الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{وَمَا ظَلَمۡنَٰهُمۡ وَلَٰكِن ظَلَمُوٓاْ أَنفُسَهُمۡۖ فَمَآ أَغۡنَتۡ عَنۡهُمۡ ءَالِهَتُهُمُ ٱلَّتِي يَدۡعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ مِن شَيۡءٖ لَّمَّا جَآءَ أَمۡرُ رَبِّكَۖ وَمَا زَادُوهُمۡ غَيۡرَ تَتۡبِيبٖ} (101)

" وما ظلمناهم " أصل الظلم في اللغة وضع الشيء في غير موضعه ، وقد تقدم في " البقرة " {[8849]} مستوفى . " ولكن ظلموا أنفسهم " بالكفر والمعاصي . وحكى سيبويه أنه يقال : ظلم إياه " فما أغنت " أي دفعت . " عنهم آلهتهم التي يدعون من دون الله من شيء " في الكلام حذف ، أي التي كانوا يعبدون ، أي يدعون . " وما زادوهم غير تتبيب " أي غير تخسير ، قاله مجاهد وقتادة . وقال لبيد :

فلقد بَلِيتُ وكل صاحب جِدةٍ*** لِبِلىً يَعُودُ وذاكُمُ التَّتْبِيبُ

والتَّبَابُ الهلاك والخسران ، وفيه إضمار ، أي ما زادتهم عبادة الأصنام ، فحذف المضاف ، أي كانت عبادتهم إياها قد خسرتهم ثواب الآخرة .


[8849]:راجع ج 1 ص 309 وما بعدها.
 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{وَمَا ظَلَمۡنَٰهُمۡ وَلَٰكِن ظَلَمُوٓاْ أَنفُسَهُمۡۖ فَمَآ أَغۡنَتۡ عَنۡهُمۡ ءَالِهَتُهُمُ ٱلَّتِي يَدۡعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ مِن شَيۡءٖ لَّمَّا جَآءَ أَمۡرُ رَبِّكَۖ وَمَا زَادُوهُمۡ غَيۡرَ تَتۡبِيبٖ} (101)

ولما كان فيما تقدم في هذه السورة من القصص أشد تهديد وأعظم وعيد لمن له تبصرة ، صرح لغليظي الأكباد بأن الموجب للايقاع بهم إنما هو الظلم ، فقال تعالى عاطفاً على نحو أن يقال : فعلنا بهم وأنبأناك{[40085]} به : { وما ظلمناهم } في شي منه { ولكن ظلموا أنفسهم } واعتمدوا على أندادهم{[40086]} معرضين عن جنابنا آمنين من عذابنا فأخذناهم { فما } أي فتسبب عن اعتمادهم على غيرنا أنه ما { أغنت عنهم } أي بوجه من الوجوه { آلهتهم التي } وصور حالهم الماضية{[40087]} فقال : { يدعون } أي دعوها واستمروا على دعائهم لها إلى حين الأخذ ، وبين خسة رتبتها فقال{[40088]} : { من دون الله } أي الذي له جميع صفات الكمال ؛ وذكر مفعول " اغنت " مغرقاً في النفي فقال : { من شيء } أي وإن قل { لما جاء أمر } أي عذاب { ربك } أي المحسن إليك بتأخير العذاب المستأصل عن أمتك وجعلك نبي الرحمة { وما زادوهم } في أحوالهم التي كانت لهم قبل عبادتهم إياها { غير تتبيب* } أي إهلاك وتخسير ، فإنهم كانوا في عداد {[40089]}من يرجى{[40090]} فلاحه ، فلما تورطوا في عبادتها ونشبوا في غوايتها وبعدوا عن الاستقامة{[40091]} بضلالتها خسروا أنفسهم التي هي رأس المال فكيف لهم بعد ذلك بالأرباح ؛ والقص : إتباع الأثر ، فهو هنا الإخبار بالأمور التي يتلو بعضها بعضاً ؛ والدعاء : طلب الطالب الفعل من غيره ، ونداء الشيء باسمه{[40092]} بحرف النداء ، {[40093]}وكلا الأمرين مرادان{[40094]} ؛ و { من دون {[40095]}الله } : من{[40096]} منزلة أدنى من منزلة عبادة{[40097]} الله لأنه من الأدون ، وهو الأقرب إلى جهة السفل ؛ {[40098]}والتب : الهلك والخسر{[40099]} .


[40085]:في ظ: أتيناك.
[40086]:من ظ ومد، وفي الأصل: إنذارهم.
[40087]:زيد بعده في الأصل وظ: التي، ولم تكن الزيادة في مد فحذفناها.
[40088]:زيد ما بين الحاجزين من ظ ومد.
[40089]:من مد، وفي الأصل: من ترجى، وفي ظ: فلا يرجى.
[40090]:من مد، وفي الأصل: من ترجى، وفي ظ: فلا يرجى.
[40091]:من ظ ومد، وفي الأصل: الاستعانة ـ كذا.
[40092]:زيد من ظ ومد.
[40093]:سقط من ظ.
[40094]:في ظ: مراد.
[40095]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[40096]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[40097]:من ظ ومد، وفي الأصل: عباد.
[40098]:سقط ما بين الرقمين من ظ ومد.
[40099]:سقط ما بين الرقمين من ظ ومد.
 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{وَمَا ظَلَمۡنَٰهُمۡ وَلَٰكِن ظَلَمُوٓاْ أَنفُسَهُمۡۖ فَمَآ أَغۡنَتۡ عَنۡهُمۡ ءَالِهَتُهُمُ ٱلَّتِي يَدۡعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ مِن شَيۡءٖ لَّمَّا جَآءَ أَمۡرُ رَبِّكَۖ وَمَا زَادُوهُمۡ غَيۡرَ تَتۡبِيبٖ} (101)

قوله : { وما ظلمناهم ولكن ظلموا أنفسهم } الظلم معناه وضع الشيء في غير موضعه . ويقال : من أشبه أباه فما ظلم . وفي المثل : من استرعى الذئب فقد ظلم{[2173]} . والمعنى : أن الله لم يعاقب هؤلاء الجاحدين من أهل القرى الذين قص علينا من أنبائهم بغير حق يكون عقابهم قد وضع في غير موضعه الصحيح . بل كان ذلك جزاء لهم على ظلمهم أنفسهم ؛ غذ جحدوا واستكبروا وأسرفوا في فعل المعاصي والمنكرات .

قوله : { فما أغنت عنهم آلهتهم التي يدعون من دون الله من شيء لما جاء أمر ربك } أي ما دفعت عنهم آلهتهم المزعومة التي كانوا يعبدونها من دون الله ويتخذونها لأنفسهم أربابا –ما دفعت عنهم شيئا من عذاب الله لما حل بهم . قوله : { وما زادوهم غير تتبيب } التتيب ، معناه التخسير ، من التباب وهو الخسران والهلاك . تبت يده تتب ، خسرت ، كناية عن الهلاك . وتبا له ؛ أي هلاكا . أو ألزمه الله هلاكا وخسرانا{[2174]} . والمعنى : لم تزدهم آلهتهم المفتراة التي عبدوها . وأربابهم المصطنعة التي دانوا لها بالخضوع والعبادة ، إلا الخسران والهلاك .


[2173]:مختار الصحاح ص 405.
[2174]:مختار الصحاح ص 74 والمصباح المنير جـ 1 ص 79.