قوله تعالى : " يا أيها الناس ضرب مثل فاستمعوا له " هذا متصل بقوله : " ويعبدون من دون الله ما لم ينزل به سلطانا " . وإنما قال " ضرب مثل " لأن حجج الله تعالى عليهم بضرب الأمثال أقرب إلى أفهامهم . فإن قيل : فأين المثل المضروب ، ففيه وجهان : الأول : قال الأخفش : ليس ثَمَّ مثل ، وإنما المعنى ضربوا لي مثلا فاستمعوا قولهم ، يعني أن الكفار جعلوا لله مثلا بعبادتهم غيره ، فكأنه قال جعلوا لي شبيها في عبادتي فاستمعوا خبر هذا الشبه . الثاني : قول القتبي : وأن المعنى يا أيها الناس ، مثل من عبد آلهة لم تستطع أن تخلق ذبابا وإن سلبها الذباب شيئا لم تستطع أن تستنقذه منه . وقال النحاس : المعنى ضرب الله عز وجل ما يعبد من دونه مثلا ، قال : وهذا من أحسن ما قيل فيه ، أي بين الله لكم شبها ولمعبودكم . " إن الذين تدعون من دون الله " قراءة العامة " تدعون " بالتاء . وقرأ السلمي وأبو العالية ويعقوب " يدعون " بالياء على الخبر . والمراد الأوثان الذين عبدوهم من دون الله ، وكانت حول الكعبة{[11593]} ، وهي ثلاثمائة وستون صنما . وقيل : السادة الذين صرفوهم عن طاعة الله عز وجل . وقيل : الشياطين الذين حملوهم على معصية الله تعالى ، والأول أصوب . " لن يخلقوا ذبابا " الذباب اسم واحد للذكر والأنثى ، والجمع القليل أذِبَّة ، والكثير ذبان ، على مثل غراب وأغربة وغربان ، وسمي به لكثرة حركته . الجوهري : والذباب معروف الواحدة ذبابة ، ولا تقل ذبانة . والمِذَبّة ما يذب به الذباب . وذباب أسنان الإبل حدها . وذباب السيف طرفه الذي يضرب به . وذباب العين إنسانها . والذبابة البقية من الدين . وذبب النهار إذا لم يبق منه إلا بقية . والتذبذب التحرك . والذبذبة نَوْس الشيء المعلق في الهواء . والذَّبْذَب الذكر لتردده . وفي الحديث ( من وقي شر ذبذبه ) . وهذا مما لم يذكره - أعني - قوله : وفي الحديث{[11594]} . " وإن يسلبهم الذباب شيئا لا يستنقذوه منه " الاستنقاذ والإنقاذ التخليص . قال ابن عباس : ( كانوا يطلون أصنامهم بالزعفران فتجف فيأتي فيختلسه ) . وقال السدي : كانوا يجعلون للأصنام طعاما فيقع عليه الذباب فيأكله . " ضعف الطالب والمطلوب " قيل : الطالب الآلهة والمطلوب الذباب . وقيل بالعكس . وقيل : الطالب عابد الصنم والمطلوب الصنم ، فالطالب يطلب إلى هذا الصنم بالتقرب إليه ، والصنم المطلوب إليه . وقد قيل : " وإن يسلبهم الذباب شيئا " راجع إلى ألمه في قرص{[11595]} أبدانهم حتى يسلبهم الصبر لها والوقار معها . وخص الذباب لأربعة أمور تخصه : لمهانته وضعفه ولاستقذاره وكثرته ، فإذا كان هذا الذي هو أضعف الحيوان وأحقره لا يقدر من عبدوه من دون الله عز وجل على خلق مثله ودفع أذيته ، فكيف يجوز أن يكونوا آلهة معبودين وأربابا مطاعين . وهذا من أقوى حجة وأوضح برهان .
ولما أخبر تعالى عن أنه لا حجة لعابد غيره ، وهدد من عاند ، أتبعه بأن الحجة قائمة على أن ذلك الغير في غاية الحقارة ، ولا قدرة له على دفع ما هدد به عابدوه ولا على غيره ، فكيف بالصلاحية لتلك الرتبة الشريفة ، والخطة العالية المنيفة ، فقال منادياً أهل العقل منبهاً تنبيهاً عاماً : { يا أيها الناس } .
ولما كان المقصود من المثل تعقله لا قائله ، بني للمفعول قوله : { ضرب مثل } حاصله أن من عبدتموه أمثالكم ، بل هم أحقر منكم { فاستمعوا } أي أنصتوا متدبرين { له } ثم فسره بقوله : { إن الذين تدعون } أي في حوائجكم ، وتجعلونهم آلهة { من دون الله } أي الملك الأعلى من هذه الأصنام التي أنتم بها مغترون ، ولما تدعون فيها مفترون ، لأن سلب القدرة عنها يبين أنها في أدنى المراتب { لن يخلقوا ذباباً } أي لا قدرة لهم على ذلك الآن ، ولا يتجدد لهم هذا الوصف أصلاً في شيء من الأزمان ، على حال من الأحوال ، مع صغره ، فكيف بما هو أكبر منه { ولو اجتمعوا } أي الذين زعموهم شركاء { له } أي الخلق ، فهم في هذا أمثالكم { وإن } أي وأبلغ من هذا أنهم عاجزون عن مقاومة الذباب فإنه إن { يسلبهم الذباب } أي الذي تقدم أنه لا قدرة لهم على خلقه وهو في غاية الحقارة { شيئاً } من الأشياء جل أو قل مما تطلونهم به من الطيب أو تضعونه بين أيديهم من الأكل أوغيره { لا يستنقذوه } أي يوجدوا خلاصه أو يطلبوه { منه } فهم في هذا أحقر منكم ، وجهة التمثيل به في الاستلاب الوقاحة ، ولهذا يجوز عند الإبلاغ في الذب ، فلو كانت وقاحته في الأسد لم ينج منه أحد ، ولكن اقتضت الحكمة أن تصحب قوة الأسد النفرة ، ووقاحة الذباب الضعف ، وهو واحد لا جمع ، ففي الجمع بين العباب والمحكم أن ابن عبيدة قال : إنه الصواب ، ثم قال : وفي " كتاب ما تلحن فيه العامة " لأبي عثمان المازني : ويقال : هذا ذباب واحد ، وثلاثة أذّبة ، لأقل العدد ولأكثره ذباب ، وقول الناس : ذبابة - خطأ ، فلا تقله - .
ولما كان هذا ربما أفهم قوة الذباب ، عرف أن المقصود غير ذلك بقوله ، فذلكة للكلام من أوله : { ضعف الطالب } أي للاستنقاذ من الذباب ، وهو الأصنام وعابدوها { والمطلوب* } أي الذباب والأصنام ، اجتمعوا في الضعف وإن كانت الأصنام أضعف بدرجات .
قوله تعالى : ( يا أيها الناس ضرب مثل فاستمعوا له إن الذين تدعون من دون الله لن يخلقوا ذبابا ولو اجتمعوا له وإن يسلبهم الذباب شيئا لا يستنقذوه منه ضعف الطالب والمطلوب ( 73 ) ما قدروا الله حق قدره إن الله لقوي عزيز ( 74 ) ) المراد بالمثل الشبيه . والمقصود به هنا الأصنام التي كانت مصفوفة من حول الكعبة والتي عبدها المشركون من دون الله . وهذا خطاب من الله للناس منبها على حقارة الأصنام ، ومنددا بسفاهة أحلام الجاهلين وسخفها ؛ أي جعل لي المشركون السفهاء شبيها في عبادتي ؛ أي أصناما عبدوها من دوني . قوله : ( فاستمعوا له ) أي جعل المشركون لي شبيها في عبادتي فاستمعوا حال هذا الشبيه وتدبروه لتعلموا مبلغ الحماقة المسفة التي انحدرت إلى حضيضها عقول الجاهلين السفهاء . وذلك قوله : ( إن الذين تدعون من دون الله لن يخلقوا ذبابا ولو اجتمعوا له ) الذباب ، اسم واحد للذكر والأنثى ، وجمعه في الكثرة ذُبان . وفي القلة : أذبة . والواحدة ذبابة{[3148]} . والمعنى : أن الأصنام التي عبدتموها من دون الله ليست سوى أحجار صُم لا تعي ولا تدرك . ولا تملك أن تخلق ذبابا وهو أبسط أنواع الحشرات وأشدها هوانا وضعفا ؛ بل إن الذباب من الحشرات التي تستقذرها النفوس وتتقزز منها الطبائع البشرية لحقارتها وقذرها . هذه الحشرة البسيطة المستقذرة لا تملك الأصنام البلهاء الصم- وإن اجتمعت جميعا- أن تخلق شيئا منها .
قوله : ( وإن يسلبهم الذباب شيئا لا يستنقذوه منه ) الاستنقاذ ، معناه التخليص . وقد ذكر أن المشركين كانوا يطلون أصنامهم بالزعفران . وقيل : بالطعام فيقع عليه الذباب ليأكل منه . والمعنى : إذ وقع الذباب على هذه الأصنام فأخذ مما عليها شيئا ، لا تستطيع الأصنام أن تستخلص شيئا مما أخذه الذباب منها . والمراد إخبار الناس أن هذه الأصنام عاجزة عن خلق ذباب وهو المستقذر المهين ؛ بل إنها عاجزة عن استنقاذ شيء مما يسلبه الذباب منها .
قوله : ( ضعف الطالب والمطلوب ) ( الطالب ) معناه الأصنام المتخذة آلهة . ( والمطلوب ) ، الذباب ؛ أي عجز الطالب وهي الأصنام المعبودة من دون الله أن تستنقذ ما سلبه الذباب منها . وذلك غاية في التنديد بالمشركين الضالين الذين يذعنون بالخشوع والتقديس لهذه الأصنام البلهاء الصم التي لا تصنع حشرة مهينة قذرة كالذباب . وأعجز عن استرداد ما يسلبه الذباب منها .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.