الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{وَمَن يَبۡتَغِ غَيۡرَ ٱلۡإِسۡلَٰمِ دِينٗا فَلَن يُقۡبَلَ مِنۡهُ وَهُوَ فِي ٱلۡأٓخِرَةِ مِنَ ٱلۡخَٰسِرِينَ} (85)

قوله : " غير " مفعول بيبتغ ، " دينا " منصوب على التفسير ، ويجوز أن ينتصب دينا بيبتغ ، وينتصب " غير " على أنه حال من الدين . قال مجاهد والسدي : نزلت هذه الآية في الحارث بن سويد أخو الحلاس بن سويد ، وكان من الأنصار ، ارتد عن الإسلام هو واثنا عشر معه ولحقوا بمكة كفارا ، فنزلت هذه الآية ، ثم أرسل إلى أخيه يطلب التوبة . وروي ذلك عن ابن عباس وغيره . قال ابن عباس : وأسلم بعد نزول الآيات . " وهو في الآخرة من الخاسرين " قال هشام : أي وهو خاسر في الآخرة من الخاسرين ، ولولا هذا لفرقت بين الصلة والموصول . وقال المازني : الألف واللام مثلها في الرجل . وقد تقدم هذا في البقرة{[3198]} عند قوله : " وإنه في الآخرة لمن الصالحين " [ البقرة : 130 ] .


[3198]:- راجع جـ2 ص 133.
 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{وَمَن يَبۡتَغِ غَيۡرَ ٱلۡإِسۡلَٰمِ دِينٗا فَلَن يُقۡبَلَ مِنۡهُ وَهُوَ فِي ٱلۡأٓخِرَةِ مِنَ ٱلۡخَٰسِرِينَ} (85)

قوله تعالى : ( ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين ) يستدل من هذه الآية أن الدين ليس إلا الإسلام ، وأن كل دين سوى الإسلام فإنه غير مقبول عند الله . ووجه ذلك أن الإسلام مصدر الصلاح والصواب كله ، بل إنه أصل الكمال والاستقامة والتوازن جميعا . والإسلام في الحقيقة صورة مشرقة عن الجلال المنبعث من عند الله بما تستقيم عليه حال البشرية لكي تفوز في الدنيا والآخرة .

وإذا جيء بالأديان والنبيين السابقين على أحقاب متعاقبة من مراحل الزمن ، فقد ظلت البشرية تتناوبها الملل والشرائع المحدودة بما ينسجم كل واحد منها مع طور دون غيره من الأطوار ، فما يصلح لأمة أو مجتمع لا يصلح لغيره من الأمم والمجتمعات . وذلك هو مقتضى قوله تعالى : ( لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا ) فهي شرائع شتى تتناسب كل شريعة منها مع طبيعة الحال للأمة في فترة من الفترات .

ولقد ظل الحال كذلك حتى جيء بالإسلام ، هذا الدين المنسجم المتكامل الذي تصلح عليه حياة الإنسان في كل الأحوال والأطوار والظروف ، وذلك لما يتجلى في شريعة الإسلام من الخصائص والمزايا ، ولما تنبني عليه من المقومات والحقائق بما يجعلها المنهج الكامل المتسق الوحيد الذي يصلح لكل مكان وزمان .

وعلى هذا ليس لأحد البتة أن يبتغي غير ملة الإسلام ملة من الملل ، وأيما ابتغاء كهذا فهو الجحود والكفران ، بل إنه الضلال والعتو والتمرد على منهج الله ، التمرد الذي يكشف عن اعوجاج في التصور الزائغ ، أو جهل مطبق يغشى العقل فيحول بينه وبين التمييز والتمحيص . فلا يبتغي أحد دينا غير دين الإسلام إلا كان مسعاه غير مقبول ، ولسوف يبوء في الآخرة بالمهانة والارتكاس . وفي الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه

وسلم قال : " من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد " {[511]} .


[511]:- تفسير ابن كثير جـ 1 ص 379.