .
قوله : ( أفغير دين الله يبغون ) الهمزة للاستفهام الإنكاري ، غير مفعول به مقدم للفعل بعده ( يبغون ) وتقدير المعنى في هذه الآية إظهار النكر من الله لهؤلاء العتاة المعاندين الذين لا يروق لهم أن يستمعوا لكلمة الحق فيلجوا في دين الله السوي المستقيم ، لا جرم أن ذلك غاية في الفسق والكفران بما يشير إلى فساد هذه الخليقة الجانفة المريضة .
قال الرازي في هذا المعنى : الوجه في الآية أن هذا الميثاق لما كان مذكورا في كتبهم وهم كانوا عارفين بذلك ، فقد كانوا عالمين بصدق محمد صلى الله عليه و سلم في النبوة ، فلم يبق لكفرهم سبب إلا مجرد العداوة والحسد فصاروا كإبليس الذي دعاه الحسد إلى الكفر ، فأعلمهم الله تعالى أنهم متى كانوا طالبين دينا غير دين الله ، ومعبودا سوى الله سبحانه ، ثم بين أن التمرد على الله تعالى والإعراض عن حكمه مما لا يليق بالعقلاء فقال : ( وله أسلم من في السماوات والأرض طوعا وكرها وإليه يرجعون ) . ( أسلم ) من الإسلام وهو يعني الاستسلام والانقياد والخضوع .
و ( أسلم ) أي استسلم وانقاد وخضع وذل .
وتقدير المراد في الآية هو : أفغير طاعة الله تلتمسون وتريدون وله أسلم من في السماوات والأرض ، أي وله خشع من في السماوات والأرض فخضع له بالعبودية وأقر بإفراد الربوبية وانقاد له بإخلاص التوحيد والألوهية طوعا وكرها .
أما تأويل الاستسلام والخضوع من أهل السماوات والأرض طوعا أو كرها فثمة تفصيل في تأويل . على أن الذي أسلم طائعا من كان إسلامه لله عن رضى وطواعية . وذلك كالملائكة والنبيين والمرسلين ، فإنهم أسلموا لله طائعين مخبتين{[509]} .
أما من أسلم لله كرها فتأويل المراد منه يحتمل عدة وجوه :
منها : من يقر بأن الله خالقه وربه وإن أشرك معه في العباد غيره .
ومنها : من أقر بإسلامه لله حين أخذ الميثاق منه .
ومنها : أن أهل الإيمان أسلموا طوعا وأن الكافر أسلم في حال المعاينة حين لا ينفعه إسلام كرها . وقيل غير ذلك{[510]} .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.