" وما ظلمناهم " أصل الظلم في اللغة وضع الشيء في غير موضعه ، وقد تقدم في " البقرة " {[8849]} مستوفى . " ولكن ظلموا أنفسهم " بالكفر والمعاصي . وحكى سيبويه أنه يقال : ظلم إياه " فما أغنت " أي دفعت . " عنهم آلهتهم التي يدعون من دون الله من شيء " في الكلام حذف ، أي التي كانوا يعبدون ، أي يدعون . " وما زادوهم غير تتبيب " أي غير تخسير ، قاله مجاهد وقتادة . وقال لبيد :
فلقد بَلِيتُ وكل صاحب جِدةٍ*** لِبِلىً يَعُودُ وذاكُمُ التَّتْبِيبُ
والتَّبَابُ الهلاك والخسران ، وفيه إضمار ، أي ما زادتهم عبادة الأصنام ، فحذف المضاف ، أي كانت عبادتهم إياها قد خسرتهم ثواب الآخرة .
ولما كان فيما تقدم في هذه السورة من القصص أشد تهديد وأعظم وعيد لمن له تبصرة ، صرح لغليظي الأكباد بأن الموجب للايقاع بهم إنما هو الظلم ، فقال تعالى عاطفاً على نحو أن يقال : فعلنا بهم وأنبأناك{[40085]} به : { وما ظلمناهم } في شي منه { ولكن ظلموا أنفسهم } واعتمدوا على أندادهم{[40086]} معرضين عن جنابنا آمنين من عذابنا فأخذناهم { فما } أي فتسبب عن اعتمادهم على غيرنا أنه ما { أغنت عنهم } أي بوجه من الوجوه { آلهتهم التي } وصور حالهم الماضية{[40087]} فقال : { يدعون } أي دعوها واستمروا على دعائهم لها إلى حين الأخذ ، وبين خسة رتبتها فقال{[40088]} : { من دون الله } أي الذي له جميع صفات الكمال ؛ وذكر مفعول " اغنت " مغرقاً في النفي فقال : { من شيء } أي وإن قل { لما جاء أمر } أي عذاب { ربك } أي المحسن إليك بتأخير العذاب المستأصل عن أمتك وجعلك نبي الرحمة { وما زادوهم } في أحوالهم التي كانت لهم قبل عبادتهم إياها { غير تتبيب* } أي إهلاك وتخسير ، فإنهم كانوا في عداد {[40089]}من يرجى{[40090]} فلاحه ، فلما تورطوا في عبادتها ونشبوا في غوايتها وبعدوا عن الاستقامة{[40091]} بضلالتها خسروا أنفسهم التي هي رأس المال فكيف لهم بعد ذلك بالأرباح ؛ والقص : إتباع الأثر ، فهو هنا الإخبار بالأمور التي يتلو بعضها بعضاً ؛ والدعاء : طلب الطالب الفعل من غيره ، ونداء الشيء باسمه{[40092]} بحرف النداء ، {[40093]}وكلا الأمرين مرادان{[40094]} ؛ و { من دون {[40095]}الله } : من{[40096]} منزلة أدنى من منزلة عبادة{[40097]} الله لأنه من الأدون ، وهو الأقرب إلى جهة السفل ؛ {[40098]}والتب : الهلك والخسر{[40099]} .
قوله : { وما ظلمناهم ولكن ظلموا أنفسهم } الظلم معناه وضع الشيء في غير موضعه . ويقال : من أشبه أباه فما ظلم . وفي المثل : من استرعى الذئب فقد ظلم{[2173]} . والمعنى : أن الله لم يعاقب هؤلاء الجاحدين من أهل القرى الذين قص علينا من أنبائهم بغير حق يكون عقابهم قد وضع في غير موضعه الصحيح . بل كان ذلك جزاء لهم على ظلمهم أنفسهم ؛ غذ جحدوا واستكبروا وأسرفوا في فعل المعاصي والمنكرات .
قوله : { فما أغنت عنهم آلهتهم التي يدعون من دون الله من شيء لما جاء أمر ربك } أي ما دفعت عنهم آلهتهم المزعومة التي كانوا يعبدونها من دون الله ويتخذونها لأنفسهم أربابا –ما دفعت عنهم شيئا من عذاب الله لما حل بهم . قوله : { وما زادوهم غير تتبيب } التتيب ، معناه التخسير ، من التباب وهو الخسران والهلاك . تبت يده تتب ، خسرت ، كناية عن الهلاك . وتبا له ؛ أي هلاكا . أو ألزمه الله هلاكا وخسرانا{[2174]} . والمعنى : لم تزدهم آلهتهم المفتراة التي عبدوها . وأربابهم المصطنعة التي دانوا لها بالخضوع والعبادة ، إلا الخسران والهلاك .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.