الثانية عشرة : قوله تعالى : " إن الذين آمنوا والذين هاجروا " الآية . قال جندب بن عبدالله وعروة بن الزبير وغيرهما : لما قتل واقد بن عبدالله التميمي عمرو بن الحضرمي في الشهر الحرام توقف رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أخذ خمسه الذي وفق في فرضه له عبدالله بن جحش وفي الأسيرين ، فعنف المسلمون عبدالله بن جحش وأصحابه حتى شق ذلك عليهم ، فتلافاهم الله عز وجل بهذه الآية في الشهر الحرام وفرج عنهم ، وأخبر أن لهم ثواب من هاجر وغزا ، فالإشارة إليهم في قوله : " إن الذين آمنوا " ثم هي باقية في كل من فعل ما ذكره الله عز وجل . وقيل{[1937]} : إن لم يكونوا أصابوا وزرا فليس لهم أجر ، فأنزل الله : " إن الذين آمنوا والذين هاجروا " إلى آخر الآية .
والهجرة معناها الانتقال من موضع إلى موضع ، وقصد ترك الأول إيثارا للثاني . والهجر ضد الوصل . وقد هجره هجرا وهجرانا ، والاسم الهجرة . والمهاجرة من أرض إلى أرض ترك الأولى للثانية . والتهاجر التقاطع . ومن قال : المهاجرة الانتقال من البادية إلى الحاضرة فقد أوهم ، بسبب أن ذلك كان الأغلب في العرب ، وليس أهل مكة مهاجرين على قوله . " وجاهد " مفاعلة من جهد إذا استخرج الجهد ، مجاهدة وجهادا . والاجتهاد والتجاهد : بذل الوسع والمجهود . والجهاد ( بالفتح ) : الأرض الصلبة . " ويرجون " معناه يطمعون ويستقربون . وإنما قال " يرجون " وقد مدحهم ؛ لأنه لا يعلم أحد في هذه الدنيا أنه صائر إلى الجنة ولو بلغ في طاعة الله كل مبلغ ، لأمرين : أحدهما لا يدري بما يختم له . والثاني - لئلا يتكل على عمله ، والرجاء ينعم ، والرجاء أبدا معه خوف ولا بد ، كما أن الخوف معه رجاء . والرجاء من الأمل ممدود ، يقال : رجوت فلانا رجوا ورجاء ورجاوة ، يقال : ما أتيتك إلا رجاوة الخير . وترجيته وارتجيته ورجيته وكله بمعنى رجوته ، قال بشر يخاطب بنته :
فَرَجِّي الخَير وانتظري إيابي *** إذا ما القارظُ العَنَزِيُ آبَا
وما لي في فلان رجِيّةٌ ، أي ما أرجو . وقد يكون الرجو والرجاء بمعنى الخوف ، قال الله تعالى : " ما لكم لا ترجون لله وقارا " {[1938]} أي لا تخافون عظمة الله ، قال أبو ذؤيب :
إذا لسعته النحل لم يرجُ لَسْعَهَا *** وخالفَهَا{[1939]} في بيت نُوبٍ عوامِلِ
أي لم يخف ولم يبال . والرجا - مقصور - : ناحية البئر وحافتاها ، وكل ناحية رجا . والعوام من الناس يخطئون في قولهم : يا عظيم الرجا ، فيقصرون ولا يمدون .
ولما بين سبحانه وتعالى المقطوع لهم بالنار بين الذين هم أهل لرجاء الجنة لئلا يزال العبد هارباً من موجبات النار{[9839]} مقبلاً على مرجئات الجنة خوفاً من أن يقع فيما يسقط رجاءه - وقال الحرالي : لما ذكر أمر المتزلزلين ذكر أمر{[9840]} الثابتين{[9841]} ؛ انتهى - فقال : { إن الذين آمنوا } أي أقروا بالإيمان{[9842]} .
ولما كانت الهجرة التي هي فراق المألوف والجهاد الذي هو المخاطرة بالنفس في مفارقة وطن البدن والمال في مفارقة وطن النعمة أعظم الأشياء على النفس بعد مفارقة وطن الدين كرر لهما الموصول إشعاراً باستحقاقهما للاصالة{[9843]} في أنفسهما فقال{[9844]} مؤكداً للمعنى بالإخراج في صيغة المفاعلة{[9845]} : { والذين هاجروا }{[9846]} أي{[9847]} أوقعوا المهاجرة بأن فارقوا بغضاً ونفرة تصديقاً لإقرارهم بذلك ديارهم ومن خالفهم فيه من أهلهم وأحبابهم . قال الحرالي : من المهاجرة وهو مفاعلة من الهجرة وهو التخلي عما شأنه الاغتباط به لمكان ضرر منه { وجاهدوا } {[9848]}أي أوقعوا{[9849]} المجاهدة ، مفاعلة من الجهد - فتحاً وضماً ، وهو الإبلاغ في الطاقة والمشقة في العمل { في سبيل الله } أي{[9850]} دين الملك الأعظم{[9851]} كل من خالفهم { أولئك } العالو الرتبة العظيمو الزلفى والقربة {[9852]}ولما كان أجرهم إنما هو من فضل الله قال{[9853]} : { يرجون{[9854]} } من الرجاء وهو ترقب الانتفاع بما{[9855]} تقدم له سبب ما - قاله الحرالي{[9856]} { رحمت{[9857]} الله } أي إكرامه لهم غير قاطعين بذلك علماً منهم أن له أن يفعل ما يشاء {[9858]}لأنه الملك الأعظم فلا كفوء له وهم غير قاطعين بموتهم محسنين ، {[9859]}قاطعون بأنه سبحانه وتعالى لو أخذهم بما يعلم من ذنوبهم عذبهم .
ولما كان الإنسان محل النقصان فهو لا يزال في فعل ما إن أوخذ به هلك قال مشيراً إلى ذلك مبشراً{[9860]} بسعة الحلم في جملة حالية من واو { يرجون } {[9861]}ويجوز{[9862]} أن يكون عطفاً على ما تقديره : ويخافون عذابه فالله منتقم عظيم : { والله } {[9863]}أي الذي له صفات الكمال{[9864]} { غفور } أي ستور لما فرط منهم من الصغائر أو{[9865]} تابوا عنه من الكبائر { رحيم * } فاعل بهم فعل الراحم من الإحسان والإكرام والاستقبال بالرضى . قال الحرالي{[9866]} : وفي الختم بالرحمة أبداً في خواتم الآي إشعار{[9867]} بأن فضل الله في الدنيا والآخرة ابتداء فضل ليس في الحقيقة جزاء العمل فكما يرحم العبد طفلاً ابتداء يرحمه كهلاً انتهاء ويبتدئه برحمته{[9868]} في معاده كما ابتدأه برحمته في ابتدائه - انتهى بالمعنى .
وقوله : ( إن الذين آمنوا والذين هاجروا وجاهدوا في سبيل الله أولئك يرجون رحمة الله والله غفور رحيم ) . لما قتلت سرية عبد الله بن جحش عمرو بن الحضرمي في الشهر الحرام ، عنّف المسلمون ابن جحش وأصحابه ، فلاقوا عن ذلك عنتا وأسفا ، ثم فرّج الله بهذه الآية عنهم وكشف عنهم ما أصابهم من فعلتهم في الشهر الحرام ، وبين لهم في الآية أنهم من المؤمنين الذين لهم أجر المهاجرين والمجاهدين في سبيل الله . وقد مدحهم الله بأنهم ( يرجون رحمة الله ) أي يطعمون مؤملين أن يشملهم الله برحمته ، فإنه سبحانه وتعالى ذو مغفرة للناس على ظلمهم وما اكتسبوا من الإثم ، وهو الرحيم الذي تسبق رحمته عذابه والذي يتجاوز للعباد عن السيئات لما يحيطهم به من واسع منّه وفضله وإحسانه . فقال في ذلك : ( والله غفور رحيم ) .