الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{وَمَا كَانَ صَلَاتُهُمۡ عِندَ ٱلۡبَيۡتِ إِلَّا مُكَآءٗ وَتَصۡدِيَةٗۚ فَذُوقُواْ ٱلۡعَذَابَ بِمَا كُنتُمۡ تَكۡفُرُونَ} (35)

قال ابن عباس : كانت قريش تطوف بالبيت عراة ، يصفقون ويصفرون ، فكان ذلك عبادة في ظنهم والمكاء : الصفير . والتصدية : التصفيق ، قاله مجاهد والسدي وابن عمر رضي الله عنهم . ومنه قول عنترة :

وحليلِ غانيةٍ تركتُ مُجَدَّلاً *** تمْكُو فَريصتُه كشِدقْ الأَعْلَمِ{[7675]}

أي تصوت . ومنه مكت إست الدابة إذا نفخت بالريح . قال السدي : المكاء الصفير ، على لحن{[7676]} طائر أبيض بالحجاز يقال له المكاء . قال الشاعر :

إذا غرَّدَ المُكَّاءُ في غير روضة *** فويل لأهل الشَّاءِ والحُمُراتِ

قتادة : المكاء ضرب بالأيدي ، والتصدية صياح . وعلى التفسيرين ففيه رد على الجهال من الصوفية الذين يرقصون ويصفقون ويصعقون{[7677]} . وذلك كله منكر يتنزه عن مثله العقلاء ، ويتشبه فاعله بالمشركين فيما كانوا يفعلونه عند البيت . وروى ابن جريج وابن أبي نجيح عن مجاهد أنه قال : المكاء إدخالهم أصابعهم في أفواههم . والتصدية : الصفير ، يريدون أن يشغلوا بذلك محمدا صلى الله عليه وسلم عن الصلاة . قال النحاس : المعروف في اللغة ما روي عن ابن عمر . حكى أبو عبيد وغيره أنه يقال : مكا يمكو ومكاء إذا صفر . وصدى يصدي تصدية إذا صفق ، ومنه قول عمرو بن الإطنابة{[7678]} :

وظلوا جميعا لهم ضجَّة *** مُكَاءُ لدى البيت بالتَّصْدِيَةْ

أي بالتصفيق . سعيد بن جبير وابن زيد : معنى التصدية صدهم عن البيت ، فالأصل على هذا تصدده ، فأبدل من أحد الدالين ياء .


[7675]:الحليل: الزوج ويروي: وخليل بالخاء المعجمة. الفريصة: الموضع الذي يرعد من الدابة والإنسان إذا خاف. والأعلم: المشقوق الشفة العليا.
[7676]:من ج و ه و ك و ز و ى: وفي ب: نحو
[7677]:رمن ب و ج و ه و ز و ك و ى.
[7678]:في القاموس وشرحه: "والإطنابة امرأة من بني كنانة بن القيس بن جسر بن قضاعة، وعمرو ابنها شاعر مشهور، واسم أبيه زيد مناة.
 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{وَمَا كَانَ صَلَاتُهُمۡ عِندَ ٱلۡبَيۡتِ إِلَّا مُكَآءٗ وَتَصۡدِيَةٗۚ فَذُوقُواْ ٱلۡعَذَابَ بِمَا كُنتُمۡ تَكۡفُرُونَ} (35)

قوله : { وما كان صلاتهم عند البيت إلا مكاء وتصدية } المكاء : الصفير . مكا يمكو مكوا ومكاء ؛ أي صفر بفيه{[1659]} . أما التصدية : فهي التصفيق . يقال : صدى يصدي تصدية ؛ إذا صفق بيديه{[1660]} . فقد كان المشركون يطوفون بالبيت عراة يصفرون ويصفقون ، وهم يظنون سفها أن ذلك عبادة . وقيل : كانوا يصنعون ذلك ليخلطوا به على الرسول صلاته . أو على سبيل الاستهزاء بالمؤمنين{[1661]} . وفي ذلك رد على الصوفيين الذين يرقصون ويصفقون وهم يتغشاهم الغثيان وفقدان الوعي لفرط ما يمسهم من هوس . لا جرم أن ذلك منكر وجهالة تبرأ منهما ملة الإسلام . هذا الدين البين الحنيف الذي بني على التوحيد والعلم وفطانة العقل ونباهته والذي يحول بين أهله وبين الخدر والغثيان وهوسات العقل .

قوله : { فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون } أي ذوقوا إيلامه بالحس بسبب جحودكم وعصيانكم . والمراد بالعذاب هنا : ما توعدهم به من القتل والأسر والإذلال في بدر{[1662]} .


[1659]:القاموس المحيط جـ 4 ص 394 وتفسير الرازي جـ 15 ص 164.
[1660]:مختار الصحاح ص 360 وتفسير الرازي جـ 15 ص 64.
[1661]:تفسير ابن كثير جـ 2 ص 307.
[1662]:تفسير الطبري جـ 9 ص 158، 159 والكشاف جـ 2 ص 156.