الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{أُوْلَـٰٓئِكَ لَهُمۡ نَصِيبٞ مِّمَّا كَسَبُواْۚ وَٱللَّهُ سَرِيعُ ٱلۡحِسَابِ} (202)

فيه ثلاث مسائل :

الأولى : قوله تعالى : " أولئك لهم نصيب مما كسبوا " هذا يرجع إلى الفريق الثاني فريق الإسلام ، أي لهم ثواب الحج أو ثواب الدعاء ، فإن دعاء المؤمن عبادة . وقيل : يرجع " أولئك " إلى الفريقين ، فللمؤمن ثواب عمله ودعائه ، وللكافر عقاب شركه وقصر نظره على الدنيا ، وهو مثل قوله تعالى : " ولكل درجات مما{[1824]} عملوا " [ الأنعام : 132 ] .

الثانية : قوله تعالى : " والله سريع الحساب " من سرع يسرع - مثل عظم يعظم - سرعا وسرعة ، فهو سريع . " الحساب " : مصدر كالمحاسبة ، وقد يسمى المحسوب حسابا . والحساب العد ، يقال : حسب يحسب حسابا وحسابة وحُسبانا وحِسبانا وحسبا ، أي عد وأنشد ابن الأعرابي :

يا جُمْلُ أسقاكِ{[1825]} بلا حِسَابَه *** سُقْيَا مَلَيكٍ حَسَنِ الرَّبَابَه{[1826]}

قَتلتني بالدَّلِ والخِلاَبَه

والحسب : ما عد من مفاخر المرء . ويقال : حسبه دينه . ويقال : ماله ، ومنه الحديث : الحسب المال والكرم التقوى ) رواه سمرة بن جندب ، أخرجه ابن ماجه ، وهو في الشهاب أيضا . والرجل حسيب ، وقد حسب حسابة ( بالضم ) ، مثل خطب خطابة . والمعنى في الآية : إن الله سبحانه سريع الحساب ، لا يحتاج إلى عد ولا إلى عقد ولا إلى إعمال فكر كما يفعله الحساب ، ولهذا قال وقول الحق : " وكفى بنا حاسبين " [ الأنبياء : 47 ] ، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( اللهم منزل الكتاب سريع الحساب ) الحديث . فالله جل وعز عالم بما للعباد وعليهم فلا يحتاج إلى تذكر وتأمل ، إذ قد علم ما للمحاسب وعليه ؛ لأن الفائدة في الحساب علم حقيقته . وقيل : سريع المجازاة للعباد بأعمالهم وقيل : المعنى لا يشغله شأن عن شأن ، فيحاسبهم في حالة واحدة ، كما قال وقوله الحق : " ما خلقكم ولا بعثكم إلا كنفس واحدة{[1827]} " [ لقمان : 28 ] . قال الحسن : حسابه أسرع من لمح البصر ، وفي الخبر ( إن الله يحاسب في قدر حلب شاة ) . وقيل : هو أنه إذا حاسب واحدا فقد حاسب جميع الخلق . وقيل لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه : كيف يحاسب الله العباد في يوم ؟ قال : كما يرزقهم في يوم . ومعنى الحساب : تعريف الله عباده مقادير الجزاء على أعمالهم ، وتذكيره إياهم بما قد نسوه{[1828]} ، بدليل قوله تعالى : " يوم يبعثهم الله جميعا فينبئهم بما عملوا أحصاه الله ونسوه " [ المجادلة : 6 ] . وقيل : معنى الآية سريع بمجيء يوم الحساب ، فالمقصد بالآية الإنذار بيوم القيامة . قلت : والكل محتمل فيأخذ العبد لنفسه في تخفيف الحساب عنه بالأعمال الصالحة ، وإنما يخف الحساب في الآخرة على من حاسب نفسه في الدنيا .

الثالثة : قال ابن عباس في قوله تعالى : " أولئك لهم نصيب مما كسبوا " هو الرجل يأخذ مالا يحج به عن غيره ، فيكون له ثواب . وروي عنه في هذه الآية أن رجلا قال : يا رسول الله ، مات أبي ولم يحج ، أفأحج عنه ؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ( لو كان على أبيك دين فقضيته أما كان ذلك يجزي ) . قال نعم . قال : ( فدين الله أحق أن يقضى ) . قال : فهل لي من أجر ؟ فأنزل الله تعالى : " أولئك لهم نصيب مما كسبوا " يعني من حج عن ميت كان الأجر بينه وبين الميت . قال أبو عبدالله محمد بن خويز منداد في أحكامه : قول ابن عباس نحو قول مالك ؛ لأن تحصيل مذهب مالك أن المحجوج عنه يحصل له ثواب النفقة ، والحجة للحاج ، فكأنه يكون له ثواب بدنه وأعماله ، وللمحجوج عنه ثواب ماله وإنفاقه ، ولهذا قلنا : لا يختلف في هذا حكم من حج عن نفسه حجة الإسلام أو لم يحج ؛ لأن الأعمال التي تدخلها النيابة لا يختلف حكم المستناب فيها بين أن يكون قد أدى عن نفسه أو لم يؤد ، اعتبارا بأعمال الدين والدنيا . ألا ترى أن الذي عليه زكاة أو كفارة أو غير ذلك يجوز أن يؤدي عن غيره وإن لم يؤد عن نفسه ، وكذلك من لم يراع مصالحه في الدنيا يصح أن ينوب عن غيره من مثلها فتتم لغيره وإن لم تتم لنفسه ، ويزوج غيره وإن لم يزوج نفسه .


[1824]:راجع ج 7 ص 87
[1825]:هكذا أورده الجوهري في الصحاح، وهي رواية الأصول. وفي اللسان: "وصواب إنشاده: يا جمل أسقيت" أي أسقيت بلا حساب ولا هنداز.
[1826]:في الأصول: "الرياسة" والتصويب عن الصحاح واللسان. والربابة (بالكسر): القيام على الشيء بإصلاحه وتربيته. والخلابة (بالكسر): أن تخلب المرأة قلب الرجل بألطف القول وأعذبه.
[1827]:راجع ج 14 ص 78
[1828]:راجع ج 17 ص 289
 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{أُوْلَـٰٓئِكَ لَهُمۡ نَصِيبٞ مِّمَّا كَسَبُواْۚ وَٱللَّهُ سَرِيعُ ٱلۡحِسَابِ} (202)

ولما كان هؤلاء على منهاج الرسل {[8884]}لأنهم عبدوا الله أولاً كما أشار إليه السياق فانكسرت نفوسهم ثم{[8885]} ذكروه على تلك المراتب الثلاث فنارت قلوبهم{[8886]} بتجلي{[8887]} نور جلاله سبحانه وتعالى فتأهلوا بذلك للدعاء فكان دعاؤهم كاملاً ، كما فعل الخليل عليه الصلاة والسلام حيث قال :{ الذي خلقني فهو يهدين }[ الشعراء : 78 ] الآيات حتى{[8888]} قال{ رب هب لي حكماً وألحقني بالصالحين{[8889]} }[ الشعراء : 83 ] فقدم الذكر على الدعاء وكما هدى إليه آخر آل عمران في قوله :{ ربنا إننا سمعنا منادياً ينادي للإيمان أن آمنوا بربكم فآمنا ربنا فاغفر لنا{[8890]} }[ آل عمران : 193 ] الآيات{[8891]} ، فقدموا الطاعة عظم شأنهم بقوله على سبيل الاستئناف{[8892]} جامعاً {[8893]}على معنى{[8894]} من بشارة بكثرة الناجي في هذه الأمة{[8895]} أو يكون الجمع لعظم{[8896]} صفاتهم : { أولئك }{[8897]} أي العالو المراتب العظيمو المطالب { لهم } {[8898]}أي هذا القسم فقط لأن الأول قد{[8899]} أخبر أن الأمر عليه لا له .

ولما كان غالب أفعال العباد على غير السداد {[8900]}وأقل{[8901]} ما فيها أن تكون خالية{[8902]} عن نية حسنة قال مشيراً إلى ذلك : { نصيب } وهو اسم للحظ الذي أتت عليه القسمة بين جماعة ، كائن{[8903]} { مما } {[8904]}لو قال : طلبوا - مثلاً ، لم يعم{[8905]} جميع أفعالهم ؛ ولو قال : فعلوا ، لظُن خروج القول فعدل إلى قوله : { كسبوا } أي{[8906]} طلبوا وأصابوا وتصرفوا واجتهدوا{[8907]} فيه وجمعوا من خلاصة أعمالهم القولية والفعلية ومنها الاعتقادية وهو ما أخلصوا فيه {[8908]}فهو الذي يثابون عليه{[8909]} وهو قليل بالنسبة إلى باقي أعمالهم .

ولما كان أسرع الناس حساباً{[8910]} أعلمهم بفنونه خطأ وصواباً و{[8911]}كان التقدير : فالله عالم بخفي أعمالهم وجليها وتمييز جيدها من رديئها فهو يجازيهم على حسب ذلك عطف عليه قوله : { والله } {[8912]}أي المحيط علماً وقدرة{[8913]} { سريع الحساب * } {[8914]}وهو أحصى الأعمال وبيان ما يجب لكل منها{[8915]} الجزاء واتصاله{[8916]} إلى العامل{[8917]} لما له من سعة العلم وشمول القدرة ، قيل لبعضهم : كيف يحاسب الله الخلق في وقت واحد ؟ قال : كما يرزقهم في وقت واحد ، {[8918]}وفيه ترغيب بأنه لا ينسى عملاً ، وترهيب بأنّه لا يمشي{[8919]} عليه باطل ولا يقدر على مدافعته مطاول{[8920]} .


[8884]:العبارة من هنا إلى "فقدموا الطاعة" ليست في ظ.
[8885]:زيد من م ومد.
[8886]:زيد من م ومد.
[8887]:من م ومد، وفي الأصل: تتجلى.
[8888]:زيد من م ومد.
[8889]:سورة 26 آية 78 – 83.
[8890]:زيد في م: ذنوبنا.
[8891]:سورة 3آية 193.
[8892]:العبارة من هنا إلى "صفاتهم" ليست في ظ.
[8893]:في م: أعلى.
[8894]:في م: أعلى.
[8895]:في الأصل: الآية والتصحيح من م ومد.
[8896]:في م ومد: تعظيم.
[8897]:فالظاهر أن "أولئك" إشارة إلى الفريقين إذ المحكوم به وهو كون نصيب لهم مما كسبوا مشترك بينهما، فالمعنى أن كل فريق له نصيب مما كسب إن خيرا فخير وإن شرا فشر، ولا يكون الكسب هنا الدعاء بل هذا مجرد إخبار من الله بما يؤل إليه أمر كل واحد من الفريقين وأن أنصباءهم من الخير والشر تابعة لأنصبائهم ....وكما جاء في الصحيح: وأما الكافر فيطعم بحسناته في الدنيا ما عمل لله بها فإذا أفضى إلى الآخرة لم يكن له حسنة يجزى بها – البحر المحيط 2 / 106.
[8898]:العبارة من هنا إلى "لأنه" ليست في ظ.
[8899]:ليس في م.
[8900]:من م ومد وظ وفي الأصل: ما قل.
[8901]:من م ومد وظ وفي الأصل: ما قل.
[8902]:في ظ: لحاله.
[8903]:ليس في ظ.
[8904]:زيد في م ومد "و" والعبارة من هنا "إلى قوله" ليست في ظ.
[8905]:في الأصل: لم يقم، والتصحيح من م ومد.
[8906]:العبارة من هنا إلى "الاعتقادية" ليست في ظ.
[8907]:في م: فاجتهدوا.
[8908]:ليست في ظ.
[8909]:ليست في ظ.
[8910]:زيد من م ومد وظ.
[8911]:زيد في مد "لما".
[8912]:ليست في ظ.
[8913]:ليست في ظ.
[8914]:العبارة من هنا إلى "إلى العامل" ليست في ظ.
[8915]:زيد من م ومد.
[8916]:في م: إيصاله.
[8917]:في الأصل: العالم، والتصحيح من م ومد.
[8918]:العبارة من هنا إلى "مطاول" ليست في ظ.
[8919]:في م: لا يمسي.
[8920]:في م: مطول.
 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{أُوْلَـٰٓئِكَ لَهُمۡ نَصِيبٞ مِّمَّا كَسَبُواْۚ وَٱللَّهُ سَرِيعُ ٱلۡحِسَابِ} (202)

وقوله : ( أولئك لهم نصيب مما كسبوا والله سريع الحساب ) اسم الإشارة في محل رفع مبتدأ . خبره الجملة الإسمية ( لهم نصيب ) في محل رفع . والإشارة تعود على المؤمنين الذين يدعون ربهم ويتضرعون إليه في خشية وتوسل وإخبات أن يعطيهم من خير الدنيا والآخرة . وهؤلاء هم أولو الحظ الكبير من عطاء الله ورضوانه يوم القيامة .

قوله : ( والله سريع الحساب ) ( الحساب ) يراد به الجزاء يوم القيامة . والله جل جلاله سريع المجازاة لعباده على أعمالهم . وهو سبحانه يحاسب الناس كنفس واحدة . قيل لعلي بن أبي طالب- رضي الله عنه- : كيف يحاسب الله العباد في يوم ؟ قال : كما يرزقهم في يوم{[281]} .


[281]:- تفسير الطبري جـ 2 ص 173- 176 وتفسير ابن كثير جـ 1 ص 243، 244.