الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{وَمَكَرُواْ وَمَكَرَ ٱللَّهُۖ وَٱللَّهُ خَيۡرُ ٱلۡمَٰكِرِينَ} (54)

قوله تعالى : " ومكروا " يعني كفار بني إسرائيل الذين أحس منهم الكفر ، أي قتله{[3123]} . وذلك أن عيسى عليه السلام لما أخرجه قومه وأمه من بين أظهرهم عاد إليهم مع الحواريين وصاح فيهم بالدعوة فهموا بقتله وتواطؤوا على الفتك به ، فذلك مكرهم . ومكر الله : استدراجه لعباده من حيث لا يعلمون ، عن الفراء وغيره . قال ابن عباس : كلما أحدثوا خطيئة جددنا لهم نعمة . وقال الزجاج : مكر الله مجازاتهم على مكرهم ؛ فسمى الجزاء باسم الابتداء ، كقوله : " الله يستهزئ بهم " {[3124]} [ البقرة : 15 ] ، " وهو خادعهم " {[3125]} [ النساء : 142 ] . وقد تقدم في البقرة . وأصل المكر في اللغة الاحتيال والخداع . والمكر : خدالة{[3126]} الساق . وامرأة ممكورة الساقين . والمكر : ضرب من الثياب . ويقال : بل هو المَغَرَة ، حكاه ابن فارس . وقيل : " مكر الله " إلقاء شَبَه عيسى على غيره ورفع عيسى إليه ، وذلك أن اليهود لما اجتمعوا على قتل عيسى دخل البيت هاربا منهم فرفعه جبريل من الكوة إلى السماء ، فقال ملكهم لرجل منهم خبيث يقال له يهوذا : ادخل عليه فاقتله ، فدخل الخوخة فلم يجد هناك عيسى وألقى الله عليه شبه عيسى ، فلما خرج رأوه على شبه عيسى فأخذوه وقتلوه وصلبوه . ثم قالوا : وجهه يشبه وجه عيسى ، وبدنه يشبه بدن صاحبنا ، فإن كان هذا صاحبنا فأين عيسى وإن كان هذا عيسى فأين صاحبنا فوقع بينهم قتال فقتل بعضهم بعضا ، فذلك قوله تعالى : " ومكروا ومكر الله " . وقيل غير هذا على ما يأتي . " والله خير الماكرين " اسم فاعل من مكر يمكر مكرا . وقد عده بعض العلماء في أسماء الله تعالى فيقول إذا دعا به : يا خير الماكرين امكر لي . وكان عليه السلام يقول في دعائه : ( اللهم امكر لي ولا تمكر علي ) . وقد ذكرناه في الكتاب الأسنى في شرح أسماء الله الحسنى . والله أعلم .


[3123]:- في ز: بقتله.
[3124]:- راجع جـ1 ص 201.
[3125]:- راجع جـ5 ص 421.
[3126]:- في اللسان: حسن خدالة الساقين أي امتلاؤها واستدارتها.
 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{وَمَكَرُواْ وَمَكَرَ ٱللَّهُۖ وَٱللَّهُ خَيۡرُ ٱلۡمَٰكِرِينَ} (54)

ولعله عقب ذلك بقوله : { ومكروا } المعطوف على قوله : { قال من أنصاري إلى الله{[17362]} } بالإضمار الصالح لشمول{[17363]} كل{[17364]} من تقدم له ذكر إشارة إلى أن التمالؤ{[17365]} عليه يصح أن ينسب إلى المجموع من حيث هو مجموع ، أما مكر اليهود{[17366]} فمشهور ، وأما الحواريون الاثنا عشر{[17367]} فنقض{[17368]} أحدهم وهو الذي تولى كبر الأمر وجر{[17369]} اليهود إليه ودلهم عليه - كما يأتي بيانه إن شاء الله تعالى في سورة النساء ، و{[17370]}ترتيب المكر على الشرط يفهم أنهم لما علموا إحساسه بكفرهم خافوا {[17371]}غائلته فأعملوا{[17372]} الحيلة في قتله . والمكر - قال الحرالي - إعمال الخديعة والاحتيال في هدم بناء {[17373]}ظاهر كالدنيا ، والكيد أعمال الخدعة والاحتيال في هدم بناء{[17374]} باطن كالتدين والتخلق وغير ذلك ، فكان المكر خديعة{[17375]} حس والكيد خديعة معنى - انتهى . ثم إن مكرهم تلاشى واضمحل بقوله : { ومكر الله } أي المحيط بكل شيء قدرة وعلماً .

ولما كان المقام لزيادة العظمة أظهر ولم يضمر لئلا يفهم الإضمار خصوصاً من جهة ما فقال : { والله } أي والحال أنه{[17376]} الذي له هذا الاسم الشريف{[17377]} فلم يشاركه{[17378]} فيه أحد بوجه { خير الماكرين * } بإرادته{[17379]} تأخير حربه{[17380]} لهم إلى وقت قضاه{[17381]} في الأزل فأمضاه ، وذلك عند مجيء الدجال بجيش اليهود فيكون أنصاره الذين{[17382]} سألهم ربه{[17383]} هذه الأمة تشريفاً لهم ، ثم بين ما فعله بهم من القضاء الذي هو على صورة المكر في كونه أذى{[17384]} يخفى على المقصود به بأنه{[17385]} رفعه إليه وشبه ذلك عليهم حتى ظنوا أنهم صلبوه{[17386]} وإنما صلبوا أحدهم ، ويقال : إنه الذي دلهم ، وأما هو عليه الصلاة والسلام فصانه عنده بعد رفعه إلى محل أوليائه وموطن قدسه لينزله في آخر الزمان لاستئصالهم بعد أن ضرب{[17387]} عليهم الذلة بعد قصدهم له بالأذى الذى طلبوا به {[17388]}العز إلى{[17389]} آخر الدهر فكان تدميرهم في تدبيرهم ، وذلك أخفى الكيد .


[17362]:زيد من ظ.
[17363]:من ظ ومد، والأصل: بشمول.
[17364]:سقط من ظ.
[17365]:من ظ ومد، وفي الأصل: التماكر.
[17366]:في ظ: الشهود.
[17367]:في ظ: الاثنى عشر.
[17368]:من مد، وفي الأصل: بتقض، وفي ظ: فيفض.
[17369]:ي ظ: الامم وحر.
[17370]:في ظ: الامم وحر.
[17371]:سقطت الواو من ظ.
[17372]:في ظ: غائلة مما عملوا.
[17373]:في ظ: غائلة مما عملوا.
[17374]:سقطت من ظ.
[17375]:سقطت من ظ.
[17376]:في مد: إن.
[17377]:سقط من ظ ومد.
[17378]:من مد، وفي الأصل وظ: فلم يشارك.
[17379]:من ظ ومد، وفي الأصل: بارادة.
[17380]:من ظ ومد، وفي الأصل: ضربة.
[17381]:من ظ ومد، وفي الأصل: قضاة.
[17382]:في ظ: سالوهم ربهم.
[17383]:في ظ: سالوهم ربهم..
[17384]:في ظ: أدنى
[17385]:في ظ: بان.
[17386]:من ظ ومد، وفي الأصل: طلبوه.
[17387]:في ظ: ضربت.
[17388]:في ظ: الغزالي.
[17389]:في ظ: الغزالي.
 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{وَمَكَرُواْ وَمَكَرَ ٱللَّهُۖ وَٱللَّهُ خَيۡرُ ٱلۡمَٰكِرِينَ} (54)

قوله : ( ومكروا ومكر الله والله خير الماكرين ) المكر في اللغة : الاحتيال والخديعة أو السعي بالفساد في خفية ومداجاة ، أما مكر هؤلاء الكافرين الظالمين بعيسى عليه السلام فهو أنهم هموا بقتله ، وأما مكر الله تعالى بهم فإنه يحتمل عدة وجوه : منها : أن الله رفع عيسى إلى السماء فلم يمكنهم من إيصال الشر إليه ، وذلك تملأ الظالمون على قتله فنجاه الله من كيدهم وسوء تدبيرهم .

ومنها : أن الحواريين كانوا اثني عشر ، وكانوا مجتمعين في بيت فنافق رجل منهم ، ودل عليه اليهود ، فألقى الله عليه شبه عيسى ورفع إليه عيسى ، فأخذوا ذلك المنافق ثم قتلوه وصلبوه ظانين أنه عيسى عليه السلام ، فكان ذلك هو مكر الله بهم .

ومنها : أن الله سلط عليهم ملك فارس فقتلهم وسباهم ، فهذا هو مكر الله تعالى ، وقيل غير ذلك{[477]} .

ومما هو قمين ذكره هنا أن المكر هو المكر من حيث حقيقته ومعناه وما يفضي إليه من الويلات والشرور التي تحيق بالبشرية ، وبخاصة الفئة المؤمنة السائرة على منهج الله القويم ، وهو في الجملة يعني التمحل والتحيل والخداع سعيا لا فتعال الشر وإلحاقه بالآخرين ، ولا يحفز إلى ذلك إلا سوء القصد وفساد الطوية ، وما برح الزمان أو التاريخ يحدثنا عن وجوه الخداع والتمالؤ الخبيث الذي يقارفه الأشرار من الناس في حق الفئة المؤمنة الصالحة ، الفئة التي تمضي على صراط الله وتدعو إلى الحق على بصيرة ويقين .

ما برحت والسنون تحمل في طياتها أكدارا من صور الويلات والقواصم التي تلطخت بها أجبنة الطغاة المجرمين ، سواء كانوا من بني إسرائيل أو غيرهم ، لا جرم أن الأشرار والفجار والعتاة الظالمين كثيرون وهم تعج بهم جنبات الأرض عبر زمانها الطويل ، يستوي في ذلك الأشرار والفجار من اليهود أو الهنود أو الأوربيين أو العرب أو غيرهم من أصناف البشر . أولئك الذين كادوا للفئة المؤمنة كيدا وتواطأوا فيما بينهم – في الليل والنهار- لتدمير الإسلام وإزالة شوكة المسلمين أو اصطلامهم البتة إن استطاعوا .

لكن الأهم من ذلك كله أن الله لهؤلاء وأمثالهم من الأرجاس والمناكيد بالمرصاد ، لا جرم أن الله أكبر من كل كبير . فهو القاهر فوق عباده وهو خير الماكرين ، فإنه سبحانه وتعالى يحصي على هؤلاء الأشرار من شياطين البشر كل أفعالهم الشريرة وكل ما جنوه في حق المؤمنين من خداع وتضليل ومكر .

وهو في ذلك إنما يملي لهم ويستدرجهم إلى جحيم الذل والعار والهزيمة استدراجا حتى إذا حان الأجل ودقت ساعة النصر والغلبة للمؤمنين الصابرين من دعاة الإسلام ، سقط الظالمون في وهاد الخزي وباءوا بالانتكاس والإياس .

لا جرم أن ذلك مكر الله وأنه من تقديره وتدبيره ! وهو مقتضى قوله عز من قائل : ( ومكروا ومكر الله والله خير الماكرين ) .


[477]:- - تفسير الرازي جـ 8 ص 70- 73 وتفسير الطبري – جـ 3 ص 200- 202 مختار الصحاح ص 161.