الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَمَاتُواْ وَهُمۡ كُفَّارٞ فَلَن يُقۡبَلَ مِنۡ أَحَدِهِم مِّلۡءُ ٱلۡأَرۡضِ ذَهَبٗا وَلَوِ ٱفۡتَدَىٰ بِهِۦٓۗ أُوْلَـٰٓئِكَ لَهُمۡ عَذَابٌ أَلِيمٞ وَمَا لَهُم مِّن نَّـٰصِرِينَ} (91)

الملء ( بالكسر ) مقدار ما يملأ الشيء ، والملء ( بالفتح ) مصدر ملأت الشيء ؛ ويقال : أعطني مِلأَه ومِلأيه وثلاثة أملائه . والواو في " لو افتدى به " قيل : هي مقحمة زائدة ، المعنى : فلن يقبل من أحدهم ملء الأرض ذهبا لو افتدى به . وقال أهل النظر من النحويين : لا يجوز أن تكون الواو مقحمة ؛ لأنها تدل على معنى . ومعنى الآية : فلن يقبل من أحدهم ملء الأرض ذهبا تبرعا ولو افتدى به . و " ذهبا " نصب على التفسير في قول الفراء . قال المفضل : شرط التفسير أن يكون الكلام تاما وهو مبهم ، كقولك عندي عشرون ، فالعدد معلوم والمعدود مبهم ، فإذا قلت درهما فسرت . وإنما نصب التمييز لأنه ليس له ما يخفضه ولا ما يرفعه ، وكان النصب أخف الحركات فجعل لكل ما لا عامل فيه . وقال الكسائي : نصب على إضمار من ، أي من ذهب ، كقوله : " أو عدل ذلك صياما " {[3204]} [ المائدة : 95 ] أي من صيام . وفي البخاري ومسلم عن قتادة عن أنس بن مالك أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( يجاء بالكافر يوم القيامة فيقال له : أرأيت لو كان لك ملء الأرض ذهبا أكنت تفتدي به ؟ فيقول : نعم . فيقال له : قد كنت سئلت ما هو أيسر من ذلك ) . لفظ البخاري . وقال مسلم بدل ( قد كنت ، كذبت ، قد سئلت ) .


[3204]:- راجع جـ6 ص 316.
 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَمَاتُواْ وَهُمۡ كُفَّارٞ فَلَن يُقۡبَلَ مِنۡ أَحَدِهِم مِّلۡءُ ٱلۡأَرۡضِ ذَهَبٗا وَلَوِ ٱفۡتَدَىٰ بِهِۦٓۗ أُوْلَـٰٓئِكَ لَهُمۡ عَذَابٌ أَلِيمٞ وَمَا لَهُم مِّن نَّـٰصِرِينَ} (91)

قوله تعالى : ( إن الذين كفروا وماتوا وهم كفار فلن يقبل من أحدهم ملء الأرض ذهبا ولو افتدى به أولئك لهم عذاب أليم وما لهم من ناصرين ) المراد بذلك أن هؤلاء الذين جحدوا نبوة محمد صلى الله عليه وسلم ولم يصدقوا بما جاء به من عند الله ، سواء كانوا من اليهود أو النصارى أو غيرهم من ذوي الملل الكافرة ثم ماتوا عل حالهم من الكفر والجحود ، فلن يقبل منهم يوم القيامة جزاء ولا فدية ترد عنهم العذاب ، ولو كان ذلك ملء الأرض ذهبا ، والفدية معناها العوض والجزاء من المفتدى منه ، وملء ، ملا يملأ الشيء ، أو ما يأخذه الإناء إذا امتلأ{[517]} وقوله : ( ذهبا ) منصوب على التمييز .

أما الواو في قوله : ( ولو افتدى به ) فثمة تفصيل في معناها . فقد قيل : الواو زائدة فيكون المعنى للآية : فلن يقبل من أحدهم ملء الأرض ذهبا لو افتدى به .

وقيل : إنها للعطف ، والتقدير : لو تقرب إلى الله بملء الأرض ذهبا لم ينفعه ذلك مع كفره ، ولو افتدى من العذاب بملء الأرض ذهبا لم يقبل منه . وقيل غير ذلك{[518]} .

قوله : ( أولئك لهم عذاب أليم وما لهم من ناصرين ) بعد أن بين الله حال هؤلاء المرتدين الجاحدين من الإياس المطبق وأنهم لا يرجى لهم غفران أو توبة ولو افتدوا أنفسهم من العذاب بما يملأ الدنيا ؛ فإنه جل ثناؤه يؤكد أنه لا خلاص لهؤلاء من عذابه ، وليس لهم من أحد يعينهم أو ينقذهم من الويل الذي حاق بهم أو يدرأ عنهم العذاب الذي يحيط بهم .


[517]:- مختار الصحاح ص 631.
[518]:- تفسير الرازي جـ 8 ص 145 وتفسير القرطبي جـ4 ص 130 وتفسير الطبري جـ 3 ص 245 وتفسير ابن كثير جـ 1 ص 380.