الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{قَالَ سَـَٔاوِيٓ إِلَىٰ جَبَلٖ يَعۡصِمُنِي مِنَ ٱلۡمَآءِۚ قَالَ لَا عَاصِمَ ٱلۡيَوۡمَ مِنۡ أَمۡرِ ٱللَّهِ إِلَّا مَن رَّحِمَۚ وَحَالَ بَيۡنَهُمَا ٱلۡمَوۡجُ فَكَانَ مِنَ ٱلۡمُغۡرَقِينَ} (43)

قوله تعالى : " قال سآوي " أي ارجع وانضم . " إلى جبل يعصمني " أي يمنعني " من الماء " فلا أغرق . " قال لا عاصم اليوم من أمر الله " أي لا مانع ، فإنه يوم حق فيه العذاب على الكفار . وانتصب " عاصم " على التبرئة . ويجوز " لا عاصم اليوم " تكون لا بمعني ليس . " إلا من رحم " في موضع نصب استثناء ليس من الأول ، أي لكن من رحمه الله فهو يعصمه ، قاله الزجاج . ويجوز أن يكون في موضع رفع ، على أن عاصما بمعنى معصوم ، مثل : " ماء دافق{[8698]} " [ الطارق : 6 ] أي مدفوق ، فالاستثناء . على هذا متصل ، قال الشاعر :

بطيءُ القيام رخيمُ الكلا *** م أمْسَى فؤادي به فَاتِنَا

أي مفتونا . وقال آخر{[8699]} :

دع المكارم لا تنهض لبغيتها *** واقعد فإنك أنت الطاعمُ الكاسِي

أي المطعوم المكسو . قال النحاس : ومن أحسن ما قيل فيه أن تكون " من " في موضع رفع ، بمعنى لا يعصم اليوم من أمر الله إلا الراحم ، أي إلا الله . وهذا اختيار الطبري . ويحسن هذا أنك لم تجعل عاصما بمعنى معصوم فتخرجه من بابه ، ولا " إنه " بمعنى " لكن " " وحال بينهما الموج " يعني بين نوح وابنه . " فكان من المغرقين " قيل : إنه كان راكبا على فرس قد بطر بنفسه ، وأعجب بها ، فلما رأى الماء جاء قال : يا أبت فار التنور ، فقال له أبوه : " يا بني اركب معنا " فما استتم المراجعة حتى جاءت موجة عظيمة فالتقمته هو وفرسه ، وحيل بينه وبين نوح فغرق . وقيل : إنه اتخذ لنفسه بيتا من زجاج يتحصن فيه من الماء ، فلما فار التنور دخل فيه وأقفله{[8700]} عليه من داخل ، فلم يزل يتغوط فيه ويبول حتى غرق بذلك . وقيل : إن الجبل الذي أوى إليه " طور سيناء " .


[8698]:راجع ج 20 ص 4.
[8699]:البيت للحطيئة يهجو الزبرقان.
[8700]:في ع: أغلقه.
 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{قَالَ سَـَٔاوِيٓ إِلَىٰ جَبَلٖ يَعۡصِمُنِي مِنَ ٱلۡمَآءِۚ قَالَ لَا عَاصِمَ ٱلۡيَوۡمَ مِنۡ أَمۡرِ ٱللَّهِ إِلَّا مَن رَّحِمَۚ وَحَالَ بَيۡنَهُمَا ٱلۡمَوۡجُ فَكَانَ مِنَ ٱلۡمُغۡرَقِينَ} (43)

ولما كان الحال حال دهش واختلال . كان السامع جديراً بأن لا يصبر بل يبادر إلى السؤال فيقول : فما قال ؟ فقيل : { قال } قول من ليس له عقل تبعاً لمراد الله { سآوي إلى جبل يعصمني } أي بعلوه { من الماء } أي فلا أغرق { قال } أي نوح عليه السلام { لا عاصم } أي لا{[39281]} مانع من جبل ولا غير موجود{[39282]} { اليوم } أي لأحد { من أمر الله } أي الملك الأعظم المحيط أمره وقدرته وعلمه ، وهو حكمه بالغرق على كل ذي روح لا يعيش في الماء{[39283]} { إلا من{[39284]} رحم } أي إلا مكان من رحمة{[39285]} الله فإنه مانع من ذلك وهو السفينة ، أو لكن من رحمه الله فإن الله يعصمه .

ولما ركب نوح ومن أمره الله به وأراده . ولم تبق حاجة في تدرج ارتفاع الماء ، فعلاً{[39286]} وطماً وغلب وعتاً فهال الأمر وزاد على الحد والقدر ، قال تعالى عاطفاً على ما تقديره : فلم يسمع ابنه ذلك منه بل عصى أباه كما عصى الله فأوى إلى الجبل الذي أراده فعلاً الماء عليه ولم يمكنه بعد ذلك اللحاق بأبيه ولا الوصول

إليه{[39287]} : { وحال بينهما } أي بين الابن والجبل أو بينه وبين أبيه { الموج } المذكور في قوله { في{[39288]} موج كالجبال } { فكان } أي الابن{[39289]} بأهون أمر { من المغرقين* } وهم كل من لم يركب مع نوح عليه السلام من جميع أهل الأرض{[39290]} ؛ قال أبو حيان{[39291]} : قيل كانا يتراجعان الكلام فما استتمت المراجعة حتى جاءت موجة عظيمة وكان راكباً على فرس قد بطر وأعجب بنفسه فالتقمته{[39292]} وفرسه وحيل بينه وبين نوح عليه السلام فغرق - انتهى . والركوب : العلو على ظهر الشيء ، ركب الدابة والسفينة والبر والبحر ؛ والجري : مر سريع ؛ يقال : هذه العلة تجري في أحكامها ، أي تمر من غير مانع ، والموج جمع موجة قطعة عظيمة من الماء الكثير ترتفع{[39293]} عن حملته ، وأعظم ما يكون ذلك إذا اشتدت الريح ؛ والجبل : جسم عظيم الغلظ شاخص من الأرض هو لها كالوتد ؛ والعصمة : المنع من الآفة


[39281]:سقط من ظ.
[39282]:في ظ: موجودا.
[39283]:زيد من ظ.
[39284]:سقط من ظ.
[39285]:من ظ، وفي الأصل: رحم.
[39286]:من ظ، وفي الأصل: على.
[39287]:زيد من ظ.
[39288]:سقط من ظ.
[39289]:زيد من ظ.
[39290]:زيد من ظ.
[39291]:راجع البحر المحيط 5/227.
[39292]:في ظ: التقمه.
[39293]:من ظ، وفي الأصل: يرتفع.
 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{قَالَ سَـَٔاوِيٓ إِلَىٰ جَبَلٖ يَعۡصِمُنِي مِنَ ٱلۡمَآءِۚ قَالَ لَا عَاصِمَ ٱلۡيَوۡمَ مِنۡ أَمۡرِ ٱللَّهِ إِلَّا مَن رَّحِمَۚ وَحَالَ بَيۡنَهُمَا ٱلۡمَوۡجُ فَكَانَ مِنَ ٱلۡمُغۡرَقِينَ} (43)

{ قال سآوي على جبل يعصمني من الماء } سألجأ إلى جبل يمنعني من الماء فلا أغرق ، ظنا منه أن الطوفان لا يبلغ رؤوس الجبال ، فإذا تعلق جبل نجا ، وهو في ذلك واهم جهول ، فما علم أن الطوفان غامر وهادر وسيأتي على الخليقة جميعا .

وذلكم هو تقدير الله الذي يجازي المجرمين والجاحدين والمتكبرين سوء التنكيل في هذه الدنيا قبل يوم الحساب { قال لا عاصم اليوم من أمر الله إلا من رحم } لا مانع اليوم من الطوفان الذي سلطه الله على الظالمين . أما من وحمه الله ؛ فإنه يمنعه من هذا العقاب المغرق .

قوله : { وحال بينهما الموج فكان من المغرقين } حال الموج الجارف المنداح بين نوح عليه السلام وابنه الظالم لنفسه ؛ فهلك مع الهالكين بالتغريق{[2100]} .


[2100]:فتح القدير جـ 2 ص 500 والكشاف جـ 2 ص 27 والنسفي جـ 2 ص 188.