الأولى : قوله تعالى : " أولئك لهم نصيب مما كسبوا " هذا يرجع إلى الفريق الثاني فريق الإسلام ، أي لهم ثواب الحج أو ثواب الدعاء ، فإن دعاء المؤمن عبادة . وقيل : يرجع " أولئك " إلى الفريقين ، فللمؤمن ثواب عمله ودعائه ، وللكافر عقاب شركه وقصر نظره على الدنيا ، وهو مثل قوله تعالى : " ولكل درجات مما{[1824]} عملوا " [ الأنعام : 132 ] .
الثانية : قوله تعالى : " والله سريع الحساب " من سرع يسرع - مثل عظم يعظم - سرعا وسرعة ، فهو سريع . " الحساب " : مصدر كالمحاسبة ، وقد يسمى المحسوب حسابا . والحساب العد ، يقال : حسب يحسب حسابا وحسابة وحُسبانا وحِسبانا وحسبا ، أي عد وأنشد ابن الأعرابي :
يا جُمْلُ أسقاكِ{[1825]} بلا حِسَابَه *** سُقْيَا مَلَيكٍ حَسَنِ الرَّبَابَه{[1826]}
والحسب : ما عد من مفاخر المرء . ويقال : حسبه دينه . ويقال : ماله ، ومنه الحديث : الحسب المال والكرم التقوى ) رواه سمرة بن جندب ، أخرجه ابن ماجه ، وهو في الشهاب أيضا . والرجل حسيب ، وقد حسب حسابة ( بالضم ) ، مثل خطب خطابة . والمعنى في الآية : إن الله سبحانه سريع الحساب ، لا يحتاج إلى عد ولا إلى عقد ولا إلى إعمال فكر كما يفعله الحساب ، ولهذا قال وقول الحق : " وكفى بنا حاسبين " [ الأنبياء : 47 ] ، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( اللهم منزل الكتاب سريع الحساب ) الحديث . فالله جل وعز عالم بما للعباد وعليهم فلا يحتاج إلى تذكر وتأمل ، إذ قد علم ما للمحاسب وعليه ؛ لأن الفائدة في الحساب علم حقيقته . وقيل : سريع المجازاة للعباد بأعمالهم وقيل : المعنى لا يشغله شأن عن شأن ، فيحاسبهم في حالة واحدة ، كما قال وقوله الحق : " ما خلقكم ولا بعثكم إلا كنفس واحدة{[1827]} " [ لقمان : 28 ] . قال الحسن : حسابه أسرع من لمح البصر ، وفي الخبر ( إن الله يحاسب في قدر حلب شاة ) . وقيل : هو أنه إذا حاسب واحدا فقد حاسب جميع الخلق . وقيل لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه : كيف يحاسب الله العباد في يوم ؟ قال : كما يرزقهم في يوم . ومعنى الحساب : تعريف الله عباده مقادير الجزاء على أعمالهم ، وتذكيره إياهم بما قد نسوه{[1828]} ، بدليل قوله تعالى : " يوم يبعثهم الله جميعا فينبئهم بما عملوا أحصاه الله ونسوه " [ المجادلة : 6 ] . وقيل : معنى الآية سريع بمجيء يوم الحساب ، فالمقصد بالآية الإنذار بيوم القيامة . قلت : والكل محتمل فيأخذ العبد لنفسه في تخفيف الحساب عنه بالأعمال الصالحة ، وإنما يخف الحساب في الآخرة على من حاسب نفسه في الدنيا .
الثالثة : قال ابن عباس في قوله تعالى : " أولئك لهم نصيب مما كسبوا " هو الرجل يأخذ مالا يحج به عن غيره ، فيكون له ثواب . وروي عنه في هذه الآية أن رجلا قال : يا رسول الله ، مات أبي ولم يحج ، أفأحج عنه ؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ( لو كان على أبيك دين فقضيته أما كان ذلك يجزي ) . قال نعم . قال : ( فدين الله أحق أن يقضى ) . قال : فهل لي من أجر ؟ فأنزل الله تعالى : " أولئك لهم نصيب مما كسبوا " يعني من حج عن ميت كان الأجر بينه وبين الميت . قال أبو عبدالله محمد بن خويز منداد في أحكامه : قول ابن عباس نحو قول مالك ؛ لأن تحصيل مذهب مالك أن المحجوج عنه يحصل له ثواب النفقة ، والحجة للحاج ، فكأنه يكون له ثواب بدنه وأعماله ، وللمحجوج عنه ثواب ماله وإنفاقه ، ولهذا قلنا : لا يختلف في هذا حكم من حج عن نفسه حجة الإسلام أو لم يحج ؛ لأن الأعمال التي تدخلها النيابة لا يختلف حكم المستناب فيها بين أن يكون قد أدى عن نفسه أو لم يؤد ، اعتبارا بأعمال الدين والدنيا . ألا ترى أن الذي عليه زكاة أو كفارة أو غير ذلك يجوز أن يؤدي عن غيره وإن لم يؤد عن نفسه ، وكذلك من لم يراع مصالحه في الدنيا يصح أن ينوب عن غيره من مثلها فتتم لغيره وإن لم تتم لنفسه ، ويزوج غيره وإن لم يزوج نفسه .
ولما كان هؤلاء على منهاج الرسل {[8884]}لأنهم عبدوا الله أولاً كما أشار إليه السياق فانكسرت نفوسهم ثم{[8885]} ذكروه على تلك المراتب الثلاث فنارت قلوبهم{[8886]} بتجلي{[8887]} نور جلاله سبحانه وتعالى فتأهلوا بذلك للدعاء فكان دعاؤهم كاملاً ، كما فعل الخليل عليه الصلاة والسلام حيث قال :{ الذي خلقني فهو يهدين }[ الشعراء : 78 ] الآيات حتى{[8888]} قال{ رب هب لي حكماً وألحقني بالصالحين{[8889]} }[ الشعراء : 83 ] فقدم الذكر على الدعاء وكما هدى إليه آخر آل عمران في قوله :{ ربنا إننا سمعنا منادياً ينادي للإيمان أن آمنوا بربكم فآمنا ربنا فاغفر لنا{[8890]} }[ آل عمران : 193 ] الآيات{[8891]} ، فقدموا الطاعة عظم شأنهم بقوله على سبيل الاستئناف{[8892]} جامعاً {[8893]}على معنى{[8894]} من بشارة بكثرة الناجي في هذه الأمة{[8895]} أو يكون الجمع لعظم{[8896]} صفاتهم : { أولئك }{[8897]} أي العالو المراتب العظيمو المطالب { لهم } {[8898]}أي هذا القسم فقط لأن الأول قد{[8899]} أخبر أن الأمر عليه لا له .
ولما كان غالب أفعال العباد على غير السداد {[8900]}وأقل{[8901]} ما فيها أن تكون خالية{[8902]} عن نية حسنة قال مشيراً إلى ذلك : { نصيب } وهو اسم للحظ الذي أتت عليه القسمة بين جماعة ، كائن{[8903]} { مما } {[8904]}لو قال : طلبوا - مثلاً ، لم يعم{[8905]} جميع أفعالهم ؛ ولو قال : فعلوا ، لظُن خروج القول فعدل إلى قوله : { كسبوا } أي{[8906]} طلبوا وأصابوا وتصرفوا واجتهدوا{[8907]} فيه وجمعوا من خلاصة أعمالهم القولية والفعلية ومنها الاعتقادية وهو ما أخلصوا فيه {[8908]}فهو الذي يثابون عليه{[8909]} وهو قليل بالنسبة إلى باقي أعمالهم .
ولما كان أسرع الناس حساباً{[8910]} أعلمهم بفنونه خطأ وصواباً و{[8911]}كان التقدير : فالله عالم بخفي أعمالهم وجليها وتمييز جيدها من رديئها فهو يجازيهم على حسب ذلك عطف عليه قوله : { والله } {[8912]}أي المحيط علماً وقدرة{[8913]} { سريع الحساب * } {[8914]}وهو أحصى الأعمال وبيان ما يجب لكل منها{[8915]} الجزاء واتصاله{[8916]} إلى العامل{[8917]} لما له من سعة العلم وشمول القدرة ، قيل لبعضهم : كيف يحاسب الله الخلق في وقت واحد ؟ قال : كما يرزقهم في وقت واحد ، {[8918]}وفيه ترغيب بأنه لا ينسى عملاً ، وترهيب بأنّه لا يمشي{[8919]} عليه باطل ولا يقدر على مدافعته مطاول{[8920]} .
وقوله : ( أولئك لهم نصيب مما كسبوا والله سريع الحساب ) اسم الإشارة في محل رفع مبتدأ . خبره الجملة الإسمية ( لهم نصيب ) في محل رفع . والإشارة تعود على المؤمنين الذين يدعون ربهم ويتضرعون إليه في خشية وتوسل وإخبات أن يعطيهم من خير الدنيا والآخرة . وهؤلاء هم أولو الحظ الكبير من عطاء الله ورضوانه يوم القيامة .
قوله : ( والله سريع الحساب ) ( الحساب ) يراد به الجزاء يوم القيامة . والله جل جلاله سريع المجازاة لعباده على أعمالهم . وهو سبحانه يحاسب الناس كنفس واحدة . قيل لعلي بن أبي طالب- رضي الله عنه- : كيف يحاسب الله العباد في يوم ؟ قال : كما يرزقهم في يوم{[281]} .