الثالثة عشرة : قوله تعالى : " ربنا وآتنا ما وعدتنا على رسلك " أي على ألسنة رسلك ؛ مثل " واسأل القرية " {[3816]} . وقرأ الأعمش والزهري " رسلك " بالتخفيف ، وهو ما ذكر من استغفار الأنبياء والملائكة للمؤمنين ، والملائكة يستغفرون لمن في الأرض . وما ذكر من دعاء نوح للمؤمنين ودعاء إبراهيم واستغفار النبي صلى الله عليه وسلم لأمته . " ولا تخزنا " أي لا تعذبنا ولا تهلكنا ولا تفضحنا ، ولا تهنا ولا تبعدنا ولا تمقتنا يوم القيامة " إنك لا تخلف الميعاد " . إن قيل : ما وجه قولهم " ربنا وآتنا ما وعدتنا على رسلك " [ آل عمران : 194 ] وقد علموا أنه لا يخلف الميعاد ، فالجواب من ثلاثة أوجه :
الأول : أن الله سبحانه وعد من آمن بالجنة ، فسألوا أن يكونوا ممن وعد بذلك دون الخزي : والعقاب .
الثاني : أنهم دعوا بهذا الدعاء على جهة العبادة والخضوع ، والدعاء مخ العبادة . وهذا كقوله " قال رب احكم بالحق " {[3817]} [ الأنبياء : 112 ] وإن كان هو لا يقضي إلا بالحق .
الثالث : سألوا أن يعطوا ما وعدوا به من النصر على عدوهم معجلا ؛ لأنها حكاية عن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ، فسألوه ذلك إعزازا للدين . والله أعلم . وروى أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( من وعده الله عز وجل على عمل ثوابا فهو منجز له رحمة ومن وعده على عمل عقابا فهو فيه بالخيار ) . والعرب تذم بالمخالفة في الوعد وتمدح بذلك في الوعيد ، حتى قال قائلهم{[3818]} :
ولا يرهبُ ابنُ العم ما عشتُ صولتي *** ولا أختفي{[3819]} من خشية المُتَهَدد
وإني متى{[3820]} أوعدته أو وعدته *** لمخلف إيعادي ومنجز موعدي
ولما كان الله سبحانه وتعالى هو المالك التام الملك ، فهو ذو التصرف المطلق الذي لا يجب عليه شيء ، ولا يقبح منه شيء ؛ أشار إلى ذلك بقوله ملقناً لهم مكرراً صفة الإحسان تنبيهاً على مزيد الابتهال والتضرع والتخضع والتخشع : { ربنا وآتنا ما وعدتنا } {[20174]}ثم أشار إلى صدق هذا الوعد بحرف الاستعلاء الدال على الالتزام والوجوب فقال{[20175]} : { على رسلك } أي من إظهار الدين والنصر على الأعداء وحسن العاقبة وإيراث الجنة في مثل قوله تعالى :{ وبشر الذين آمنوا وعملوا الصالحات أن لهم جنات{[20176]} }[ البقرة : 25 ] وفي الدعاء بذلك إشارة إلى أنه لا يجب{[20177]} على الله سبحانه وتعالى شيء ولو تقدم به وعده{[20178]} الصادق وإن كنا نعتقد أنه لا يبدل القول لديه { ولا تخزنا يوم القيامة } أي بالمؤاخذة بالسيئات ثم أرشدهم إلى الإلهاب والتهييج مع التنبيه على ما نبه عليه أولاً من أنه لا يجب عليه شيء بقوله باسطاً لهم بلذة المنادمة بالمخاطبة{[20179]} : { إنك لا تخلف الميعاد } .
قوله : ( ربنا وآتنا ما وعدتنا على رسلك ) ذلك دعاء المؤمنين لله بأن يجعلهم ممن آتاهم ما وعدهم من الثواب والكرامة على ألسنة رسله . ففي الكلام حذف وهو لفظ الألسن ، كقوله : ( واسأل القرية ) .
قوله : ( ولا تخزنا يوم القيامة ) والخزي معناه الذل والمهانة والفضيحة وذلك تضرع من المؤمنين لله العلي القدير أن يدرأ عنهم الخزي يوم القيامة فيبعثهم غير خزايا ولا مفضوحين .
وقوله : ( إنك لا تخلف الميعاد ) سألوا ربهم وهم يعلمون أنه لا يخلف الميعاد . وكان ذلك منهم على سبيل العبادة والدعاء . فإن الدعاء مستحب ، بل إنه مخ العبادة .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.